ملخص
على رغم أن وزارة البيئة في لبنان ما زالت تدفع إلى الهامش بوصفها "غير سيادية" ولا "خدماتية"، تقول وزيرة البيئة الدكتورة تمارا الزين إن وزارتها تعد الأكثر تداخلاً مع عمل سائر الوزارات، لكنها ولدت بصلاحيات محدودة وموازنات ضئيلة، فترسخت صورتها كوزارة "معيارية" لا تنفيذية. وضمن حوار خاص مع "اندبندنت عربية" تتحدث الزين عن أولوية الإصلاح البنيوي داخل الوزارة والانتقال إلى هيكلية حديثة تُحال قريباً إلى مجلس النواب، وعن مسار استرداد كلفة الضرر البيئي في قطاع المقالع والكسارات عبر 1500 أمر تحصيل، والعمل على قانون تنظيمي شامل بدل "مرسوم يتيم".
تبدو وزارة البيئة في لبنان كأنها تقيم في الطابق الذي لا تصعد إليه المصاعد. تُستدعى عند الكوارث، وتُنسى عند رسم الأولويات. ومع ذلك، فهي الوزارة التي تتسلل بصمت إلى هواء الناس ومياههم ونفاياتهم وحقهم في مساحة خضراء لا تلتهمها الفوضى. داخل بلد اعتاد أن يوزع نفوذه على وزارات تسمى "سيادية" وتعامل مع سواها كزينة بروتوكولية، تصر وزيرة البيئة الدكتورة تمارا الزين على قلب المعادلة، وتقول إن وزارتها ليست ترفاً إدارياً، بل عقدة تقاطع إجبارية مع معظم الوزارات، حتى لو أريد لها أن تبقى خارج الصورة.
وتضيف الزين أن وزارة البيئة ولدت في "عصر حديث نسبياً" مقارنة بوزارات الدولة التقليدية، لكنها ولدت أيضاً بصلاحيات محدودة، وبموازنة تشبه الاعتذار أكثر مما تشبه خطة عمل، هكذا ترسخت صورتها كوزارة "معيارية" تصدر المعايير وتكتب التقارير، بدلاً من أن تكون وزارة تنفيذية تمسك بالمفاتيح. ومن هنا جاءت المفارقة التي تراها الوزيرة بنيوية قبل أن تكون سياسية، وتعد أنها وزارة تلامس حياة الناس يومياً، لكنها لا تعامل كأنها من أدوات إدارة الدولة.
إصلاح بنيوي أولاً... والهيكلية إلى مجلس النواب
حين تسأل "اندبندنت عربية" الوزيرة عن الأولويات، ترفض حصر الإجابة بملف بيئي واحد، وتضع "الإصلاح البنيوي" داخل الوزارة في الصدارة. فالحديث عن تحول رقمي أو تحديث أداء، وفق الزين، لا يستقيم ما دامت الإدارات تعمل على أسس بيروقراطية تطغى على وظيفتها الإجرائية.
وتكشف عن أن الوزارة أنجزت إعادة هيكلة وفق "رؤية عصرية محدثة"، وأن الملف "سيُحال خلال أيام" إلى مجلس النواب لإقراره، مع أمل بأن تتحول الوزارة إلى "وزارة بيئة ومناخ" في ظل تعاظم الملفات المناخية. وتضيف أن هذه الهيكلية ستعيد توزيع العمل والإجراءات "بشكل مختلف كلياً" لتقليص البيروقراطية التي تضعف فعالية المؤسسات العامة، مشيرة إلى أن وزارة البيئة تختزل شعبياً بملف النفايات والمقالع والكسارات، بينما حددت الوزارة أكثر من 11 قطاعاً للتدخل ضمن إصلاحات قطاعية متوازية.
"الفساد" ليس دائماً صفقات... وأسوأه تفكيك الدولة
في ملف الفساد، تنفي الزين التصور السائد الذي يربط الفساد حصراً بالتلزيمات والصفقات، مؤكدة أن وزارة البيئة ليست وزارة ورش كبيرة ولا تتولى تلزيمات ضخمة. لكنها في المقابل تتحدث عن "فساد من نوع آخر" أصاب الإدارة العامة اللبنانية خلال الأعوام الماضية، وتصفه بأنه "إضعاف الإدارة العامة" وتقويض مؤسسات الدولة لمصلحة جهات خاصة أو "دولة خبراء موازية تهمش الإدارة والمؤسسات"، معتبرة أن هذا المسار يعد "أسوأ أنواع الفساد" لأنه سلب الدولة قدرتها على العمل السليم.
