ملخص
لم يعد الباسيج مجرد اسم يرد في هوامش الأخبار خلال الحرب الجارية على إيران، ولا مجرد ذراع داخلية يعرفها الإيرانيون أكثر من سواهم، بل صار هو نفسه خبراً رئيساً بعد الضربات التي طاولت مواقعه ومقتل عدد من قادته، بينهم رئيسه غلام رضا سليماني. فماذا نعرف عن الباسيج؟ ولماذا يبدو، حتى وهو يتلقى ضربات قاسية، جهازاً صعب الكسر؟
لا يمكن فهم كيفية بناء قوات الباسيج بعد الثورة الإيرانية ولا الغاية منها من خلال أدوارها في الشارع الإيراني وحده، ولا من صور عناصرها المنتشرين في الجامعات والأحياء ونقاط التفتيش، بل من تلك اللحظة التي فكرت فيها الجمهورية الوليدة بعد انتصار الثورة، في كيفية حماية نفسها، لا بجيش الدولة القديم فقط، بل بالمجتمع نفسه.
لم يولد الباسيج كمؤسسة مكتملة، بل بوصفه جواباً ثورياً على شعور بالخطر. وتعيد الرواية الرسمية الإيرانية لحظة التأسيس لأواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، في مناخ ما بعد اقتحام السفارة الأميركية في طهران، حين شعرت القيادة الجديدة بأن الجمهورية الثورية راحت تدخل مبكراً طور التهديد الخارجي، عندها صدر نداء المرجع الديني وقائد الثورة روح الله الخميني لتشكيل ما سمي بـ"جيش الـ20 مليوناً".
لم يكن المقصود تأسيس وحدة محدودة أو قوة نخبة، بل تحويل المجتمع كله إلى احتياط تعبوي للدفاع عن الثورة والجمهورية. وهنا تكمن الفكرة الأولى والأساسية للباسيج، لم يكن جهازاً عسكرياً صرفاً، بل صيغة لتسليح المجتمع عند الحاجة وتحويله إلى أداة دفاع وتعبئة وضبط وتضحية كلما احتاج النظام إليه، كما حصل في قمع موجات الاحتجاج الإيرانية المتعاقبة خلال الأعوام الماضية، وهو الحال اليوم في هذه الحرب التي نعرف متى بدأت، لكن حتى من أشعلها لا يعرف متى وكيف تنتهي.
ولادتان متتاليتان
يمكن القول إن الباسيج ولد مرتين، أول مرة كفكرة سياسية دفاعية في أجواء ما بعد الثورة، ثم مرة ثانية كجهاز فعلي واسع النطاق مع اندلاع الحرب مع العراق. وهذه الولادة الثانية هي التي منحته الجسد البشري والرمز والخبرة والانتشار، وحولته من شعار تعبوي إلى أحد أكثر أجهزة الجمهورية الإيرانية التصاقاً بفكرة التضحية والشهادة والدفاع عن النظام.
فلو بقيت إيران بعد الثورة في مناخ داخلي أكثر استقراراً، لربما ظل الباسيج مجرد صيغة تعبئة احتياطية أو تنظيم دعم شعبي، لكن حرب 1980 سرعت كل شيء. ففي البداية ساعد الحرس الثوري ولجان الثورة في حفظ الأمن ومواجهة التمردات والانفصالات في بعض الأطراف، ثم ما لبث أن تحول إلى خزان تعبئة للجبهات يرفد الحرب بالمقاتلين.
هنا بالضبط اكتسب الباسيج مكانته الخاصة داخل الجمهورية الإيرانية، لم يعد مجرد تنظيم، بل صار مدرسة تعبئة ومصنعاً للشرعية الرمزية وأحد المختبرات التي صاغت بها الدولة الجديدة علاقتها بالمجتمع وبالموت وبالدفاع عن النظام.
من النداء إلى النص القانوني
الخطوة الأولى كانت دستورية من حيث المبدأ، فالمادة 150 من دستور الجمهورية الإيرانية تنص على إبقاء الحرس الثوري، لأنه تشكل في الأيام الأولى لانتصار الثورة، لكي يواصل حراسة الثورة ومنجزاتها، وتترك للقانون تحديد حدود مهماته وعلاقته ببقية القوات المسلحة. وهذه ليست مجرد صياغة تقنية، بل تأسيس لفكرة مركزية تخلق جهازاً في الدولة مهمته حماية الثورة، لا الدولة بمفهومها التقليدي فقط.
ومن هذا المنطق جرى تثبيت الباسيج، فالقانون أو النظام الأساس للحرس الثوري فتح قسماً خاصاً بـ"باسيج المستضعفين". وهكذا صار للباسيج تعريف قانوني وهدف واضح ومهمات محددة، لم يعد مجرد نداء تعبوي، بل كياناً مؤسساتياً يتحرك باسم القانون. وقد منحته النصوص التنظيمية أدواراً في التدريب العسكري والإعداد العقائدي والسياسي والتنظيم الاجتماعي والتعبئة للدفاع والمساهمة في الإغاثة والخدمات، وهذا كله يدل على أن الباسيج لم يصمم كميليشيات موسمية، بل كجهاز طويل العمر، قادر على استدعاء المجتمع وإعادة تشكيله باستمرار.
ومع الوقت، توسعت البيئة القانونية والإدارية التي تحيط به، ومنحت بعض عناصره ووحداته أدواراً عملية في مجالات المساندة الأمنية والضبط، والتعاون مع المؤسسات المحلية والعامة. وهذا ما جعل الباسيج أكثر من مجرد فرع تابع إدارياً للحرس، بل كياناً يتحرك داخل المجتمع بغطاء قانوني يسمح له بالعمل من موقع شبه رسمي.
كيف تحولت الفكرة إلى شبكة؟
الباسيج عبارة عن شبكة هرمية دقيقة صممت بحيث تجمع بين الانتشار الأفقي الواسع والسيطرة العمودية المحكمة، وبعبارة أبسط هو جهاز يستطيع أن يصل إلى أماكن كثيرة من دون أن يفلت من المركز.
في القمة، توجد قيادة الباسيج المرتبطة مباشرة بالحرس الثوري، وهذه القيادة ليست مستقلة سياسياً أو عسكرياً، بل هي جزء من الهيكل العام للحرس، وتخضع في النهاية للسلسلة القيادية العليا في النظام. وهذا يعني أن أية حركة في القاعدة، مهما بدت محلية أو عفوية، لها سقف مركزي واضح.
ثم يبدأ التقسيم الجغرافي عبر المحافظات، ثم المناطق، ثم النواحي، وصولاً إلى الخلايا أو المجموعات الصغيرة. فالباسيج يعمل وفقاً لرؤية تعتبر أن المجتمع ليس كتلة واحدة، بل مربعات صغيرة يمكن تنظيمها ومراقبتها وتحريكها عند الحاجة.
وفي المستوى الأدنى نجد الخلية أو النواة، وهي الوحدة الحقيقية لهذا الجهاز. مجموعة صغيرة من الأفراد، غالباً يعرفون بعضهم بعضاً، تعمل داخل مسجد أو مدرسة أو جامعة أو مكان عمل. وهذا ما يسهم في تحويل الباسيج إلى مؤسسة تقوم على العلاقة الاجتماعية اليومية بالمواطنين، وعلى التشبيك مع بقية الأجهزة العسكرية والأمنية الإيرانية.
ولا تتوقف بنية الباسيج عند الجغرافيا، فقد حصل خلال الأعوام على تمدد وظيفي وقطاعي واسع، فصار هناك باسيج للطلاب وآخر للجامعات وللعمال وللمهنيين وللموظفين ولسكان الأحياء ولسواهم من الفئات. وهذا يعني أن الجهاز لا ينتشر مكانياً فقط، بل داخل الأدوار الاجتماعية أيضاً، مما منحه حضوراً كثيفاً يصعب فصله عن الحياة اليومية نفسها.
وهكذا يبدو حضوره في الأوقات العادية منخفض الشدة، وأقرب إلى النشاط الثقافي أو الاجتماعي أو الخدمي، لكن في لحظات الأزمة أو الاحتجاج أو الحرب يمكن رفع مستوى تشغيل هذه الشبكة بسرعة، لتتحول من وجود هادئ إلى قوة كثيفة في الشارع. وهذا ما جعل هذا الجهاز، في جوهره، إحدى الصيغ التي حاول بها النظام الإيراني أن يجعل الثورة مقيمة داخل المجتمع، لا داخل الهيكلية النظامية فقط.
الباسيج مقارنة بالحرس
الفرق الجوهري بين الحرس والباسيج أن الحرس هو المؤسسة الأم: قيادة مركزية وأفرع ووظائف عسكرية وأمنية واستخبارية ونفوذ عابر لقطاعات الدولة، أما الباسيج فهو الشبكة الشعبية التابعة لهذا العالم، والمكلفة أساساً بالانتشار الداخلي والتعبئة الاجتماعية والأمنية.
