المنتفضون يكسرون قيد التدخل الإيراني

شباب العراق فاجأوا طهران بانتفاضة نوفمبر وكشفوا لها وعيهم في رصد تجاوزاتها في بلادهم

مظاهرات في العراق احتجاجا على التدخل الإيراني في البلاد (رويترز)

ينطبق المثل الشائع "حبل الكذب قصير" على المسؤولين الإيرانيين وأذنابهم وأردانهم الذين عملوا على تضليل شريحة كبيرة من المجتمع العراقي. وعلى الرغم من أن الوعي المجتمعي تجلى بوضوح في النصف الثاني من عام 2008 بانتخابات المجالس المحلية، إذ تكبدت الأحزاب الدينية السياسية خسائر فاجأتها، لكنها أعادت ترتيبها وتوزعت تحت مسميات جديدة مثل، "ائتلاف دولة القانون" لنوري المالكي، و"الائتلاف الوطني العراقي" لإبراهيم الجعفري، وهما من "حزب الدعوة الإسلامية"، وكذلك "تيار الحكمة" لعمار الحكيم من "المجلس الأعلى الإسلامي"، وهكذا.

ومع مرونة وليونة الرئيس الأميركي باراك أوباما (2009-2017) تجاه سياسة إيران بالمنطقة، تمكنت الأخيرة من بسط نفوذها في العراق عبر صنائعها، سيّما بعد انسحاب القوات الأميركية قبل نهاية 2011، إذ أخذ النظام الإيراني بفرض هيمنته على وزارات ومؤسسات الدولة، وعلى مجالات كثيرة داخل العراق. وبما أن سياسة إيران إقصائية، لذلك فإن صنائعها من أحزاب الخراب لم تكن في نيتها الانفتاح على الآخرين وإنهاء مشكلات البلاد، وهكذا انفردت بسياساتها الموالية لإيران من جهة، وتقديم مصلحة إيران على مصالح العراق من جهة أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعبر الميزانيات السنوية الهائلة الحجم، التي تخصصها الدولة، تأتي نتائجها شبه صفرية من أي إنجازات للوطن وللمواطن، بسبب الفساد المالي والإداري لتلك الأحزاب وفي مقدمتها أحزاب الإسلام السياسي، التي عملت على تمزيق النسيج الاجتماعي وتفتيت الهوية الوطنية لنوازع طائفية صفوية إيرانية.

وعلى هذا المنوال، بدأت ملامح التأخر الحياتي والاجتماعي والخدمي والصحي والتعليمي... إلخ، تزداد وتستفحل شيئاً فشيئاً، وتتسع مساحة الفقر والعوز والحاجة أكثر فأكثر، وتنتشر آفة الأمية والجهل، وهذه الأوضاع مقصودة ومدروسة وفق المخطط  الإيراني السلبي. إذ إن رجل الدين الدجّال، وفي أي دين سواء كان سماويا أو أرضيا، من أجل أن يخلق له أتباعا طائعين منقادين، عليه أن يخاطبهم بالشعور والوجدان ويحاكيهم بالمحسوسات والماديَّات، بعيداً عن الوعي والإدراك والتفكير والاستنباط، وهذه توجب تغيب العقل من ناحية، وزيادة الفاقة من ناحية أخرى.

وظنّ حاكم إيران، أنهم أحكموا قبضتهم قوة على العراق، وبالأخص بعد عمليات القتل والتدمير والتشريد والتهجير في المحافظات ذات الأغلبيَّة من العرب السُّنة، بذريعة محاربة تنظيم داعش الإرهابي، علاوة على السكوت الطوعي لدى الأكثرية من العرب الشيعة تجاه العمليَّة السياسيَّة، التي أوصلت بلادهم إلى الحضيض.

وحدثت الهزة الفجائية غير المتوقعة في انتفاضة نوفمبر (تشرين الثاني)، على أيدي الشباب اليافعين الذين تفتحت عيونهم على المآسي والتقهقر الذي لحق بهم وفي بلادهم، وتشربت نفوسهم غيضاً ضد التدخل الإيراني وتابعيهم المهيمنين على خيّرات ومقدرات وطنهم.

هؤلاء الشباب ينظرون ويراقبون ويقارنون بين أقوال وأفعال الأحزاب الإسلاميَّة الحاكمة، فوجدوها بؤرة شديدة من التناقضات، إذ لا تعمل إلا لمصالحها الخاصة وليست لمصالح العامة من الشعب والوطن، ولا تنفذ على أرض الواقع إلا ما مطلوب منها إيرانياً وليس عراقياً. والأهم من كل ذلك، إن المشروع الإيراني الصفوي لا يخص الشيعة ولا المذهب الجعفري، بل يخص مجموعة تتستر بالمذهب وبالإسلام لأهداف السيطرة والتحكم لفرض وجودها على حساب الوجود العراقي والعربي.

وهكذا انتفض هؤلاء الشباب العراقي الغاضب في المُدن والمحافظات ذات الأغلبية من العرب الشيعة، وكسروا القيَّد المتواري خلف المرجعية الدينية، التي خدعتهم واستغلتهم واستخدمتهم في تحقيق مآرب وغايات جاءت نتائجها كارثية على العراق، ومفيدة ونافعة إلى إيران.

عندما يتجه الشباب المنتفض نحو صور الخميني وخامنئي ويضربونها بالنعال والحذاء ثم يمزقونها، وبالتوثيق المصّور، فإنهم بالقدر الذي يعكسون فيه حقيقة تقييم العراقيين لعمائم الدجّل الصفوية، فإنهم يكسرون القيَّد الصفوي أيضاً. إذ إن المسألة لا تنحصر ولا تتعلق بشباب غاضب قام بهذا العمل كرد فعل فقط، فهذا تسطيح للحدث ولجذوره التاريخية. إذ فيه رواسب بويهية وصفوية جددها الخميني وأتباعه، وظهرت بشاعتها الإجرامية في قتل وقنص ودهس الشباب المتظاهرين بشكل سلمي وحضاري، وفقاً للسقف القانوني والعمل الديموقراطي المزعوم.  

إن هالة القدسيَّة التي تشيدها لنفسها المرجعيات الدينية، وكذلك وضع التميّز لدى القيادات الإسلاميَّة السياسيَّة، قد أزاحها وأسقطها الشباب بعد أن شاهد وعايش تناقضاتها المُريبة. فعلى سبيل الذكر لا الحصر، الجميع يتحدث ويسأل، كيف أن رجال الدين وقيادات إسلامية دعت إلى محاسبة القائمين على حفل افتتاح بطولة غرب آسيا لكرة القدم في مدينة كربلاء، إذ شاركت فيه مجموعة من الفتيات عبر تقديم عرض راقص، وعازفة كمان للنشيد الوطني، فهذا العمل يتعارض مع قانون "قدسية كربلاء"، بل إن ديوان الوقف الشيعي عَدّه "فعلاً شنيعاً يتجاوز الحدود الشرعية ويتعدى الضوابط الأخلاقية".

ولكن تلك القيادات الإسلامية ورجال الدين والوقف الشيعي، لم ينبسوا ببنت شفة لضحايا الشباب وشهدائهم الذين قُتلوا شّرَ قتلة، وفق شهود عيان وتسجيلات مصورة، على أيدي أمن الحشد، وقناصين إيرانيين، والمجموعات المسلحة الموالية إلى إيران مثل: العصائب وبدر والخراساني.

إن الخوف، كل الخوف، لدى الطغمة الحاكمة في إيران، أن تخرج قوة من الوسط الشيعي العربي تقف ضدهم، لأن في ذلك بداية أفولهم وتراجعهم، كما أثبتت حقائق التاريخ. في الواقع، إن المراجع والقيادات الدينية تخشى من ظهور مجرد صوت شيعي ناقداً لهم، ويعملون على إسكاته بشتى الوسائل، كما جرى في تشويه علميَّة محمد حسين فضل الله (1935-2010)، وقتل محمد صادق الصدر (1943-1999) لشعبيته وصلاته بالسُّنة والشيعة، فما قولك بقوة شبابية واجهت الرصاص بصدورٍ عارية، وقدّمت في الأيام الأولى المئات من الشهداء وآلاف من الجرحى، وما زالت تواصل انتفاضتها بسلميَّة ومدنيَّة.

المزيد من آراء