ملخص
يعد الدفاع المدني الجهة الأساسية المسؤولة عن عمليات البحث والإنقاذ وانتشال الجثامين من تحت الأنقاض، ويساعده في تلك المهمة الصعبة طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني ووزارة الصحة، وعلى تلك الفرق أن تبحث عن المفقودين تحت 61 مليون طن من الأنقاض من دون معدات وحفارات ولا حتى وسائل حماية.
يضرب قاسم الذي يعمل في جهاز الدفاع المدني، الركام بفأس يدوي ليزيح الحجارة عن جثة يابسة أسفل منزل قصفه الجيش الإسرائيلي قبل نحو 11 شهراً، وبعد عمل دؤوب تمكن من الوصول إلى الجثمان، واجتمع معه ثلاثة من زملائه لمساعدته في انتشال الضحية.
بمجرد أن اقتربت الطواقم الميدانية من جثة الضحية انفجرت في وجوههم "غازات الموت" ذات الروائح النفاذة، فهم يعملون من دون أقنعة تنفس خاصة، وجميعهم بدأوا بالسعال الشديد وصاحب الكحة خروج دم، فالاستنشاق المباشر لغبار الركام المشبع بالمواد الكيماوية والغازات الحيوية يؤدي للإصابة بأمراض خطرة.
14 ألف مفقود
عاين فريق الدفاع المدني في ميدان انتشال الجثة المكان، ورصدوا أن الضحية متحللة، إذ تكسرت الأنسجة العضوية بواسطة البكتيريا والإنزيمات بعد الوفاة وانتشرت حولها سوائل بيولوجية. تبادل الثلاثة النظرات في ما بينهم وكأنهم يفحصون أنفسهم، كانوا من دون أدنى وسائل حماية شخصية، لا أقنعة ولا بدلات واقية ولا حتى قفازات.
توزع "فرسان الإنقاذ" الثلاثة حول الجثة، انحنوا جميعهم وانتشلوا الجثمان من مكانه ولفوه في بطانية ولحاف، ثم غادروا المكان بعد تعقيم أياديهم بمطهرات ومعقمات كحولية تقليدية، ونقلوا الضحية لاستكمال إجراءات تسجيل الوفاة والدفن الشرعي المتبع في غزة.
انتهى عمل قاسم وزملائه في جهاز الدفاع المدني، المخصص هذه الفترة فقط لانتشال جثث الضحايا العالقة والمفقودين تحت أنقاض قطاع غزة، وعليهم أن يسهموا في انتشال نحو 14 ألف مفقود من بينهم 4700 طفل وامرأة، وفي الوقت نفسه أن يحافظوا على سلامتهم الشخصية والصحية وسط بيئة يعملون فيها من دون أية معدات سلامة ولا أدوات عمل مساندة.
يعد الدفاع المدني الجهة الأساسية المسؤولة عن عمليات البحث والإنقاذ وانتشال الجثامين من تحت الأنقاض، ويساعده في تلك المهمة الصعبة طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني ووزارة الصحة، وعلى تلك الفرق أن تبحث عن المفقودين تحت 61 مليون طن من الأنقاض من دون معدات وحفارات ولا حتى وسائل حماية.
إعياء بلا علاج
عاد قاسم إلى بيته مرهقاً تبدو عليه علامات الإعياء، تمدد على سريره ولكن وضعه الصحي لم يكن بخير، وهو ليس وحده هكذا، إذ ظهرت على جميع الطواقم الميدانية التي تعمل في انتشال جثث الضحايا المفقودين أعراض صحية مقلقة وغير مألوفة، يصفها الأطباء بأنها ناتجة من التعرض الطويل لبيئة عالية التلوث البيولوجي.
يقول قاسم "منذ العمل في انتشال الجثث وأنا أعاني من ضيق تنفس حاد وسعال مزمن يرافقه خروج دم، وتقرحات جلدية شديدة لا تستجيب للمضادات الحيوية العادية، والأبشع من ذلك أنني أشعر وكأني أشم رائحة الجثث حتى وأنا في منزلي بعيداً من العمل، مما يسبب أرقاً واكتئاباً حاداً".
ويضيف قاسم "الأطباء يكتبون لي علاجات، لكن غزة تفتقر للأدوية، إن الخطر الأكبر يتمثل في أن الأمراض التي نصاب بها تحدث في ظل انهيار المنظومة الصحية، والأطباء لا يجدون أدوية نوعية ولا مختبرات قادرة على تشخيص نوع البكتيريا أو الفطريات بدقة لعلاجها".
جثث متحللة
أخيراً، بدأت تظهر على الطواقم الميدانية التي تعمل في انتشال جثث الضحايا المفقودين أمراض خطرة ونادرة، فهم يتعاملون مع جثامين مدفونة تحت أطنان من الركام الملوث بالمواد الكيماوية، ورفات يتعرض لعوامل بيئية منذ أشهر عدة، ونتيجة حتمية لذلك أخذت الأمراض تتفشى في أجسادهم.