ويبقى ملف المقالع والكسارات من أكثر الملفات التصاقاً بصورة وزارة البيئة، وضمن السياق تقر الزين بأن اللغط حوله كان واسعاً، وتعيد الأمور إلى عام 2019 حين أدرج في موازنة ذلك العام وجوب إجراء مسوحات للقطاع، بهدف إلزام المستثمرين دفع كلفة الضرر البيئي وكلفة التأهيل الناتج من الاستثمار.
وتوضح أن "مسوحات قطاع المقالع والكسارات أجريت عبر مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني وفق ما ينص عليه القانون، ثم أرسلت الملفات إلى وزارة البيئة، وبدأ العمل عليها قبل تولي الحكومة الحالية". لكن ما صدر خلال تلك المرحلة من أوامر تحصيل لم يتجاوز، بحسبها، 71 أمراً من أصل 1500، ولم تتحول إلى مدفوعات بسبب أخطاء إجرائية واحتسابية.
وتقول الزين إن وزارتها "أعادت تصحيح الملف ليشمل 1500 عقار بالتعاون مع مديرية الشؤون الجغرافية وقوى الأمن الداخلي لتحديد المستثمر والمالك، واعتمدت آلية احتساب تستند إلى أفضل الممارسات الدولية، ثم استحصلت على قرار من مجلس الوزراء يغطي الآلية ويوافق عليها. وبموجب القرار الصادر خلال سبتمبر (أيلول) 2025، جهزت 1500 أمر تحصيل في وزارة البيئة وأرسلت إلى وزارة المالية. وتضيف أنها تبلغت أن المالية أرسلت ما يفوق 250 أمر تحصيل، على أن تستكمل خلال أسابيع عملية إرسال الأوامر الـ1500 إلى المكلفين بالدفع، لتتحول المسألة بعدها إلى تحصيل وفق إجراءات وزارة المالية.
على المستوى التشريعي، ترى الزين أن المشكلة الأعمق هي أن القطاع ما زال يعمل وفق "مرسوم يتيم" رقم 8803، من دون قانون ينظم عمل المقالع والكسارات والمرامل. وتقول إن "الوزارة تعمل على صياغة قانون يدمج التنظيم البيئي والإجرائي والمالي منذ البداية، بحيث لا تبقى كلفة الضرر البيئي والتأهيل معالجة بأثر رجعي، بل يدفعها المستثمر سلفاً منذ اللحظة الأولى ليعرف ما ينتظره. وتضيف أن الثغرات في المخطط التوجيهي تفرض إطاراً قانونياً جديداً، مع توقع إحالة المشروع إلى مجلس النواب قبل الاستحقاقات الانتخابية، على أمل إقراره سريعاً.
المناخ… لبنان "متأثر لا مؤثر" وخطة تحتاج 11 مليار دولار
في ملف تغير المناخ، تضع الزين لبنان في خانة الدول المتأثرة أكثر من المؤثرة، مشيرة إلى أن "انبعاثاته لا تتخطى 0.007 في المئة عالمياً، لكنه يتلقى الضربات على مستوى المناخ المحلي. وتذكر أن لبنان وقع اتفاق باريس منذ 10 أعوام، وشارك في قمم المناخ وتقدم بطلبات مشاريع ممولة من الصناديق المناخية".
وتضيف أن لبنان أرسل قبل قمة المناخ التي عقدت في البرازيل عام 2025 تقرير "المساهمة المحددة وطنياً" وخطة التكيف، وأُنجزت خطة التنمية طويلة الأمد منخفضة الانبعاثات ضمن ثلاث خطط عمل تحدد لكل قطاع مسار الأعوام الـ10 المقبلة بهدف الاقتراب من "تصفير" الانبعاثات قدر الإمكان". لكن الوزيرة تربط التنفيذ بـ"تعاون وزارات عدة من الزراعة والطاقة إلى المياه والصحة والأشغال والنقل والداخلية"، وتضيف أن "هذه المسارات تحتاج إلى استثمارات تقدر بنحو 11 مليار دولار، وهو رقم لا يمكن تأمينه من خزانة الدولة، مما يستدعي تمويلاً دولياً وشراكة مع القطاع الخاص".
