ملخص
لا شك في أن أسلوب الصدمة والترويع يسهم في إضعاف معنويات القوات التي يروج لها مسبقاً على أنها قوات مقاتلة شرسة.
قبل وقت طويل من دخول مصطلح "الحرب النفسية" إلى المصطلحات العسكرية الحديثة، كان فن التلاعب بالإدراك للتأثير في سلوك العدو شكل مسار التاريخ، ولم تهدف هذه التكتيكات إلى إلحاق الأذى الجسدي، بل إلى زعزعة العقل وإضعاف الروح المعنوية، أو إرباك الخصم وإجباره على تقديم تنازلات من دون الحاجة إلى القتال.
واستغلت العمليات النفسية هذه أدوات السلوك البشري الحساسة كالخوف والإيمان والوهم والتضليل والرغبة في الانتماء لتقويض الخصم، أو خداعه، أو زعزعة استقراره. وهناك بعض التكتيكات النفسية التي دخلت التاريخ من بابه العريض، كونها أثبتت براعتها أكثر من غيرها ولا يزال يعدها المؤرخون أيقونة تبرز الفوائد الهائلة للحرب النفسية.
الإسكندر الأكبر (336-323 قبل الميلاد)
لجأ الإسكندر الأكبر ملك مقدونيا إلى الحرب النفسية لترهيب أعدائه مستغلاً الخرافات المحلية ليصور نفسه على أنه فاتح لا يقهر أشبه بالإله، ومستخدماً صناعة الأساطير لاستيعاب ثقافة الأراضي التي غزاها. وبهذه الطريقة، استطاع أن يقدم نفسه على أنه تجسيد للآلهة أو المعتقدات المحلية.
في بلاد فارس، تبنى الإسكندر العادات الملكية والألقاب الإلهية لملوك الأخمينيين، ملقباً نفسه بـ"ملك الملوك" ومرتدياً الزي الملكي الفارسي التقليدي. وفي مصر، صوره الكهنة كفرعون وإله متجسد. وعزز الإسكندر صورته بأساطير القرابة، مدعياً نسبه إلى رمزَي القوة والبسالة هيراكليس وأخيل، حتى إن الكهنة المصريين أعلنوا أنه ابن زيوس آمون، الإله الهجين اليوناني- المصري، مما رسخ دوره كحلقة وصل روحية بين الإمبراطوريات.
أدى تقديس الشخصية الذي بناه إلى اعتقاد جنوده بأن الآلهة تفضله، وبذلك أرعب أعداءه. وتقول الروايات القديمة إن بعض الأعداء ألقوا بأنفسهم من أعلى المنحدرات بدلاً من مواجهته في المعركة. وأثبتت عمليات الإسكندر النفسية فاعليتها بصورة ملحوظة، فعلى رغم افتقار مقدونيا إلى ثروة أو نفوذ المدن المتوسطية كأثينا، فإنه غزا الإمبراطورية الفارسية العظيمة، وأسس إمبراطورية واسعة امتدت إلى باكستان الحالية.
جنكيز خان (1206-1227)
استخدم مؤسس الإمبراطورية المغولية الرعب كسلاح محكم، محولاً الحرب النفسية إلى حجر الزاوية في فتوحاته، وبث الرعب في قلوب خصومه من خلال عمليات القتل الجماعي، فكان يذبح معظم سكان أية مدينة يغزوها ويتعمد إبقاء قلة منهم على قيد الحياة، والهدف كان نشر هؤلاء الناجين الأخبار عن وحشية المغول، مما ساعد في إقناع المدن التالية بالرضوخ له من دون قتال.
وداخل ساحة المعركة، أطلق العنان لقوة حسية هائلة، حيث إن قرع الطبول المتزامن ونفخ الأبواق وصيحات الحرب المرعبة خلقت جداراً صوتياً صاخباً لتشتيت انتباه أعدائه وإرهابهم. وكانت استراتيجياته فاعلة بصورة ملحوظة، فتخطى ما غزاه جنكيز خان في 25 عاماً ما غزته روما خلال 400 عام، بفضل بث الخوف في قلوب الناس في المقام الأول.
الضابط النازي الوهمي "الشيف" (1941-1943)
خلال الحرب العالمية الثانية، استمع كثير من الألمان، من دون علمهم، إلى محطات إذاعية وهمية تديرها بريطانيا، أنشأتها إدارة الحرب السياسية البريطانية، وهي هيئة سرية تنتج دعاية الحرب كانت مهمتها التلاعب بالرأي العام وإضعاف الروح المعنوية وتقويض الثقة بنظام هتلر من الداخل. وكان من بين أشهر الأصوات فيها "الشيف"، وهو شخصية خيالية بدت وكأنها تتحدث بثقة من داخل "الرايخ الثالث" (كلمة ألمانية تعني أمبراطورية أو مملكة).
