ملخص
أول وصف تفصيلي للصواريخ ورد في كتابات حسن الرماح الذي ينظر إليه بوصفه من رواد تكنولوجيا الصواريخ في العالم الإسلامي ويرى كثير من المؤرخين أن الأوروبيين أخذوا عنه فكرة الطوربيدات والصواريخ وطوروها
ذات ليلة من ليالي خريف عام 1944 كان سكان لندن يعيشون أوقاتاً عصيبة في ظل الحرب العالمية الثانية، لا سيما من جراء ما تفعله الطائرات الألمانية في سماء البلاد. بدا وكأن الهدوء خيم على الأجواء، سكتت المدافع وهديرها، وانمحى أزيز الطائرات من الأفق، مما منح إحساساً بالراحة والأمان.
لكن على حين غرة، دوى انفجار هائل في أحد أحياء العاصمة البريطانية، من دون أن يسمع له صوت وهو في الطريق، بدا الأمر أشبه بصاعقة برق تضرب بقوة، من دون فهم واضح لما يجري.
في اليوم التالي اتضحت الصورة، كانت المدينة قد تعرضت لأول صاروخ باليستي يعرفه العالم، وهو النوع الذي سيغير مجريات الحروب لاحقاً: صاروخ V-2 الذي طوره مهندس الصواريخ الألماني فيرنر فون براون.
كان ذلك الصاروخ محطة مفصلية في التاريخ المعاصر، إذ لم تكن هناك وسيلة لرده، ومعه بدأ فصل جديد من الحروب.
لماذا استدعاء الماضي؟ لأنه يلقي بظلاله على الحاضر، لا سيما بعدما باتت حروب الصواريخ إحدى أهم أدوات الحروب الحديثة، وربما فاقت في أهميتها الطائرات العملاقة والأساطيل البحرية.
يبرز هنا سؤال افتتاحي: هل كان صاروخ فون براون بداية علاقة البشرية بفكرة الصواريخ، أم أنه جاء ضمن تطور أوسع عرفته البشرية لهذا النوع من الأسلحة عبر أكثر من 2000 عام؟
الجواب يقود إلى قصة طويلة تحتاج إلى مؤلفات قائمة بذاتها، لا إلى بضعة سطور، من أين البداية؟
الصواريخ من الإغريق إلى الصينيين
عرفت الحضارات البشرية فكرة الصواريخ بدرجات متفاوتة، لكن ما وصلنا منها يعود بصورة خاصة إلى الإغريق والصينيين، ثم إلى العرب.
أقدم مثال معروف لجهاز يظهر المبادئ الأساسية لرحلة الصاروخ يعود إلى نحو 400 عام قبل الميلاد، حينها دفع أرخيبتاس، وهو فيثاغورسي يوناني، طائراً خشبياً على طول أسلاك معلقة باستخدام البخار وقوداً.
بعد نحو 300 عام ابتكر هيرو الإسكندري جهازاً مشابهاً يشبه الصاروخ عرف باسم "إيوليبايل"، واستخدم البخار وسيلة دفع.
في الصين القديمة اكتشف الناس البارود وبدأوا يستخدمونه في الألعاب النارية والسهام المشتعلة. كانت تلك السهام تنطلق بدفع ذاتي بسيط، لكنها حملت الفكرة الجوهرية للصاروخ: قوة تدفع المقذوف إلى الأمام من داخله.
فتح طريق الحرير القديم مسارات انتقال فكرة الصواريخ إلى أمم أخرى، وانتقلت الفكرة إلى العالم العربي، لا سيما في أوائل القرن الـ13 الميلادي، واستخدمت في صد الفرنجة الذين هاجموا الدول العربية. ويعد أول وصف تفصيلي للصواريخ وارداً في كتابات حسن الرماح الذي ينظر إليه بوصفه من رواد تكنولوجيا الصواريخ في العالم الإسلامي، ويرى كثير من المؤرخين أن الأوروبيين أخذوا عنه فكرة الطوربيدات والصواريخ وطوروها.
الصواريخ ونقلة أوروبية نوعية
يمكن تتبع استخدامات الصواريخ بوضوح أكبر بدءاً من القرن الـ13 الميلادي. شهدت مناطق أوروبية عدة معارك استخدمت فيها أنواع أولية من الصواريخ.
يذكر المؤرخ الإيطالي لودفيكو أنطونيو موراتوري، الذي عاش في القرن الـ18، أول استخدام للصواريخ في معارك بين جمهوريتي جنوة والبندقية في كيوجا عام 1380.
في منتصف القرن الـ16 ألف النمسوي كونراد هاس كتاباً وصف فيه تكنولوجيا الصواريخ التي جمعت بين الألعاب النارية وتقنيات الأسلحة. اكتشفت هذه المخطوطة عام 1961 في سجلات مدينة سيبيو العامة في إيطاليا.
أطلق الإيطاليون على هذا النوع من الأسلحة اسم "روكيت"، وهو مشتق من الكلمة الإيطالية "روكيتا" التي تعني البكرة أو المغزل الصغير، لتشابه شكلها مع البكرة أو اللفافة المستخدمة لحمل الخيط.
استمرت المحاولات الأوروبية الأولية لصناعة الصواريخ حتى أوائل القرن الـ19، حين ظهر ويليام كونغريف (1772-1828) المخترع الحربي الإنجليزي الذي أجرى تطويراً مكثفاً في مختبر الترسانة الملكية. حضر كونغريف مزيجاً جديداً من الوقود وطور محركاً صاروخياً بأنبوب حديدي قوي ذي مقدمة مخروطية.
لاحقاً انتشر استخدام الصواريخ العسكرية في العالم الغربي، ففي معركة بالتيمور عام 1814 كانت الصواريخ التي أطلقتها سفينة الصواريخ "أتش أم أس إريبوس" على حصن ماكهنري هي "الوهج الأحمر" الذي وصفه المحامي والشاعر الأميركي فرنسيس سكوت كي في قصيدته "الراية المرصعة بالنجوم"، واستخدمت الصواريخ في معركة واترلو عام 1815.
تغير المشهد في مطلع القرن الـ20 مع طفرة البحث العلمي، ففي عام 1912 بدأ روبرت غودارد، الفيزيائي الأميركي، تحليلاً للصواريخ وخلص إلى أن صواريخ الوقود الصلب التقليدية تحتاج إلى تحسينات بثلاث طرق:
أولاً، ينبغي حرق الوقود في غرفة احتراق صغيرة بدلاً من بناء حاوية كاملة لتحمل الضغوط العالية.
ثانياً، يمكن ترتيب الصواريخ على مراحل.
ثالثاً، يمكن زيادة سرعة العادم، ومن ثم الكفاءة، لتتجاوز سرعة الصوت باستخدام فوهة دي لافال.
خلال الحرب العالمية الأولى طور ضابط البحرية الفرنسية، إيف لو بريور، أنواعاً من صواريخ وقود صلب جو-جو استخدمت لتدمير بالونات المراقبة المعروفة باسم "سوسيس" (السجق بالفرنسية) التي كان يستخدمها مراقبو المدفعية الألمان.
يمكن القول إن تاريخ الصواريخ قبل تطوير الألمان لها في الحرب العالمية الثانية قصة، وما بعد ذلك قصة أخرى.
فون براون وصواريخ مدينة بينمونده
يمكن رد النجاحات الألمانية في عالم الصواريخ إلى فيرنر فون براون. أدت أبحاثه وأعماله التي نفذت في مركز البحوث العسكرية في بلدة بينمونده بجزيرة أوزدوم دوراً بارزاً في الحقبة النازية، وأثرت لاحقاً في مستقبل أسلحة الدمار الشامل والرحلات الفضائية.
بدأت القصة عندما أعلن هتلر الحرب عام 1939، ولم يكن مشروع بينمونده قد اكتمل بعد. ومع أن التمويل كان متاحاً في البداية، احتدم الخلاف حول الأولويات والعمالة المطلوبة والمواد التي يتطلبها البرنامج، ولم يوافق هتلر رسمياً على السلاح الجديد إلا بعد عرض قادة البرنامج فون براون وشريكه دورنبرغر فيلماً يظهر إطلاق صاروخ "أي-4" بنجاح.
بذل الألمان جهوداً لإنهاء البرنامج، لكنها مرحلة ارتبطت باستخدام العمل القسري. ففي يونيو (حزيران) 1943 أرغم 2500 سجين من معسكرات الاعتقال النازية على المشاركة في مراحل إنتاج الصواريخ، وفق الخطة.
في سبتمبر (أيلول) 1944 توافر للألمان أول صاروخ V-2، وهو أول صاروخ باليستي، واستخدم في هجمات على لندن وباريس.
كان الإطلاق يتم عبر منصة متحركة، ويحمل الصاروخ ما يقارب 900 كيلوغرام من المتفجرات، اتسم بعدم الدقة وتجهيزه بتقنيات بدائية، لكن الغرض كان ضرب المدن الكبيرة.
خلال نحو سبعة أشهر أطلقت ألمانيا 3172 صاروخاً من هذا الطراز على مدن الحلفاء: لندن، باريس، أنتويرب، ليل، نورويتش، لييج، مما أسفر عن مقتل أكثر من 7183 شخصاً.
أطلقت ألمانيا آخر صواريخها من طراز V-2 في الـ27 من مارس (آذار) 1945، مما أسفر عن مقتل 162 شخصاً.
بعد انهيار ألمانيا النازية انتشر علماء ومهندسون ألمان في دول عدة، بينها الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، حاملين معهم مخططات الصاروخ.
شكل هذا النوع قاعدة علمية عسكرية بنت عليها القوتان الكبريان قدراتهما الصاروخية المتقدمة، التي تطورت خلال عقود الحرب الباردة وصولاً إلى زمن الصواريخ الذكية، وكان الوصول إلى هذا المستوى مرتبطاً بأسماء عدة.
علماء صواريخ وبصمات تاريخية
يمكن التأريخ لعالم الصواريخ المعاصر من خلال:
** المهندس الألماني فون براون (1912-1977)، الذي يعد من أبرز مطوري الصواريخ في ألمانيا خلال الحقبة النازية.
بعد انتهاء الحرب وهزيمة هتلر، لم يتعرض فون براون لعقاب أو محاكمة من الحلفاء. غض الطرف عن نشاطاته السابقة وسافر سراً إلى الولايات المتحدة ومعه ما يقارب 1600 عالم ومهندس وفني ألماني ضمن عملية "مشبك الورق". عمل في برنامج الصواريخ الباليستية المتوسطة المدى (IRBM)، وأسهم في تطوير الصاروخ الذي أطلقت به الولايات المتحدة قمرها الصناعي الأول "إكسبلورر 1". ثم انتقل إلى وكالة "ناسا" وعين مدير مركز مارشال لرحلات الفضاء، كما تولى موقع كبير مهندسي صاروخ "ساتورن 5" (Saturn V) الذي حمل طاقم "أبوللو 11" إلى القمر.
** المهندس كونراد داننبرغ، عالم الصواريخ الألماني الذي اشتهر بإسهاماته في محركات الصواريخ الباليستية، ولا سيما صاروخ V-2، الذي يعد أول جسم من صنع الإنسان يصل إلى الفضاء.
كان داننبرغ واحداً من 118 عالماً ألمانيا انتقلوا إلى الولايات المتحدة خلال عملية "مشبك الورق". ساعد في تطوير الصواريخ الباليستية، وشارك لاحقاً في برنامج "ساتورن" التابع لوكالة "ناسا".
** يوجين سانغر، المهندس النمسوي الذي عمل في مجال الفضاء، والمعروف بعمله في تقنيات المحركات النفاثة وتقنيات الأجسام الرافعة في علم الصواريخ.
أمضى سانغر جزءاً كبيراً من حياته في العمل على أنظمة دفع الطائرات والصواريخ. وكان من أوائل العلماء الذين بحثوا في المحركات النفاثة الضاغطة أو أنظمة السحب فوق الصوتية، التي تتسارع بسرعات كبيرة، بما يسمح بالانطلاق بسرعة فائقة بكمية أقل من الوقود.
ومن أشهر ما قدمه نموذج لطائرة بمحرك صاروخي تستخدم محركاً نفاثاً ضاغطاً بدلاً من المحركات النفاثة التقليدية. لم تنتج الطائرة بكميات كبيرة، لكنها ألهمت مهندسين آخرين لإجراء تجاربهم على المحركات النفاثة الضاغطة.
** المهندس هومر هيكام، المولود عام 1943 وما زال على قيد الحياة، ويعد من مهندسي الصواريخ في وكالة "ناسا"، وعرف بتدريبه الدفعة الأولى من رواد الفضاء اليابانيين.
هيكام مؤلف كتاب "روكيت بويز" الذي حقق مبيعات مرتفعة، واستلهم منه فيلم "أكتوبر سكاي" الذي يروي قصة حياته ونشأته في ولاية كولورادو الأميركية.
هناك عشرات وربما مئات من علماء الصواريخ، ولا سيما من السوفيات والفرنسيين والبريطانيين، ولاحقاً الصينيين، مما جعل تصاعد دور الصواريخ في العقد الثالث من القرن الـ21 جزءاً من مشهد اليوم.
الصواريخ سلاح الحداثة المفضل
هل باتت الصواريخ السلاح المفضل في الآونة الحديثة؟
يذكر هذا السؤال بقصة القنابل البيولوجية أو الكيماوية، التي توصف أحياناً بأنها "قنابل الفقراء" للتدمير الشامل، إذ تلجأ إليها دول محدودة الإمكانات العسكرية في مواجهة تهديدات دول تمتلك أسلحة نووية.
وبالمثل تبدو الصواريخ اليوم، بأنواعها المختلفة، أدوات ردع أقل كلفة، ولا سيما إذا اعتبرت الطائرات المسيرة نوعاً منها، فمسيرة لا تتجاوز كلفتها 20 ألف دولار قد تواجه صاروخ "باتريوت" يزيد ثمنه على 4 ملايين دولار.
مع مرور الوقت أصبحت تكنولوجيا الصواريخ، التي كانت حكراً على أفضل الجيوش، أرخص وأسهل في الوصول، وأتاح تنوع أحجامها وقدرتها على المناورة للمستخدمين تخصيص ترساناتهم وفق حاجاتهم، ويمكن الاختيار بين صواريخ أصغر يصعب استهدافها، وأخرى أكبر وأقل قدرة على المناورة لكنها أشد فتكاً.
وبفضل هذه المرونة يمكن تكييف الصواريخ لأغراض الهجوم والدفاع، لتكون قادرة على الإطلاق من البر أو الجو أو البحر.
ومن مزايا الصواريخ أنها تعمل إلى حد كبير بصورة مؤتمتة بعد الإطلاق، مما يقلل الحاجة إلى دعم لوجيستي أو تحكم من بعد، كذلك فإنها، على عكس القنابل الأرضية، تمكن الدول من شن هجمات من مسافات بعيدة غالباً من دون المخاطرة بإرسال منصة مأهولة إلى أراضي الخصم.
تجعل هذه الخصائص الصواريخ سلاحاً مفضلاً في القتال الحديث، لكن يبقى سؤال: هل الصواريخ فعالة بقدر جاذبيتها؟
الأدلة متضاربة، فقد أحدثت الصواريخ ثورة في الحرب العملياتية بعدما صعبت التطورات في صواريخ الدبابات والطائرات والسفن قدرة المنصات على الاختباء، مما جعل الحرب الميدانية أكثر خطورة على كثير من المهاجمين، لكن الأدلة على قدرة الصواريخ وحدها على إحداث تأثير استراتيجي حاسم ما زالت محدودة.
وتبرز فاعلية تبادل الصواريخ في تمكين الأطراف من إبقاء الحروب محدودة مع استنزاف الموارد، إذ تحل الصواريخ محل منصات باهظة الثمن ونادرة، مما يفيد دولاً لا تمتلك ترسانات متطورة من المدمرات أو الطائرات الشبحية.
في المقابل، تظل هناك مخاوف من قدرات بعض الصواريخ الباليستية ذات القوة التدميرية العالية، فما أخطر هذه الصواريخ ومن يملكها اليوم؟
الصواريخ الأكثر فتكاً على الأرض
في ورقة بحثية مطولة صادرة عن معهد السياسة الصناعية الأسترالي، ترد إشارات إلى عالم تحدد فيه القوة النووية ملامح التوازن الدولي، وتبرز فيه مجموعة من الصواريخ ذات القدرات التدميرية العالية.
في مقدم هذه الصواريخ:
** سارمات أو الشيطان-2: صاروخ روسي الصنع، باليستي عابر للقارات فائق الثقل، يعمل بالوقود السائل ومجهز برؤوس عدة مستقلة التوجيه. يمكنه حمل ما يقارب 10 أطنان من الحمولة، وهو ما يكفي لنحو 10 رؤوس حربية ثقيلة أو ما يصل إلى 15 رأساً أخف وزناً، ويمكن وضعه في مسارات مدارية منخفضة حول الأرض.
** DF-41: صاروخ صيني الصنع باليستي عابر للقارات، يوصف بأنه الأكثر تطوراً في الصين وبمدى يتجاوز 1200 كيلومتر، يمكنه حمل ما يصل إلى 10 رؤوس حربية نووية قابلة للتوجيه بشكل مستقل.
** سنتينل أل جي أم-35: صاروخ أميركي يصل مداه إلى 8 آلاف ميل، وهو الجيل الثاني من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي يجري تطويرها لتحل محل الصواريخ القديمة. صممت منظومة "سنتينل" لتحقيق دقة ومرونة وقدرة على الصمود أكبر، ومخطط لها أن تعمل كجزء أرضي من الثالوث النووي الأميركي تحت قيادة القوات الجوية للضربات العالمية.
** ترايدنت 2 دي 5: صاروخ باليستي أميركي، حمولة تصل إلى 10 رؤوس حربية، كل منها بقوة تفجيرية تراوح ما بين 150 و300 كيلوطن، ومدى يقارب 7456 ميلاً. يطلق من الغواصات وتستخدمه الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ويمكن نشره على متن غواصات من فئة أوهايو، وهو قادر على إيصال رؤوس نووية عدة إلى أهداف على مسافة تصل إلى 1200 كيلومتر، وخضع منذ دخوله الخدمة عام 1990 لتحسينات لزيادة مداه ودقته وموثوقيته.
** M51 الفرنسي: ينتمي إلى مجموعة صواريخ "أريان" الحربية المتعددة الرؤوس، وهو صاروخ باليستي يطلق من الغواصات وعنصر أساس في الردع النووي الفرنسي، ومعروف باسم قوة التدمير (Force de frappe)، دخل الخدمة عام 2010. يعمل بالوقود الصلب ويتكون من ثلاث مراحل، ويمكن إطلاقه من غواصات مغمورة، يرتفع لنحو 2000 كيلومتر ويعمل بسرعات تصل إلى 20 ماخ، وتشير الورقة إلى أن الردع النووي الفرنسي يتكون من نحو 290 رأساً نووياً.
هل كادت مثل هذه الصواريخ أن تتسبب بالفعل في إدخال البشرية حرباً نووية، عمداً أو خطأ؟
صواريخ كوبا... السوفيات في مواجهة الأميركيين
يرجح أن العالم اقترب مرتين من حافة حرب نووية بسبب صواريخ.
عرفت المرة الأولى باسم "أزمة الصواريخ الكوبية" التي جرت في أكتوبر (تشرين الأول) 1962، وكادت تؤدي إلى حرب نووية بين السوفيات والأميركيين.
بعد فشل المحاولة الأميركية لإطاحة نظام كاسترو في كوبا عبر غزو خليج الخنازير، وبينما كانت إدارة جون كينيدي تخطط لعملية مونغوس، توصل رئيس الوزراء السوفياتي نيكيتا خروشوف في يوليو (تموز) 1962 إلى اتفاق سري مع رئيس الوزراء الكوبي فيدل كاسترو لنشر صواريخ نووية سوفياتية في كوبا لردع أي محاولة غزو مستقبلية.
بدأ السوفيات بناء مواقع للصواريخ في أواخر الصيف، لكن الاستخبارات الأميركية اكتشفت أدلة على حشد سوفياتي للأسلحة في كوبا، بما في ذلك قاذفات القنابل من طراز IL-28 خلال رحلات استطلاع روتينية.
في الرابع من سبتمبر 1962 أصدر الرئيس جون كينيدي تحذيراً علنياً من إدخال أسلحة هجومية إلى كوبا.
بعد ذلك فرضت الولايات المتحدة حصاراً على كوبا، وهو ما اعتبره خروشوف عملاً عدائياً.
في الأسبوع الأخير من أكتوبر بدا العالم على شفا هاوية نووية، وفي الـ24 من أكتوبر تلقى البيت الأبيض اتصالاً من عميل سوفياتي يقترح اتفاقاً يسحب بموجبه السوفيات صواريخهم من كوبا مقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم غزو الجزيرة.
يرى مراقبون أنه لولا قبول سحب صواريخ "جوبيتر" الأميركية من تركيا لكان احتمال اندلاع حرب نووية أكبر.
انتهت الأزمة بالنسبة إلى العالم، غير أن روايات داخل واشنطن تتحدث عن كلفة سياسية دفعها آل كينيدي لاحقاً.
ماذا عن المرة الثانية التي كادت فيها الصواريخ تشعل حرباً نووية عالمية؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
صاروخ الطقس النرويجي وحرب نووية
المرة الثانية التي كاد العالم ينزلق فيها إلى حرب نووية وقعت في الـ25 من يناير (كانون الثاني) 1995. أطلق صاروخ نرويجي لدراسة الشفق القطبي، لكن روسيا ظنته صاروخاً نووياً في مسار نحو موسكو.
كان اليوم أربعاء والجو شتوياً قارساً، حين رصد فنيون عسكريون مناوبون في محطات الرادار المنتشرة في شمال روسيا وميضاً على شاشاتهم. أطلق صاروخ من مكان ما قبالة سواحل النرويج وكان يرتفع بسرعة.
بالنسبة إلى المراقبين كانت العواقب محتملة الخطورة، إذ اعتقدوا أن صاروخاً يطلق من غواصة أميركية في تلك المياه قادر على إيصال ثمانية رؤوس نووية إلى موسكو في غضون 15 دقيقة.
نقلت الرسالة سريعاً إلى الرئيس الروسي حينها بوريس يلتسين.
ذكرت الرواية أن يلتسين اتجه إلى تجهيز الحقيبة النووية للرد، لكن واشنطن ولندن وباريس وبرلين أكدت خلال دقائق أنه لم يطلق صاروخ باليستي على روسيا.
هبط الصاروخ في البحر كما كان مخططاً له، بعيداً من المجال الجوي الروسي.
ومع ذلك، وبسبب إرث الحرب الباردة وتراجع الثقة المتبادلة، صرحت مصادر دفاعية روسية لم تكشف هويتها لوكالة "إنترفاكس" بأنه "من السابق لأوانه الجزم" ما إذا كان الإطلاق يهدف إلى اختبار نظام الرادار للإنذار المبكر الروسي أم لا.
وفي الخلاصة، يمكن التساؤل عن مستقبل البرامج الصاروخية في ضوء التطورات على ثلاثة أصعدة: الرقائق المعدنية، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية.
يطرح هنا سؤال المقارنة بين ما آلت إليه الصواريخ في ظل الفيزياء التقليدية وما قد تتيحه الطفرات المتسارعة في العلوم المتقدمة، وهل يعني ذلك أن العالم مقبل على ما بعد الصواريخ الذكية والفرط صوتية، وعلى أعتاب أجيال أشد تدميراً؟