النفايات… أزمة حوكمة وتمويل قبل التقنية
داخل بلد تعود فيه أزمة النفايات بصورة دورية تحاول الزين تبديل زاوية النقاش، فالأزمة ليست سؤال تقنيات فحسب بل "أسس غلط"، كما تقول، ناهيك بحوكمة خاطئة وتنظيم خاطئ وصلاحيات خاطئة، وتمويل خاطئ وتشغيل خاطئ. وتؤكد أن "وزارة البيئة ليست الجهة التنفيذية لجمع النفايات ونقلها، إذ تقع هذه الصلاحية على السلطات المحلية، فيما يُفترض أن تكون منشآت المعالجة ضمن اللامركزية، لكن وضع البلد يفرض حلولاً انتقالية".
وتشرح أن الوزارة عملت على ثلاثة محاور، وهي تعيين الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة لضبط الصلاحيات في قطاع مشرذم بين البلديات والدولة المركزية ومجلس الإنماء والإعمار، وإقرار مسار استرداد الكلفة لترسيخ مبدأ "الملوث يدفع" عبر رسوم صغيرة على المواد الملوثة الداخلة إلى البلد، وتمكين البلديات من تغطية جمع النفايات ونقلها بمساهمات من الأسر والمؤسسات، إضافة إلى تحديث الاستراتيجية المتكاملة لإدارة النفايات الصلبة لتشمل النفايات المنزلية والصناعية والطبية والخطرة والإلكترونية ضمن خطة عشرية، معتبرة أن تنفيذ هذه "الثلاثية" متلازم، وإلا يبقى الإصلاح ناقصاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الهواء… المولدات والنقل والحرق العشوائي
في الحوار معها، تحدد الزين ثلاثة مصادر رئيسة لتلوث الهواء وهي مولدات الكهرباء وقطاع النقل والحرق العشوائي للنفايات، مشيرة إلى أن "الوزارة دفعت باتجاه خفض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية والهجينة في موازنة 2026، مع التشديد على دور المعاينة لضبط الانبعاثات، والحاجة إلى شبكات نقل عام لتخفيف الاعتماد على النقل الفردي".
أما المولدات فتقر بأنها "واقع مفروض في ظل أزمة الكهرباء، لكن ذلك لا يعفيها من الالتزام بالضوابط البيئية". وتقول إن "الوزارة أرسلت تعميماً إلى البلديات الكبرى لطلب تقارير فنية من شركات معتمدة تقيس الانبعاثات، ومنح مهل لتسوية الأوضاع، مع التلويح بالملاحقة عبر المدعين العامين البيئيين في حال عدم الالتزام". وتكشف عن أن "عدد التقارير الواردة لا يزال محدوداً مقارنة بعدد المولدات"، مشيرة إلى "بطء المسار الإداري وقلة الشركات القادرة على إعداد التقارير وضعف الوعي التقني لدى بعض المستثمرين"، لكنها تتحدث عن مؤشرات أولية لعودة تركيب الفلاتر وبدء تشكل وعي تدريجي.
لبنان الأخضر... و"الأزرق" أيضاً
نسأل وزير البيئة "هل لا يزال لبنان أخضر"؟ فتجيب أنه على رغم الخسائر "لبنان ما زال أخضر"، لكنها ترفض اختزال قيمة الطبيعة باللون الأخضر وحده، مشيرة إلى أن الجرود منظومات إيكولوجية قائمة حتى لو خلت من الأشجار، وأن المنظومة البحرية "الزرقاء" رصيد لا يقل أهمية، وتكشف عن أن "لبنان ملتزم الوصول إلى 30 في المئة من مساحته كمناطق محمية بحلول 2030، مع تعدد صور الحماية بين المحميات الطبيعية بقوانين، والحمى كمفهوم تقليدي، والمتنزهات الطبيعية، والمواقع الطبيعية".
وتضيف أن مرسوماً صدر لإدراج "المحميات الصغيرة الحجم" ضمن المحميات الطبيعية، وأنه يُعمل لإطلاق أول متنزه طبيعي يدمج مسارات بين بلدات وقرى. وتقول إن لبنان وصل إلى نحو 20 المئة كمناطق محمية، وهي نسبة تراها "متقدمة" قياساً بدول أخرى، مع نمو وعي البلديات بأهمية الحمى وتزايد رغبتها في إنشاء مناطق حماية ضمن نطاقها.
الحرائق... لا "تولد وحدها" و20 مليون دولار للإنذار المبكر
في ملف حرائق الغابات، تذكر الزين أن "حماية الأحراج تقع ضمن صلاحية وزارة الزراعة"، لكنها تؤكد أن "وزارة البيئة تتعاون من زاوية تغير المناخ، إذ إن شح الأمطار والجفاف يرفعان احتمالات الحرائق". وتعيد التذكير برسالة تعدها أساساً "لا حريق يولد وحده" بل هناك عامل إنساني قصداً أو من دون قصد، مما يجعل الوعي والوقاية عنصرين حاسمين.
وتعدد مواطن الضعف، والتي تشمل غياب أنظمة الإنذار المبكر، والحاجة إلى تمويل دولي بنحو 20 مليون دولار لتطبيقها، ومحدودية دعم الدفاع المدني بوصفه المستجيب الأول، وصعوبة الوصول إلى مناطق وعرة، مما يفرض الاستعانة بالجيش ذي القدرات المحدودة في هذا المجال، مؤكدة أن "المطلوب مقاربة متكاملة تجمع الوعي والوقاية والتدخل ثم معالجة المناطق المتضررة".
ترى الزين أن "حملات التوعية في ملفات البيئة وحدها لا تكفي"، وتعد أن "الاستثمار الحقيقي يبدأ من الأطفال عبر ترسيخ مفهوم المواطنة البيئية والمناخية"، مشيرة إلى تعاون مع وزارة التربية في إطلاق استراتيجية "التعليم الأخضر"، لكنها تتحدث عن هدف أبعد وهو "تخضير الفكر"، كما تصفه، وبناء عقلية مسؤولة بيئياً لا تختزل السلوك البيئي بزرع شجرة أو قيادة سيارة كهربائية.
وتلفت إلى بعد جديد في النقاش وهو "الرصانة الرقمية"، إذ تقول إن الأطفال لا يدركون أن كل تفاعل رقمي، حتى "لايك"، له أثر بيئي وإيكولوجي.
"إبادة بيئية"... 440 مليون دولار و8700 هكتار
في حديثها عن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، والتي طاولت خصوصاً البلدات الجنوبية، تقول الزين إن "ما حصل منذ عام 2023 كان ’إبادة بيئية‘ سبقت الإبادة العمرانية". وتكشف عن "تقرير قريب يصدر عن وزارة البيئة والمجلس الوطني للبحوث العلمية مخصص فقط للضرر البيئي، فيما كان تقرير البنك الدولي قدر أضرار القطاع البيئي بأكثر من 440 مليون دولار". وتكشف عن "خسارة أكثر من 8700 هكتار من المساحات الخضراء، وأضرار مرتبطة بالفوسفور والقنابل الحارقة والتجريف ورش المبيدات، مع تحاليل موسعة لتحديد القرى المتضررة وكيفية مواكبة المزارعين والمواطنين"، مشيرة إلى "إدراج برنامج صغير في موازنة الوزارة للبدء بتأهيل بيئي في بعض القرى الجنوبية الأكثر تضرراً".
حكومة "احترام" وتوازن تحت ضغط الخارج
في الختام، نذهب معها قليلاً للحديث عن حكومة الرئيس نواف سلام، بعد عام على تشكيلها، فتقول الزين إن "العلاقة بين الوزراء اتسمت باحترام متبادل غير مسبوق تقريباً، إذ نادراً ما حدث خروج عن اللياقات على رغم حساسية الملفات"، وتقر بأن "تقييم أداء الحكومة يختلف بحسب زاوية النظر، لكنها تعد أن محاولة إيجاد توازن بين الضغط الخارجي والوفاق الداخلي كانت حاضرة، وأن النتيجة قد تكون "أفضل ما يمكن الوصول إليه" في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، تاركة الحكم في النهاية للرأي العام.