كان "الشيف" ضابطاً نازياً وهمياً اخترعته بريطانيا، وبث برنامجه على محطة إذاعية وهمية تدعى "غوستاف سيغفريد آينز" متظاهراً بأنه جنرال بروسي من الطراز القديم. واستخدم معلومات داخلية للهجوم على القادة النازيين، متهماً إياهم بالفساد والتهريج والانحراف الجنسي، بينما كان يدعي في الوقت ذاته ولاءه للنظام.
وأسهمت قدرة "الشيف" على التحدث بالألمانية، ومعرفته بالثقافة الألمانية وبالنازيين، في خلق شخصية مقنعة صدقها الناس، خصوصاً أنه كان يطرح أسئلة بدأ الناس العاديون في ألمانيا بطرحها بين عامي 1942 و1943.
عملية "اللحم المفروم" (1943)
عام 1943، عثرت السلطات الإسبانية على جثة الرائد ويليام مارتن من مشاة البحرية الملكية البريطانية قبالة سواحل إسبانيا. كان يحمل تذاكر مسرح ورسائل غرامية وصورة لخطيبته ووثائق سرية تشير إلى أن الحلفاء سيغزون اليونان، لا صقلية.
أبلغت السلطات الإسبانية النازيين بالأمر واقتنع الألمان بالخداع، فأعادوا نشر قواتهم من صقلية إلى اليونان، غير أن الجثة التي امتلأت بالمياه كانت في واقع الأمر حيلة مدروسة وتعود لغليندور مايكل، وهو رجل مشرد توفي مسموماً بسم الفئران. في النهاية ساعدت هذه الخطة الحلفاء في احتلال صقلية خلال شهر واحد وحسب، ومهدت الطريق لغزو إيطاليا.
وتُعد عملية "اللحم المفروم" التي ابتكرها جزئياً إيان فليمنغ، مبتكر شخصية جيمس بوند الذي كان حينذاك ضابطاً في الاستخبارات البحرية البريطانية، عملية تضليل ناجحة للغاية، استخدمت واحدة من أذكى الحيل النفسية التي ابتكرت في التاريخ على الإطلاق.
خدعة "مصاص الدماء" الأميركية (1954)
خلال "ثورة الهوك" الشيوعية في الفيليبين، استغل الجيش الفيليبيني بمساعدة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الخرافات الشعبية في واحدة من أكثر العمليات النفسية دموية في التاريخ. ولاستغلال مخاوف السكان المحليين من "الأسوانغ"، وهو وحش يشبه مصاص الدماء ويتحول إلى شكل آخر في الفلكلور الفيليبيني، نشرت فرق "الحرب النفسية" التابعة للجيش الفيليبيني إشاعات مفادها بأن أحدهم يتربص في التلال التي يسيطر عليها متمردو الهوك.
بعدها وتحت جنح الظلام، نصب الجيش الفيليبيني والاستخبارات المركزية الأميركية كميناً لمتمردي الهوك، واختطفوا عنصراً منهم وطعنوه في رقبته بجروح تشبه الأنياب، واستنزفوا دمه، وتركوا جثته على الطريق ليجدها رفاقه كدليل على وجود مفترس خارق للطبيعة. وحققت هذه العملية نجاحاً باهراً، فعندما عثر الهوك على الجثة هامدة الدم غادروا المنطقة، ظناً منهم أن هناك تهديداً من مخلوقات أسطورية خطرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الصدمة والترويع في الحروب الجوية
في أوائل عام 1991، بدأت عملية "عاصفة الصحراء" بحملة قصف واسعة النطاق بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق، وأدى التنسيق المكثف للأسلحة الذكية الموجهة بالحاسوب والأقمار الاصطناعية إلى تدمير أهداف عسكرية عراقية. وعرفت هذه الحملة السريعة التي استخدمت فيها أحدث التقنيات العسكرية باسم "الصدمة والترويع"، فلم يكن لدى القوات العراقية أمل يذكر في الدفاع عن نفسها بأسلحة عفا عليها الزمن تعود للحقبة السوفياتية. وأقنعت سرعة الأسلحة الجوية الأميركية باهظة الثمن ودقتها وتأثيرها، عدد القوات العراقية الضخم بالاستسلام سريعاً عند وصول القوات البرية.
وكررت الولايات المتحدة هجماتها الجوية الخاطفة في أفغانستان بعد أحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001 وفي العراق مجدداً مطلع عام 2003، وفي الحالتين كان الاستسلام سريعاً، إذ لم يبدِ نظام "طالبان" في أفغانستان مقاومة منظمة تذكر، واستسلمت قوات صدام حسين بصورة جماعية بعد الغزو الأميركي عام 2003. ولا شك في أن أسلوب الصدمة والترويع أسهم في إضعاف معنويات هذه القوات التي رُوج لها مسبقاً على أنها قوات مقاتلة شرسة.