Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإعلام المصري يدخل اختبار التطوير بأسئلة الماضي

طالب السيسي بوضع خريطة طريق والاستعانة بالكفاءات ومتخصصون يثمنون الخطوة لكن يطالبون بخطوات عملية سريعة تؤكد إفساح المجال أمام أصوات أخرى مسؤولة

طالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بوضع خارطة طريق شاملة لتطوير الإعلام المصري (أ ف ب)

ملخص

يقول متخصصون إن توصيات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأخيرة الخاصة بتطوير الإعلام تتطلب خطوات عملية حال كانت هناك جدية في تنفيذ التوجيهات، خصوصاً أن المناخ مغلق، وكثير من الصحافيين يشعرون بوجود قضايا لا يمكن تناولها خشية التعرض للمساءلة، مما يجعل الخطوات العملية ضرورة لإقناع العاملين في هذا المجال بجدية الأمر

أعاد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي فتح ملف الإعلام من جديد بتوجيهات تدعو إلى إعداد خريطة طريق لتطويره والاستعانة بالخبرات المتخصصة، مع تأكيد أهمية إتاحة المعلومات وتعددية الآراء، بخاصة في أوقات الأزمات. وأثارت هذه التوصيات التي جاءت بنبرة أكثر انفتاحاً من سابقاتها اهتماماً واسعاً بين العاملين في المجال الإعلامي، وطرحت تساؤلات حول مدى جدية الدولة في إحداث تغيير حقيقي في المشهد الإعلامي.

وعلى رغم أن السيسي أبدى اهتماماً بهذا الملف من قبل توليه السلطة، منذ دعوته إلى ميثاق الشرف الإعلامي في الثالث من يوليو (تموز) 2013، فإن الإعلام المصري ظل على حاله، وسط انتقادات تتعلق بعدم التعددية والتنوع، وتضييق المساحات المستقلة، وتنامي السيطرة الرسمية على المحتوى. وبين من يرى في التوجيهات الأخيرة فرصة لإصلاح حقيقي، ومن يشكك في إمكان ترجمتها إلى خطوات عملية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تتحول هذه التوصيات إلى واقع؟

كيف يتجاوز الإعلام المصري أزمته؟

يصف أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة محمود خليل دعوة السيسي الأخيرة بـ"الخطوة الإيجابية"، لكنه يعتقد أن فاعليتها "تتوقف على مدى ترجمتها إلى تغيير يلمسه الجمهور عبر إتاحة مساحات للرأي والرأي الآخر، وعدم الاكتفاء بفتح المجال أمام سياسة الصوت الواحد على المنصات الرسمية".

ويشدد خليل على أن تنفيذ التوجيهات الجديدة يستدعي "سرعة في التطبيق"، موضحاً "الإعلام لن يتجاوز أزمته إلا إذا تحرر من هيمنة السلطة السياسية، ومنح العاملون فيه الثقة الكاملة، بدلاً من الانشغال بالإثارة على حساب القضايا السياسة والاقتصادية، وكذلك الجوهرية إذا كانت هناك جدية في الإصلاح".

وقبل وصوله إلى السلطة أبدى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي اهتمامه بالإعلام، إذ نص بيان الثالث من يوليو 2013 على إصدار ميثاق شرف إعلامي، كما التقى السيسي في سنواته الأولى رؤساء التحرير، وفي أغسطس (آب) 2014 قال السيسي في احتفالية إعلان تدشين محور تنمية قناة السويس، "الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كان محظوظاً، لأنه كان بيتكلّم (يتحدث)، والإعلام كان معاه (في صفّه)"، مما اعتُبر وقتها أن الرئيس المصري يرى في تجربة الستينيات نموذجاً يجب أن يحتذى.

 

وفي هذا الشأن يعود خليل ويؤكد أنه "لا أحد يختلف على دور الإعلام في حشد الرأي العام خلف الدولة ومشروعاتها، لكن يوجد فارق بين التعبئة لخدمة الدولة والتوجيه لخدمة السلطة. من حق السلطة امتلاك وسائل إعلام تعبر عنها، لكن من حق الآخر من خارج مربع السلطة أيضاً أن يكون له إعلام مستقل".

