Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عقود للتعافي... وللبيئة نصيب أيضا من حرب إيران

متخصصون يحذرون من تلوث الهواء والمياه والتربة وتعرض ملايين البشر للخطر مع آثار ممتدة على التنوع البيولوجي والغذاء والمناخ في الشرق الأوسط

تلوث الهواء أحد أخطر النتائج المباشرة لحرب إيران (أ ف ب)

ملخص

قد يستغرق تعافي بعض النظم البحرية 10 إلى 30 عاماً. وتمتد التداعيات إلى تدهور التربة والأراضي الزراعية بسبب بقايا المتفجرات والذخائر الثقيلة التي تخلّف معادن سامة مثل الرصاص والنحاس والزنك، مما قد يقلل الإنتاج الزراعي بنسبة 20 إلى 40 في المئة، ويجعل بعض الأراضي غير صالحة للزراعة سنوات طويلة... هذا ما تجنيه البيئة من حرب إيران

الهواء يملؤه دخان الحروب والحرائق، والمياه مهددة ببقع النفط المتسربة، والتربة تتحول إلى حقول مشبعة بالمعادن السامة، بينما تستمر الحرب الإيرانية على الأرض بلا توقف، وما بين الانفجارات المكثفة وتحركات الآليات العسكرية الثقيلة واستهداف المنشآت النفطية والصناعية يطلق جسيمات دقيقة وغازات سامة في الهواء، وسط مخاوف من أن يؤدي التلوث السام الناتج عن الحرب الإيرانية إلى انتشاره لعقود، وتعريض ملايين البشر إلى الخطر.

ويشير متخصصون إلى أن هذه المؤشرات، حتى قبل معرفة حجم الأضرار الكامل، تكشف أن الصراع الجاري لا يترك المنطقة آمنة بيئياً، بل يحوّل ساحات المعارك إلى نقاط احتكاك مباشرة بين النشاط العسكري والنظم البيئية الحساسة في الشرق الأوسط.

أنظمة بيئية في خطر

يؤكد المتخصص البيئي اللبناني، رئيس جمعية "الأرض – لبنان"، بول أبي راشد، لـ"اندبندنت عربية"، أن الحروب من أكثر الأنشطة البشرية تدميراً للبيئة، إذ تجمع خلال فترة قصيرة بين مصادر متعددة للتلوث وتدمير النظم البيئية. محذراً من أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط سيزيد من هذه التداعيات في منطقة هشة بيئياً.

ويشير أبي راشد إلى أن تلوث الهواء إحدى أخطر النتائج المباشرة، فالقصف المكثف وتدمير البنية التحتية وحرق الوقود والمواد الصناعية يطلق جسيمات دقيقة وغازات سامة، بينها أكاسيد النيتروجين والكبريت، وقد أظهرت الدراسات في مناطق نزاع ارتفاع مستويات PM2.5 خمسة إلى عشرة أضعاف الحدود الموصى بها صحياً، بينما تسهم حرائق المنشآت النفطية في إطلاق ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون.

"تسرب النفط من المصافي وناقلات النفط يهدد الشعاب المرجانية والأنظمة الساحلية، ويتسبب في نفوق الكائنات البحرية، وقد يستغرق تعافي بعض النظم البحرية 10 إلى 30 عاماً. وتمتد التداعيات إلى تدهور التربة والأراضي الزراعية بسبب بقايا المتفجرات والذخائر الثقيلة التي تخلّف معادن سامة مثل الرصاص والنحاس والزنك، مما قد يقلل الإنتاج الزراعي بنسبة 20 إلى 40 في المئة، ويجعل بعض الأراضي غير صالحة للزراعة سنوات طويلة". يقول المتخصص البيئي.

 

ويحذر أبي راشد من تلوث المياه، مشيراً إلى أن القصف يمكن أن يدمر شبكات المياه والصرف ومحطات المعالجة أو التحلية، ويسبب تسرب مواد كيماوية إلى الأنهار والمياه الجوفية والبحار، مما يرفع مستويات الملوثات والجراثيم عدة أضعاف المعايير الصحية ويهدد صحة الإنسان والنظم البيئية المائية. كما تؤدي العمليات العسكرية إلى تدمير الغطاء النباتي وتسريع التصحر بفعل الحرائق والانفجارات والآليات الثقيلة، وقد سجّلت حروب سابقة خسارة آلاف الهكتارات من الغابات والمناطق الطبيعية خلال فترات قصيرة، مما يزيد تدهور التربة ويضعف قدرة النظم البيئية على مقاومة الجفاف.

وفيما يخص التغير المناخي، يشير أبي راشد إلى أن العمليات العسكرية الحديثة تستهلك كميات هائلة من الوقود الأحفوري، بينما تطلق الحرائق والانفجارات وحرائق المنشآت النفطية كميات كبيرة من غازات الدفيئة، وقد تصل البصمة الكربونية للحروب الحديثة إلى ملايين الأطنان سنوياً. ويتأثر التنوع البيولوجي بشدة، بحسب الخبير البيئي فالعمليات العسكرية وتدمير الموائل الطبيعية وتلوث البيئات البرية والبحرية يمكن أن يؤدي إلى فقدان الأنواع النباتية والحيوانية وتسريع تدهور النظم البيئية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير أبي راشد إلى أن الأضرار البيئية للحروب غالباً ما تستمر عقوداً بعد انتهاء القتال، بينما إعادة تأهيل النظم البيئية المتضررة قد تتطلب استثمارات ضخمة تصل إلى مليارات الدولارات، ويختم بالقول، "الحرب ليست فقط كارثة إنسانية واقتصادية، بل هي أيضاً واحدة من أخطر التهديدات التي تواجه البيئة والاستدامة في العالم، خصوصاً في المناطق الهشة بيئياً مثل الشرق الأوسط".

