Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جثث وعلامات... أصعب اللقاءات في غرف "الاستعراف" بغزة

"اندبندنت عربية" ترصد كواليس الألم في جلسات الأهالي للتعرف إلى القتلى مجهولي الهوية

تعد "الاستعراف" مرفقاً إنسانياً وقانونياً مخصصاً لمساعدة العائلات في تحديد هويات الضحايا (أ ف ب)

ملخص

غرفة "الاستعراف" هي الطريق الوحيد للاستدلال على المفقودين في قطاع غزة، "اندبندنت عربية" ترصد قصصاً حقيقية مؤلمة من داخل الصالة التي تجمع لقاء الأهل بالمفقود في لحظة كلها ألم.

في زاوية صالة الاستعراف وقفت الأم سلمى أمام شاشة تعرض صوراً متتابعة لجثامين مجهولة الهوية، تبحث عن طفلتها ريما التي فقدت آثارها في الحرب الإسرائيلية على غزة، ولم تعد تعرف إذا كانت بين الأحياء أو سقطت ضحية في القتال أو معتقلة في الزنازين.

تحدق بتركيز في الوجوه التي تعرض على شاشة الاستعراف، لكن الملامح غائبة، مسحها الركام وغبار القتال، قلب الأم سلمى ينبض بقوة وسرعة والحيرة تتملك مشاعرها، ومع كل صورة تمر أمام نظرها سريعاً تشعر بطعنة في صدرها.

ذاكرة مؤلمة

عندما توقفت شاشة صالة الاستعراف عند مشهد يظهر يد طفلة صغيرة عليها دماء جافة وتراب وفي المعصم ربطة شعر وردية اللون، تجمدت أطراف الأم سلمى وعادت بذاكرتها إلى صباح ذلك اليوم، في مخيلتها مرت أمامها التفاصيل كاملة، "كيف جلست صغيرتها ريما أمامها، لتمشط شعرها الصغير وربطته بربطة وردية اختارتها الطفلة بنفسها بعناية لتناسب ثوبها، تذكرت ضحكتها وهي تخرج من البيت ولم تعد منذ ذلك الحين".

انهارت الأم سلمى من الذكريات والصمت بصرخة هزت أركان صالة الاستعراف "أنا ربطت شعرها بهذه الربطة" تلفتت جميع العيون في صالة الاستعراف نحوها كأنهم يحسدونها على العثور على جثة فقيدتها، فالجميع في تلك القاعة ينتظرون أي دليل صغير يجيب عن التساؤلات التي تدور في عقولهم حول مصير مفقوديهم.

في غزة، نتيجة أعداد المفقودين الكبيرة وتسليم إسرائيل جثثاً غير معلومة الهوية، اضطرت وزارة الصحة بالتعاون مع الطب الشرعي ووزارة العدل والنيابة العامة، إلى تدشين صالة يطلق عليها "غرفة الاستعراف" من خلالها تعرض صور الجثث ومقتنياتهم على أهالي المفقودين للتحقق من هويات الضحايا لاستكمال الإجراءات القانونية ودفنهم بكرامة.

صالة الاستعراف

لا تعد صالة الاستعراف إجراء دائماً وإنما يتم تفعيلها استثنائياً عند وصول دفعات من الجثامين مجهولة الهوية يتم تسلمها رسمياً من إسرائيل، أو عثور فرق البحث الميداني على جثامين أسفل الأنقاض لأشخاص انقطعت آثارهم خلال العمليات العسكرية أو تحت الأنقاض.

تعد "الاستعراف" مرفقاً إنسانياً وقانونياً مخصصاً لمساعدة العائلات في تحديد هويات الضحايا وداخلها يتم عرض صور الجثامين أو متعلقاتهم الشخصية، يقول رئيس لجنة المفقودين والجثامين مجهولة الهوية علاء الدين العكلوك "تمثل هذه الغرفة مكاناً مؤلماً للأهالي الباحثين عن بصيص أمل أو فرصة لوداع ذويهم وتكريمهم بدفن لائق بدلاً من بقائهم مجهولين في ثلاجات الموتى أو المقابر الجماعية"، ويضيف "الغرفة هي حلقة الوصل بين الضحايا المجهولين من أي مصدر، وعائلات المفقودين الساعية إلى معرفة مصير أبنائها، وتهدف إلى إنهاء معاناة البحث المستمرة وتمكين الأهالي من تسلم جثامين أبنائهم في حال تطابقت المواصفات، لضمان دفنهم بأسماء معلومة بدلاً من بقائهم في عداد المجهولين".

 

تعرض لجنة المفقودين على الأهالي صور الجثامين والأشلاء والمقتنيات الشخصية والملابس التي وجدت مع الرفات المجهول، وهذا ما حدث مع الأم سلمى التي تقول "لم تكن تلك الربطة مجرد قطعة قماش، بل كانت البصمة التي أخبرتني أن ذلك رفات ابنتي ولن تعود لتفك ضفائرها في المساء".

تحولت الربطة الوردية من زينة للجمال إلى دليل وحيد للوداع، وحين أدركت الأم سلمى الموقف تقدمت خطوات نحو الشاشة وأمسكت بالصورة وكأنها تمسك بيد ابنتها للمرة الأخيرة، وما حدث مع المكلومة هو حال مئات الأمهات والآباء المضطرين إلى التعرف إلى فلذات أكبادهم داخل غرفة الاستعراف.

17 ألف مفقود

تقدر لجنة مفقودي غزة وجود أكثر من 10 آلاف لا يزالون مدفونين تحت ركام المنازل المدمرة، وتعجز طواقم الدفاع المدني عن انتشالهم، وإلى جانبهم هناك 7 آلاف شخص فقدت آثارهم منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يعتقد أنهم مختطفون أو مختفون قسرياً.

جميع أهالي الـ17 ألف مفقود ينتظرون تفعيل غرفة الاستعراف، فهم يدركون أنها المرحلة الأخيرة في رحلة اللايقين، يوضح رئيس لجنة المفقودين أن الأهالي يسألون دوماً إذا كان فقيدهم حياً أم قتل، هذا التعلق يمنع العائلة من بدء رحلة العزاء، ولذلك الغرفة على رغم قسوتها تقدم إجابة حاسمة، فالتعرف إلى الجثمان يغلق باب التوقعات المؤلمة ويمنح العائلة حق معرفة مصير أحبائهم.

ويشرح علاء الدين العكلوك "في الحروب تتحول الأجساد أحياناً إلى مجرد أرقام في ثلاجات الموتى أو جثامين في مقابر جماعية، صالة الاستعراف تمنح الضحية اسمه وتاريخه وصورته مجدداً وتتيح له الدفن اللائق، فهي تحمي الجثمان من أن يدفن غريباً في مقابر الأرقام، هي غرفة الحقيقة المرة، حيث يفضل الأهالي مواجهة الموت المؤكد على العيش في انتظار لا ينتهي".

سحاب وخاتم خطوبة

منذ أشهر يبحث خميس عن ابنه الذي غاب، يسير بخطوات مثقلة بالخوف، في المستشفيات ومدارس الإيواء وحتى في صالة الاستعراف، ينظر كل مرة على الشاشات التي لا تعرض وجوهاً وإنما بقايا الأشياء لتكون هي لغة التواصل الوحيدة بين الموتى والأحياء.

تسمرت نظرات خميس عند قطعة من قماش جوخ كحلي، نظر للصورة ببطء وتمعن كانت عيناه المرتجفة تتفحص سحاباً معدنياً كان لا يزال عالقاً بطرف الثوب، في تلك اللحظة، لم يعد الأب في غرفة الاستعراف بل عاد بالزمن إلى أسبوع قبل الحرب، حين اشترى لابنه هذا الثوب.

لم يقل الأب هذا ابني بل همس والدموع تخنق صوته "هذا جاكيته، اشتريته له ليدفأ، لم أكن أعرف أنه سيكون كفنه، لقد تحول إلى دليل لإغلاق الشك"، خرج الأب من الصالة يحمل قطعة القماش في يده يحتفظ بها فهي رائحة ابنه الأخيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي قصة أخرى، دخلت هديل إلى غرفة المقتنيات في صالة الاستعراف، تتفقد بقايا الأرواح التي رحلت تنظر إلى مفتاح صدئ وساعة توقفت عقاربها وقطعة قماش ممزقة، وفجأة، سقط نظرها نحو خاتم فضي بسيط، وبأصابع ترتجف أمسكت بتلك القطعة الصغيرة التي بدت أثقل من الجبال في تلك اللحظة.

قلبت الخاتم ببطء لتقرأ النقش الداخلي، كان اسمها محفوراً بعناية، تقول "كان هذا الخاتم البسيط هو الدليل الذي يربط الماضي الجميل من الوعود والآمال التي تشاركناها معاً بوجع الرحيل، لقد غير الفقد مسار حياتي، لكن هذا الخاتم ظل شاهداً على قصة حب واجهت الصعاب".

دعم نفسي

يقول عضو دائرة الأدلة الجنائية عمر أبو سليمان "وضع الجثث التي تعرض صورها غير مسبوقة من التحلل المتقدم والتعفن هذا يصعب مهمة التعرف إليها، إذ إن الوجوه مطموسة والأجساد مشوهة، كذلك فإن غياب فحوص الحمض النووي تماماً عن غزة يجعل التعرف إلى هذه الجثث شبه مستحيل"، ويضيف "يضطر الأهالي في غزة إلى التدقيق في أصغر المقتنيات لإتمام عملية الوداع الأخير، في ظل غياب وسائل التعرف العلمية، معظم الحالات تعرفت إلى مفقوديها بعد التركيز على علامات فارقة مثل شامة أو ندبة قديمة أو طبيعة الأسنان".

ويوضح أنه بمجرد تعرف العائلة إلى أحد ذويها داخل صالة الاستعراف، تبدأ مجموعة من الإجراءات القانونية والإدارية لضمان توثيق الهوية رسمياً، لافتاً إلى أن الأهالي يواجهون داخل هذه الصالة صدمات نفسية قاسية لذلك يتم تقديم الدعم النفسي، إذ لا يتم إدخال الأهالي فجأة إلى الجثامين بل تبدأ العملية بجلسة تمهيدية يقوم فيها المتخصصون بشرح ما سيشاهدونه بالداخل، بخاصة إذا كانت الجثامين في حال تحلل أو عبارة عن أشلاء، لتقليل حدة الصدمة البصرية.

ويظهر أبو سليمان أنهم يستخدمون التدرج في العرض كأداة نفسية، إذ يفضل عرض المقتنيات الشخصية مثل ساعة يد أو ما شابه قبل عرض الجثمان نفسه، فهذه المتعلقات تعمل كوسيط نفسي يهيئ العقل لتقبل الحقيقة قبل مواجهة الجسد، مؤكداً أنه يرافق كل عائلة داخل الصالة شخص مدرب على التعامل مع الأزمات النفسية الحادة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير