ملخص
الدورات الرمضانية في مصر ليست مجرد مباريات كرة قدم شعبية، بل تقليد اجتماعي يجمع القرى والأحياء، يكشف المواهب ويصنع الشهرة، ويصل أحياناً إلى السياسة والرعاية التجارية.
قبيل انطلاق شهر رمضان، خطط سيد محمد، 36 سنة، وعدد من شباب قرية الطويلة في محافظة الشرقية المصرية لتنظيم الدورة الرمضانية التي لا تكتمل أجواء شهر رمضان من دونها في القرية، كحال مختلف مناطق البلاد باختلاف الطبقات الاجتماعية والاقتصادية، في طقس رمضاني تتميز به مصر منذ عقود.
وعلى ملعب ترابي في مركز شباب قرية الطويلة، خاض الدورة الرمضانية لهذا العام 16 فريقاً، تمتد من بداية الأسبوع الثاني من رمضان حتى الـ 28 موعد النهائي المنتظر تحت أنظار الجمهور من أبناء القرية والعزب المجاورة.
لكن قبل ضربة البداية، يبدأ تنظيم الدورة بدفع كل لاعب 50 جنيهاً (دولار واحد) نظير الاشتراك في الدورة الرمضانية، وينفق من ذلك المبلغ 2500 جنيه لإدارة مركز الشباب مقابل استغلال الملعب الذي يجري التأكد من صلاحية أرضيته وعدم وجود حفر وتحسين جودة الإنارة، إذ تقام بعض المباريات قبل الإفطار، وأخرى ليلاً بعد انتهاء صلاة "التراويح".
ضربة البداية
حكاية المصريين مع الدورات الرمضانية بدأت قبل عشرات الأعوام، إذ لا توجد رواية موثقة لمن أطلق ضربة البداية، لكن بعض المؤرخين الرياضيين يرجحون أنها انطلقت من مدينة الإسماعيلية على قناة السويس حيث خرجت مواهب عدة في تاريخ مصر. ويرجع تاريخ بعض الدورات الرمضانية إلى أكثر من 60 عاماً متصلة، تحولت فيها إلى طقس رمضاني لا ينقطع.
سيد محمد الذي يشرف على دورة قرية الطويلة لهذا العام مع مجموعة من أصدقائه لجأ إلى مجموعة على "واتساب" للتنسيق بين الفرق التي يتكون كل منها من خمسة لاعبين، إذ يختار كل فريق لون القميص الخاص به، وكذلك إعلان مواعيد المباريات واختيار حكام المباريات، وهم أيضاً لاعبون من الفرق المشاركة.
وشعور المشاركين بجدية المنافسة دفعتهم خلال الأعوام الأخيرة إلى إضفاء بعض اللمسات الاحترافية مثل الاستعانة بتقنية الفار، وهي بالطبع ليست من خلال عدد من الكاميرات وحكام مساعدين مثل المباريات الرسمية، بل بصورة بدائية من خلال كاميرا "موبايل" موصلة على "لابتوب" خاص بأحد منظمي البطولة.
والدورة التي تجمع رجال القرية بمختلف أعمارهم، بخاصة الشباب، تشتد فيها المنافسة ويزداد الحضور خلال مباريات دور ربع النهائي التي تقام جميعها ليلاً بعد صلاة التراويح. وأشار محمد إلى أن أصحاب المركزين الأول والثاني فقط يحصلون على جوائز قد تتضمن أطقم "تي- شيرتات" لأحد الأندية وكأساً رمزية وميداليات تذكارية.
المشهد كان مختلفاً تماماً في دورة نادي "زد" في حي الشيخ زايد الراقي بمحافظة الجيزة، حيث الدورة الرمضانية الأشهر لاشتراك نجوم كرة معتزلين أو "الأساطير" مثل أحمد حسن وعصام الحضري وجمال حمزة، وفيها يحصل الفريق صاحب المركز الأول على 750 ألف جنيه، وحظيت المباريات بتغطية إعلامية مكثفة، وجرى تداول الأهداف واللقطات المميزة بكثافة، وبلغت الجوائز المالية خلال دورة أندية "سيتي كلوب" 500 ألف جنيه، إضافة إلى الجوائز الفردية لأفضل لاعب وحارس مرمى والهداف.
وسيلة للشهرة
وبالعودة لـ"دورات الغلابة"، فإن المكافأة التي يتطلع لها اللاعبون ليست الجوائز الرمزية، بل فيديو على مواقع التواصل يظهر مهارة غير عادية أو هدفاً "ملعوباً"، إذ باتت فيديوهات الدورات الرمضانية الأكثر تداولاً كل عام.
وفي رمضان العام الماضي كان أشهر فيديو لهدف على طريقة "رابونا" للاعب تهامي سعيد الذي أجرى كثيراً من اللقاءات الإعلامية بعد شهرة هدفه، وبعدها بأشهر انضم إلى نادي الترسانة العريق آتياً من نادي المجد السكندري.