ملوثات الهواء والتربة

ويضيف الخبير في التغيرات المناخية وعضو الهيئة الدولية لتغير المناخ بالأمم المتحدة سمير طنطاوي، إلى ما قاله بول، موضحاً أن الحرب تترك آثاراً تدميرية على جميع المناحي، بما في ذلك البيئة. مؤكداً أن ذلك يظهر من خلال زيادة ملوثات الهواء والتربة والمياه، فضلاً عن ارتفاع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري نتيجة الاستخدام المفرط لمصادر الطاقة والذخائر الحربية.

وأضاف طنطاوي، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "للأسف الشديد لا يوجد تقييم دقيق لهذه التبعات في الوقت الحالي، لكنه شدد على أن آثارها ستستمر فترات طويلة"، لافتاً إلى أن الحروب تزيد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري واستهلاك الطاقة، مما ينعكس على الاحترار العالمي بشكل عام.

 

وحول مرحلة ما بعد الصراع، يرى طنطاوي أن تضافر الجهود الدولية مطلوب لتقييم الآثار السلبية على البيئة، والبحث عن حلول فعالة لها، معبراً عن تخوفه من اتساع رقعة الصراع لتشمل مناطق أخرى، ومشيراً إلى أن ذلك بدأ بالفعل، إلى جانب استخدام أنواع من الأسلحة غير التقليدية التي لها تأثيرات مدمرة على الإنسان والبيئة، الأمر الذي سيكون له آثار خطرة على المدى المتوسط والبعيد.

وانتقل طنطاوي للحديث عن انتشار الملوثات في الجو نتيجة الأعمال العسكرية، مشيراً إلى أن ذلك قد يؤدي إلى تساقط أمطار حمضية لها تأثيرات سلبية على الإنسان والنظم البيئية. وأضاف أنه جرى الإبلاغ أخيراً، عن تساقط أمطار سوداء في مناطق العمليات العسكرية في أثناء الحرب الإيرانية، مؤكداً أن ضرب المنشآت النفطية يؤدي إلى انبعاثات كبيرة من مواد هيدروكربونية، التي عند اختلاطها ببخار الماء في الجو تتشكل أمطار حمضية ذات تأثيرات مدمرة.

انبعاثات كربونية هائلة

في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، تحذر الأوساط البيئية من أن الحروب الحديثة لا تترك آثاراً بشرية واقتصادية فحسب، بل تمتد لتطال البيئة والمناخ العالميين. يوضح الخبير البيئي المغربي مصطفى بنرامل أن المواجهات العسكرية، من القصف الجوي وتحركات الآليات الثقيلة إلى تدمير البنية التحتية، تولّد كميات هائلة من الانبعاثات الكربونية تسرّع وتيرة الاحتباس الحراري.

ويشير بنرامل إلى أن القطاع العسكري يعد من أكبر المصادر غير المعلنة للانبعاثات عالمياً، مؤكداً أن الدراسات العلمية ترجع له نحو 5.5 في المئة من إجمالي الغازات الدفيئة المنبعثة على مستوى العالم، وهو معدل يتجاوز أحياناً ما تنتجه بعض القطاعات المدنية، مثل الطيران التجاري. ويضيف أن آثار العمليات العسكرية لا تقتصر على الكربون فقط، بل تشمل تدمير النظم البيئية وتلوث الهواء والتربة والمياه، بفعل استخدام الأسلحة الثقيلة واحتراق المنشآت النفطية والصناعية.

ويحذر بنرامل من المعادن السامة التي تحتويها أنواع مختلفة من الذخائر والمتفجرات، مثل الرصاص والزئبق والكادميوم والكروم والنيكل والنحاس واليورانيوم المنضب، مشيراً إلى أنها تنتشر في التربة والمياه والهواء عند انفجار الأسلحة أو احتراق المنشآت، مما يخلق تلوثاً طويل الأمد قد يمتد عقوداً، ويزيد أخطار الأمطار الحمضية وتدهور الأراضي.

 

ولفت الخبير إلى أن استمرار النزاعات في مناطق حساسة بيئياً، مثل الشرق الأوسط، قد يزيد من حدة الأزمات المناخية العالمية، لوجود ممرات طاقية وأنظمة بيئية هشة تشمل الصحارى والمناطق البحرية والأراضي شبه الجافة، التي تتأثر بسرعة بالتلوث وتغير المناخ. وأضاف أن المعادن الثقيلة تتراكم في السلسلة الغذائية، حيث تمتصها النباتات من التربة الملوثة، ثم تنتقل إلى الحيوانات والإنسان عبر الغذاء والمياه، مما يرفع احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة.

ومن منظور مناخي، أوضح بنرامل أن الحرائق الواسعة الناتجة عن القصف العسكري واحتراق المنشآت النفطية تطلق كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكاسيد النيتروجين، وهي غازات دفيئة تسرّع الاحتباس الحراري، مشيراً إلى أن التقديرات العلمية تشير إلى أن العمليات العسكرية وما يصاحبها من تدمير للبنية التحتية قد تولّد عشرات ملايين الأطنان من مكافئ ثاني أكسيد الكربون خلال فترات قصيرة. وشدد على أن التلوث بالمعادن الثقيلة قد يؤدي إلى تدهور طويل الأمد للتربة الزراعية في بعض مناطق الشرق الأوسط، مهدداً الأمن الغذائي والإنتاج الفلاحي، خصوصاً في ظل هشاشة المناخ التي تعانيها بعض الدول.

اقرأ المزيد

المزيد من بيئة