لكن هذه العلاقة لم تبق عامة وفضفاضة، بل أصبحت أكثر إحكاماً، وصار الباسيج أحد أهم أدوات النظام في الأمن الداخلي. فالدولة الإيرانية لم ترد أن تترك مسافة واسعة بين الحشد الشعبي وبين القيادة العسكرية والأمنية المركزية، بل عملت على تضييق هذه المسافة إلى أقصى حد.
لهذا السبب يظهر الباسيج غالباً في ملفات الأمن الداخلي أكثر من ظهوره في ملفات الحرب التقليدية، لأن موقعه الفعلي يشبه موقع صمام طوارئ اجتماعي أمني حين ينزل الناس إلى الشوارع احتجاجاً، أو حين يشعر النظام بأن ثمة تهديداً سياسياً أو معنوياً داخلياً، فيتحول الباسيج بسرعة إلى قوة تعبئة وضبط وحشد وردع. ولهذا يمكن وصفه بأنه الجهاز الذي يقف في المسافة الفاصلة بين المجتمع والسلطة، بحيث يمنع الشارع من الانفصال الكامل عن قبضة الدولة.
وقد منحت القوانين والمواد التنظيمية بعض وحداته أدواراً شبه تنفيذية، كذلك أوجبت على مؤسسات عامة ومحلية التعاون معه. وهذا لا يجعله بديلاً عن أجهزة الدولة الأخرى، لكنه يجعله كياناً يتحرك داخل فضاء الدولة والمجتمع بغطاء قانوني وإداري، لا كجماعة أهلية عفوية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الباسيج بوصفه حياة يومية
لكن اختزال الباسيج في صورته الأمنية وحدها يبقى تبسيطاً، فهذا الجهاز، كما تقدمه الدولة الإيرانية وكما تعكسه صحافتها، لا يظهر دائماً بوصفه قوة قمع، بل أيضاً كجهاز يقدم خدمات في التربية والتعليم والصحة والمساعدات العينية والمادية للمحتاجين والتنمية المحلية، بما يجعله أقرب إلى مشروع لإعادة تنظيم المجتمع على صورة الثورة.
فهو لا يكتفي بوجود قواعد في الأحياء، بل يحرص على أن تكون له فروع داخل مختلف الفئات الاجتماعية، كالطلاب والجامعات والموظفين والعمال والمهنيين وسكان الأحياء في المدن الكبرى، وكذلك في القرى والبلدات البعيدة من المركز.
ومن أهم الواجهات التي يقدم بها نفسه ما يعرف بـ"بسيج سازندگی"، أي باسيج البناء أو الإعمار. وفي هذا الفرع يظهر كفاعل في إزالة الحرمان والاقتصاد المقاوم والمشاريع العمرانية والخدماتية في المناطق الفقيرة والريفية، وهذه هي الطريقة نفسها التي اتبعها "حزب الله" اللبناني و"الحشد الشعبي" العراقي و"أنصار الله" في اليمن و"حماس" في غزة، من أجل تجذير العلاقة مع الناس وتحقيق الربط العاطفي عبر وصول الدولة أو الحزب إلى المجتمع من خلال الشبكة التعبوية، لا عبر الإدارة الرسمية وحدها.
وينطبق هذا أيضاً على "باسيج المحال" الذي يقدم نفسه كرأسمال اجتماعي يعرف مشكلات الأحياء من الداخل ويساعد في حلها، والأمر نفسه ينسحب على الجامعات التي تحولت إلى ساحة مركزية لتكريس هذه الصورة. فـ"الباسيج الطلابي الجامعي" يعمل كفضاء لصوغ وعي شبابي منسجم مع الدولة الثورية، يجمع بين النشاط الثقافي والعمل الميداني والخدمة والانضباط الأيديولوجي، خصوصاً في محاولة التأثير في السلوك العام وفرض نوع من الرقابة الأخلاقية المجتمعية.
ولا تدخل قوات الباسيج المجتمع وقت الخطر من خارجه، بل تتحرك من داخله، ولهذا تجمع بين الردع النفسي والحضور الميداني وحماية المقار والمساندة الأمنية، وأحياناً المراقبة المحلية والحشد المضاد، وهذه بالذات هي قيمته بالنسبة إلى النظام الإيراني.
وهذا ما يفسر لماذا بقي، على رغم التحولات والضربات والاهتزازات، واحداً من أكثر أجهزة الجمهورية الإيرانية التصاقاً بفكرتها الأصلية.