ولم يكُن تهامي سوى أحد نماذج المواهب التي أبرزتها الدورات الرمضانية التي كانت تتابع قبل أعوام من مسؤولي الأندية لاكتشاف المواهب، وتخرج فيها كثير من اللاعبين الذين أصبحوا من أعمدة المنتخب الوطني مثل فاروق جعفر ورضا عبدالعال وأحمد الكأس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي حي الشرابية بمحافظة القاهرة لم تنقطع الدورات الرمضانية منذ عشرات الأعوام، ويفتخر أبناء المنطقة بأنها أفرزت نجوماً مثل صفوت عبدالحليم، ويروي أحمد عيسى (40 سنة) أنه كان يشارك في الدورات الرمضانية لجذب أنظار كشافي الأندية على أمل أن تكون بوابته للنجومية مثل ابن الشرابية سمير كمونة، مدافع الأهلي والمنتخب السابق، وبالفعل تواصل معه أحد الكشافين عندما كان عمره 14 سنة، لكن اكتشاف إصابة مزمنة في الكتف منعته من الالتحاق بأحد الأندية.
ويقول عيسى إن ذكريات الدورات الرمضانية تتجدد كل عام حين يعود لملاعب الشرابية متفرجاً، في مباريات يصفها بأنها أكثر إمتاعاً من الدوري المصري الممتاز، بما فيها من مواهب حقيقية تستحق فرصة اللعب في أندية محترفة، إضافة إلى الأجواء الجماهيرية التي تغيب عن معظم مباريات الدوري المصري.
ومن بين 21 نادياً في الدوري المصري الممتاز، ستة فقط أندية جماهيرية، والغالبية لأندية الشركات والمؤسسات التي تفتقر إلى الظهير الجماهيري، بالتالي معظم المباريات تكون بمدرجات خالية.
ولم تعُد مدرجات الملاعب المصرية للسعة الكاملة خلال مباريات الدوري منذ مقتل أكثر من 70 من جمهور النادي الأهلي في استاد بورسعيد إثر أعمال شغب في فبراير (شباط) عام 2012، حيث مُنع حضور الجماهير لسنوات، ثم عادت تدريجاً لتصل الآن إلى 40 ألف متفرج حداً أقصى في بعض المباريات.
لعبة السياسة
وتتخطى أهمية الدورات الرمضانية في بعض المناطق حدود ممارسة الرياضة، بل تستخدم في أغراض سياسية في كثير من الأحيان، من خلال إعلان نائب بالبرلمان أو أحد من يسعون إلى دخول البرلمان عن "رعاية" الدورة، مما يشمل التكفل بإيجار الملعب وقيمة الجوائز، وبالطبع تنتشر صورة راعي الدورة في أركان الملعب، ويحضر النهائي لتوزيع الجوائز، في مناسبة تجمعه مع معظم أبناء القرية أو الحي.
ولاستكمال صورة النائب، سواء الحالي أو الساعي إلى المنصب أمام أهل دائرته، يلجأ كثير منهم إلى دعوة نجوم معروفين سواء معتزلين أو حاليين إلى المشاركة في اليوم الختامي لتلك الدورات، مما يكون بداعي المجاملة أحياناً، وبمقابل مادي في كثير من الأحيان، فيحصل اللاعب المعتزل على مبلغ يراوح ما بين 5000 إلى 10 آلاف جنيه، ويرتفع الرقم إذا كان اللاعب لا يزال ينشط في نادٍ كبير، مع تكفل "راعي الدورة" بسيارة تنقل "النجم" من منزله إلى القرية والعكس، بحسب ما أوضح محمد حسن، أحد منظمي دورة رمضانية في مركز الصف بمحافظة الجيزة.
وذكرت تقارير إعلامية في مطلع شهر رمضان أن مدير الكرة في النادي الأهلي وليد صلاح الدين حذر لاعبيه من المشاركة في أية دورة رمضانية، ملوحاً بعقوبات تصل إلى مليون جنيه للمخالفين.
وتقوم بعض الأحزاب برعاية دورات رمضانية في المراكز الكبرى بالمحافظات أو الأحياء المكتظة بالسكان في قلب القاهرة، فعلى سبيل المثال خلال رمضان الجاري نظم حزب "مستقبل وطن" دورة رمضانية في محافظة بورسعيد بمشاركة 18 فريقاً، ونظم حزب "حماة الوطن" دورات عدة في قرى ونجوع بمحافظة قنا.
وبحسب تجربة حسن، فإن بعض الدورات الرمضانية يرفض منظموها عروض الإنفاق عليها، ويصرون على تنفيذها بالجهود الذاتية لعدم تسييسها، بخاصة أن بعض الدورات العريقة التي تنظم منذ عشرات الأعوام تتسابق عليها أحياناً الشخصيات الثرية من القرية لرعايتها، مما يعني لهم وجاهة اجتماعية وفرصة لترديد اسمهم، بما لذلك من مردود سياسي محتمل، لكنه يشير إلى أن معظم الدورات حالياً أصبح لها رعاة من محال ومطاعم موجودة في القرية مقابل وضع شعار المحل في خلفية صور تسلّم اللاعبين للجوائز وفي أركان الملعب.
كذلك، أصبحت الدورات الرمضانية لا تجمع فقط أبناء المنطقة الواحدة، بل زملاء العمل أيضاً، إذ تنظم وزارات وشركات عدة دورات بين موظفيها، ومن أبرزها الدورة التي تنظمها وزارة الشباب والرياضة للعاملين المتنقلين إلى العاصمة الإدارية للعام الثاني على التوالي.