ويضيف أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة، "السيسي حين بدأ فترته الأولى بلقاء الإعلاميين، كان واضحاً أنه يريد حشداً خلف المشروعات القومية في بدايات حكمه، لكن الإعلام خضع لاحقاً لتأميم ناعم بعد استحواذ الشركة المتحدة على قنوات وصحف خاصة، مما جعل الإعلام المستقل عملياً تحت سيطرة الدولة"، مؤكداً أن هذه التجربة "لم تحقق أهدافها"، مستشهداً بأن نسبة المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ لم تتجاوز 17 في المئة على رغم الحملات المكثفة، بينما الرسالة الأخيرة للرئيس "تظل إيجابية، لكنها في حاجة إلى خطوات عملية تغير المشهد الحالي".

هل يشهد الإعلام المصري جديداً؟

يرى أستاذ الإعلام في جامعة السويس حسن علي أن تصريحات السيسي الأخيرة تكشف عن تطور في نظرته إلى ملف الإعلام، وأظهرت أن مؤسسات الدولة أكثر استقراراً. فبحسب رأيه، أثبتت التجربة أن فقدان الإعلام جزءاً من ثقة الجمهور وصدقيته حدَّ من قدرته على دعم الدولة في قضاياها الإقليمية والدولية، مما جعل من التوجه الحالي فرصة ينبغي استثمارها.

ويعتبر علي أن الدعوة الأخيرة إلى فتح المجال أمام أصوات مختلفة خطوة إيجابية، لكنها "تحتاج إلى إجراءات عملية لتعزيزها، مثل إصدار قانون لتداول المعلومات، وإتاحة مساحات أوسع للتعددية داخل المنصات الإعلامية، وغياب مثل هذه الخطوات يفسر محدودية تطور الإعلام خلال السنوات الماضية".

وشدد أستاذ الإعلام على أهمية إفساح المجال أمام أصوات معارضة مسؤولة تعبر عن توجهات وطنية، مع تحسين أوضاع المؤسسات الإعلامية الكبرى التي ما زالت تواجه تحديات تنظيمية وإدارية، والمناخ الداعم للإصلاح يتطلب تشريعات واضحة، وانفتاحاً على النقد، وتطويراً مهنياً يواكب تكنولوجيا العصر.

وتوافقه الرأي أستاذة الإعلام في الجامعة الأميركية بالقاهرة نائلة حمدي، مشيرة إلى أن التوصيات الأخيرة تتطلب خطوات عملية حال كانت هناك جدية في تنفيذ توجيهات الرئيس، خصوصاً أن المناخ مغلق، وكثير من الصحافيين يشعرون بوجود قضايا لا يمكن تناولها خشية التعرض للمساءلة، مما يجعل الخطوات العملية ضرورة لإقناع العاملين في هذا المجال بجدية الأمر.

ما تقوله نائلة يذهب إليه أحمد علي (اسم مستعار)، صحافي مصري يعمل بإحدى الصحف القومية، إذ يقول لـ"اندبندنت عربية"، "تسود ثقافة الأيدي المرتعشة بتجنب تناول الموضوعات التي قد تثير جدلاً أو قلقاً. ونتيجة لذلك تفتقد المواد الصحافية التفاصيل التي يبحث عنها القارئ لأنها غالباً ما تهمل أو يتردد في طرحها"، مضيفاً "السرعة في نشر الأخبار تأتي كثيراً على حساب الجودة والصدقية، في ظل الانشغال بالترند".

 

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2023 انتقد السيسي ضعف التغطية الإعلامية للإنجازات والمشروعات، معتبراً أن القنوات تركز على موضوعات سطحية مثل برامج الطهي، في حين يغيب التسويق الإعلامي لما تقوم به الدولة يفتح الباب أمام الإشاعات والهجوم بسبب نقص المعرفة لدى المواطنين.

ويتابع الصحافي المصري، "شخصياً، تحولت إلى صحافي تقليدي، لم أواكب التطور لأننا نسير خلف مؤشرات وآليات 'غوغل'، وهي معايير فرضها واقع السوق. وكثيراً ما واجهت سياسة المنع لقصص صحافية لا يسمح بطرحها حتى افتقدنا التواصل الذي كان يحدث حين نتبنى قضية تشغل الرأي العام".

ودعا السيسي إلى أهمية الاعتماد على الكوادر الشابة المؤهلة للعمل الإعلامي وتنظيم برامج تثقيفية وتدريبية للعاملين بهذا المجال، بما يرسخ مبدأ الرأي والرأي الآخر داخل المنظومة الإعلامية المصرية.