يقول مدير الطب الوقائي بوزارة الصحة أيمن أبو رحمة "التعامل مع جثث الضحايا، بخاصة في سياق الكوارث، يتطلب إجراءات وقائية صارمة تهدف إلى منع انتقال الأمراض المعدية، ولكن ذلك غير متوافر في غزة".
ويضيف "بقاء آلاف الجثث تحت الركام لأشهر يؤدي إلى تحللها، مما يسبب انبعاث غازات سامة وانتشار بكتيريا وفطريات خطرة تصيب العاملين الذين يعانون من نقص حاد في أدوات الوقاية الشخصية، وهذه البيئة جعلتنا نرصد عدوى جرثومية وأمراض غريبة ومعدية بين المسعفين وأفراد الدفاع المدني نتيجة التعامل المباشر مع جثث في مراحل متقدمة من التحلل".
المعدات المفقودة
في الحقيقة يضطر العاملون الميدانيون للمغامرة بحياتهم والعمل في ظروف انتحارية صحياً، إذ يعتمد الانتشال غالباً على أدوات يدوية بسيطة، ويمارسون مهامهم من دون أدنى وسائل حماية شخصية مما يعرضهم بشكل مباشر للغازات المنبعثة من الجثث المتحللة والأمراض الجلدية والتنفسية الخطرة.
يقول مدير الدعم الإنساني في الدفاع المدني، محمد المغير "نخشى الموت من الأمراض التي قد تنتقل إلينا في أية لحظة، إن التعامل مع الجثامين من دون وسائل حماية كافية خطر يلاحقنا، فطواقمنا تعمل من دون أقنعة تنفس متخصصة مزودة بمرشحات (P-100)، ولا نمتلك أجهزة كشف الغازات السامة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يفتقر الدفاع المدني إلى الملابس الواقية، إذ لا توجد بدلات طبية مقاومة للسوائل تستخدم لمنع التلامس المباشر مع البكتيريا، ولا قفازات طبية وهندسية للحماية من الجثامين المتحللة، ولا الأحذية والنظارات الواقية لحماية العين من الرذاذ والملوثات، ولا يوجد في مخازنهم معقمات ومطهرات قوية للاستخدام الشخصي وتطهير المواقع، فضلاً عن نقص في الأكياس المصممة لمنع تسرب السوائل والروائح.
بحسب المغير، فإن هناك اتصالاً مباشر بين الطواقم الميدانية وجثث الضحايا أثناء عمليات الانتشال، وبسبب نقص وسائل الحماية تتعرض الطواقم لخطر انتقال الأمراض، إذ بعد ملامسة الجثث خلال عمليات الانتشال يصاب بعض أفراد الطواقم مباشرة بوعكة صحية.
ويوضح المغير أن أمراضاً تنفسية وهضمية تتفشى بين العاملين الذين يأخذون علاجاً موقتاً، لكن الأزمة تعود إليهم مجدداً لأنهم مجبرون على العودة لبيئة العمل الخطرة نفسها، وهذه البيئة أدت إلى وفاة أحد العاملين وإصابة نحو 120 حالة أخرى بأمراض بعضها خطر.
قائمة الأمراض
كثيرة هي الأمراض التي يتعرض لها العاملون الميدانيون، وبالعودة إلى مدير الطب الوقائي أيمن أبو رحمة فإنه عند رفع الأنقاض عن جثامين مضى عليها أشهر، تنبعث غازات ناتجة من التحلل مثل كبريتيد الهيدروجين والميثان، وبسبب غياب الأقنعة المزودة بمرشحات كيماوية يستنشق العمال هذه الغازات مباشرة، مما يؤدي إلى حالات إغماء وفقدان وعي مفاجئ في موقع العمل.
ويوضح أبو رحمة أن الاستنشاق المباشر للغازات السامة يؤدي إلى إصابات مزمنة في الجهاز التنفسي والتهابات رئوية حادة، والأخطر من ذلك أن انعدام البدلات الواقية يؤدي إلى التصاق السوائل الناتجة من تحلل الجثث بملابس العمال العادية وجلودهم، وهذا التلامس ينقل بكتيريا وفطريات خطرة تخترق الجلد، مما يسبب تقرحات جلدية شديدة يصعب علاجها.
ويشير أبو رحمة إلى أن التعامل اليدوي مع الركام الملوث بسبب نقص القفازات الهندسية يعرضهم لخطر الجروح القطعية من أسياخ الحديد والزجاج الملوث بسموم الجثث مما يسبب تسمم الدم، وكذلك تنقل العدوى إلى أفواههم أو عيونهم أثناء العمل لساعات طويلة من دون إمكانية للتعقيم.
وعن الأمراض التي تصيب العاملين في انتشال الجثث، يشرح أبو رحمة أن "أعراض الجهاز التنفسي أبرزها سعال مزمن وضيق تنفس حاد يشبه الربو المهني الشديد، والتهابات الرئة الفطرية وهي ناتجة من استنشاق أبواغ الفطريات التي تنمو على الأجسام المتحللة".
وهناك إصابات جلدية تظهر على العاملين، يلخصها أبو رحمة في التقرحات الآكلة، وهي لا تستجيب للمضادات الحيوية العادية وتنتشر بسرعة في الأطراف التي تلامس الركام، والطفح الجلدي الكيماوي الناتج من ملامسة سوائل التحلل التي تصبح قلوية أو حمضية بتركيزات عالية وتؤدي لحروق كيماوية.
ويصاب العاملون في الدفاع المدني بالتسمم البكتيري المتكرر ونوبات من القيء والإسهال الشديد نتيجة ابتلاع جزيئات ملوثة أثناء العمل، أو بسبب صعوبة تنظيف الأيدي بشكل صحيح قبل الأكل، وفقدان الشهية الحاد، وصدمة عصبية بسبب استقرار رائحة التحلل في الجيوب الأنفية، مما يجعل العاملين غير قادرين على تناول الطعام لأيام، وهذا يسمى اضطراب رائحة الموت الوهمية.
جراثيم وموت
من أصعب قصص الأمراض التي أصابت العاملين في انتشال الجثث ما تعرض له قصي، الذي أصبح يعاني من مرض في الكلى لم يستطع ستة أطباء تشخيصه، يقول "بدأ بعد استنشاق رذاذ خرج من جثامين ضحايا متحللة".
يعمل قصي في انتشال الجثامين من دون وسائل الحماية اللازمة. يضيف "أصبت بمرض في الكلى مباشرة، واليوم أعيش من دون علاج ولا أمل في التعافي، كل ذلك لأننا نفتقد الحد الأدنى من الحماية لنستمر في هذا العمل".
صابر أيضاً الذي يعمل في الدفاع المدني أصيب بجرثومة في المعدة ذات طبيعة نادرة. يقول "لا مختبرات ولا أدوية ولا وسائل حماية". وتعد حال صابر هينة عند مقارنتها مع حال منجد الذي أصيب بجرثومة في الدم أدت إلى وفاته بعد أسبوع.
لا معدات حماية في غزة، إذ دمر الجيش الإسرائيلي مخازن الدفاع المدني بما تحتويه من وسائل وقاية. يقول مدير العلاقات العامة في الدفاع المدني محمد الميدنة "قدمنا طلبات عديدة إلى المؤسسات الدولية مباشرة لتوفير معدات السلامة ولم نجد استجابة بسبب رفض إسرائيل، ثم قدمنا عن طريق وزارة الصحة على أمل أن يكون الأمر أسهل ولكن للأسف دائماً كان الرفض يأتي من الإسرائيليين".
ويضيف المدني "خلال العامين الماضيين لم يتم إدخال أي من هذه المعدات بسبب الحصار المفروض، الأمر الذي يزيد من خطر انتشار الأمراض ويصعب من أداء الفرق الميدانية لمهامها بشكل آمن".
تبريرات إسرائيل
تمنع إسرائيل دخول المعدات اللازمة لعمليات الإنقاذ والانتشال، حيث تصنف تلك الضروريات كمواد ثنائية الاستخدام أي يمكن أن تستخدم لأغراض عسكرية، إذ ترفض إدخال الحفارات والجرافات التي تعد ضرورية لرفع أطنان الركام وتمنع توريد أجهزة الكشف والأقنعة التي تحمي من الغازات السامة.
تدافع وحدة تنسيق أنشطة الحكومة الإسرائيلية عن القيود المفروضة على المعابر، وتبرر أن الفحص الأمني يهدف لضمان عدم وصول معدات تقنية أو وقائية إلى الفصائل لاستخدامها في الأنفاق.
ويقول رئيس مديرية التنسيق والارتباط لغزة العقيد موشيه تيترو "منع أو تقييد دخول المعدات مثل الأقنعة الواقية، وأجهزة الكشف عن الغازات، والمعدات الثقيلة، يأتي لمنع استفادة الفصائل الفلسطينية منها في الأنفاق، هذه الأقنعة قد تستخدم للتحرك داخل السراديب التي قد تحتوي على نسب منخفضة من الأوكسجين أو غازات ناتجة من الانفجارات، مما يمنحهم تفوقاً في البقاء والقتال تحت الأرض".
ويضيف "هناك مخاوف من التصنيع الكيماوي، فأحياناً الفلاتر الموجودة في الأقنعة المتقدمة تحتوي على مواد كربونية ونوعية يمكن تفكيكها واستخدامها في أغراض تصنيعية أخرى".