في حين استرجعت نائلة حمدي مشهد الإعلام في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، قائلة إنه شهد تنوعاً، وإتاحة المجال أمام أصوات معارضة، معتبرة أن هذا النموذج نحتاج إليه الآن، مبدية مخاوفها من التمسك بإعلام عبدالناصر، إذ ترى أنه كان الأسوأ في تاريخ الإعلام، ويكفي أن الشعب خُدع وقت هزيمة 1967 بخطاب إعلامي يتحدث عن انتصار، مؤكدة أن إصلاح الإعلام يتوقف على إرادة الرئيس، وإذا قرر المضي فيه بجدية فإن التغيير ممكن، لكنني لا أتوقع تحولاً جذرياً في المدى القريب بسبب الأزمات الداخلية والإقليمية، مرجحة أن تقتصر الخطوات المقبلة على إجراءات محدودة لا أكثر.

ولا يبدي الصحافي والناشط السياسي المصري عمر قناوي هو الآخر تفاؤلاً بإحداث تغير جذري للإعلام على المدى القريب، مرجحاً أن يفتح مساحة محدودة للرأي الآخر وتحت السيطرة، مثل الحوار الوطني الذي لم ينتج منه أي شيء، وفق تعبيره.

ويعزو قناوي تراجع اهتمام الجمهور بالإعلام إلى التضييق الأمني والسياسي الذي يحد من قدرة الإعلام على أداء وظائفه الأساسية من التحري والتحقق، مضيفاً أن تأثير الإعلام تراجع بصورة ملحوظة لمصلحة صعود منصات التواصل الاجتماعي، التي تتيح الخبر بسرعة وتفاصيل مباشرة إلى المستخدمين، فالقيود المفروضة على العاملين في مجال الإعلام، إلى جانب غياب الشفافية في إتاحة المعلومات حول الأحداث المهمة، دفعت شريحة واسعة من الجمهور إلى اللجوء إلى قنوات بديلة، بعضها يحمل مواقف معادية، في محاولة للحصول على المعلومة.

التحول نحو القضايا الهامشية

يتفق العميد السابق لكلية الإعلام بجامعة القاهرة الدكتور حسن عماد مكاوي على أن تراجع دور الإعلام يعود بصورة رئيسة إلى غياب بيئة تضمن حرية الرأي والتعبير، وتكفل تنوع الآراء وتداول المعلومات، التي من شأنها بناء علاقة تفاعلية بين الجمهور والمنصات، غير أن القيود المفروضة وصعوبة الوصول إلى المعلومات تقيدان قدرة الصحافي على أداء دوره المهني.

وأشار مكاوي إلى أن كثيراً من الكوادر الإعلامية المؤهلة اختارت الانسحاب طوعاً من المشهد رفضاً للعمل في بيئة غير جيدة، في حين يُقصى آخرون قسراً من قبل الجهات المسيطرة على التمويل والإدارة، مؤكداً أن تضييق المجال الإعلامي أضعف القدرة على العمل بحرية، في مقابل منصات رقمية لا تخضع لرقابة تنظيمية أو التزامات مهنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في حين يعزو الكاتب الصحافي عبدالحليم قنديل الأزمة إلى تقلص سقف الحريات الذي وصفه بأنه "لامس الأرض"، وكذلك انحسار المجال العام إلى حد التلاشي، وتحول هذه الوسائل نحو قضايا هامشية مثل زيجات الفنانين ومشاهير السوشيال ميديا، واستفزازات الساحل الشمالي وعجائبه، بحثاً عن مساحات يعتقد أنها آمنة، في ظل تضييق هامش التعبير الذي أصبح أضيق من أي وقت مضى.

ويضيف قنديل، "لا يطرح سؤال (لماذا) في أي خبر، وتغيب المعلومات، وتُستبدل بها سرديات غير منطقية لتفسير الأزمات المختلفة"، معتبراً أنه لا بديل عن إطلاق حرية الإعلام، فهي عنصر أساس للكشف المبكر عن الإهمال والفساد، وعرض كل ما يجري أمام الرأي العام.

وينهي قنديل حديثه، "المساحة التي كانت تخصص لي للحديث عن التحديات التي تواجه البلاد بإحدى قنوات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية المملوكة للدولة تقلصت تدريجاً، حتى تحولت ضمن اتفاق ضمني بيننا إلى خبير في الشؤون الأوكرانية – الروسية!"، موضحاً أنه لم يعد مسموحاً له بالتطرق إلى القضايا التي كانت متاحة من قبل، وفق تعبيره.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير