Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نفاد أكياس الفغرة في غزة يزيد معاناة المرضى

يحتاج الـ1000 مريض إلى نحو 30 ألف قطعة متكملة شهرياً وإسرائيل تمنع دخولها إلى القطاع

شاب فلسطيني يتألم خلال محاولة إسعافه في غزة (أ ف ب)

ملخص

تعد أكياس الكولوستومي واحدة من أكثر المستلزمات الطبية التي افتقدها سكان غزة خلال الحرب التي رافقها حصار شديد منعت بموجبه إسرائيل دخول الأدوية والمستلزمات الطبية للقطاع، وأزمة فتحة الإخراج الجانبية ليست مجرد نقص في الأكياس بل كارثة صحية وإنسانية بدأت عام 2024، وتتفاقم اليوم بشكل غير مسبوق.

بينما يجلس مع مجموعة من أصدقائه، شعر وليد بتسرب مفاجئ في كيس الكولوستومي (كيس طبي لجمع فضلات الجسم بعد عملية جراحية)،  وبدأت الرائحة الكريهة تفوح تدريجاً، بسرعة ركض نحو الحمام العام في مركز الإيواء الذي يعيش فيه، حاول تجاوز طابور الانتظار، لكن الأشخاص المصطفين صرخوا "الدور يا شاب".

لم يستطع وليد الذي يخفي كيس الفغرة أسفل جلابية يرتديها الشرح. يقول "لا تتوفر الأكياس الطيبة في غزة، وحالياً اضطر إلى استخدام أكياس نايلون بدائية تنهار معي بسرعة، خجلت أن أقول للأشخاص المتزاحمين أمام الحمام إني حالة خاصة، لم أستطع القول إن الكيس تمزق".

لا أكياس في المستشفيات

عاد وليد لخيمته وملابسه الوحيدة تبللت، جلس يبكي بصمت ويراقب والدته وهي تغسل ثيابه على يديها بماء مالح وتمسح دمعها بطرف شالها، يقول "اختفت الأكياس تماماً من المستشفيات، واختفت الأدوات المساعدة كذلك، اليوم أعتمد على طريقة بدائية تجعلني أشعر بإهانة كرامتي النفسية".

في الحرب على غزة أصيب وليد بشظية إثر قصف إسرائيلي استهدف مكاناً قريباً منه، واخترقت تلك المعادن المتطايرة من الغارة أمعاءه، وعلى إثر ذلك اضطر الأطباء إلى ثقب جسده لإتمام عملية الإخراج، وعندما استيقظ من العملية الجراحية طمأنه العاملون الصحيون أن أكياس الكولوستومي متوفرة.

على إثر إغلاق إسرائيل المعابر وفرض قيود مشددة على دخول أي شيء إلى غزة، اختفت أكياس الكولوستومي من المستشفيات، مما دفع وليد لاستخدام أكياس نايلون بدائية غير معقمة، ويثبتها بواسطة لاصق منزلي في جسده.

يضيف، "أقضي يومي جالساً بوضعية معينة، أخشى التقلب والضحك وحتى العطس يرعبني، أي حركة فجائية تعني فشل اللاصق البدائي الذي أثبت به كيس النايلون، أخاف من جسدي، أشعر وكأنني قنبلة موقوتة من الفضلات والروائح، تنتظر لحظة لتنفجر وتفضح عجزي أمام الجميع".

الألم هين لكن الرائحة كرامة

مع تركيب وليد الكولوستومي انكسرت روحه قبل جسده، يتمتم "كنت أخطط لخطبة فتاة أحبها قبل أن تندلع الحرب، لكنني اليوم لن أفكر في هذا الأمر نهائياً طموحي ليس بناء مستقبل، بل البقاء جافاً من دون رائحة تقتل كرامتي".

الألم بالنسبة لوليد سهل، عندما يلاحظ حركات اللاوعي من المحيطين به داخل الخيمة الضيقة المكتظة وهم يغطون أنوفهم من دون قصد أو يبتعدون عنه قليلاً لفتح مسار للهواء، يعلق "هذه الحركة تقتلني 1000 مرة، أريد أن أصرخ… أنا لست رائحة أنا وليد الصيدلي، أنا وليد الذي كان يحب الحياة".

يتجنب وليد الطعام، ويأكل لقيمات صغيرة حتى يقلل من إنتاج الفضلات، جسده بات هزيلاً وغارت عيناه وفقد نصف وزنه، ليس جوعاً، بل هروباً من فضيحة الرائحة.

أزمة الكولوستومي

تعد أكياس الكولوستومي واحدة من أكثر المستلزمات الطبية التي افتقدها سكان غزة خلال الحرب التي رافقها حصار شديد منعت بموجبه إسرائيل دخول الأدوية والمستلزمات الطبية للقطاع، وأزمة فتحة الإخراج الجانبية ليست مجرد نقص في الأكياس بل كارثة صحية وإنسانية بدأت عام 2024، وتتفاقم اليوم بشكل غير مسبوق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قبل الحرب كان العدد المسجل لدى وزارة الصحة الذين يحتاجون إلى أكياس الكولوستومي بحدود 410، وغالبيتهم مرضى سرطان أو عيوب خلقية، لكن بسبب الحرب تضاعف العدد، ووصل إلى أكثر من 1000 مريض بحاجة ماسة لهذه المستلزمات.

يحتاج الـ1000 مريض نحو 30 ألف قطعة كولوستومي متكملة شهرياً كحد أدنى لتغطية الاحتياجات الأساسية لهؤلاء الذين لديهم فتحة إخراج جانبية، لكن لا يتوفر من ذلك العدد شهرياً إلا 3 آلاف كيس فقط.

البدائل لمواجهة النقص

يقول الناطق باسم وزارة الصحة خليل الدقران، "بحسب المعايير الطبية العالمية فإن المريض يحتاج كيساً كل يوم ونصف اليوم من النوع القابل للتفريغ، ويجب تغيير قاعدة الفلانش كل ثلاث أيام تقريباً، لكن في غزة بسبب ظروف التلوث وانعدام النظافة، يحتاج المرضى فعلياً لعدد أكبر لمنع الالتهابات، لكن المتوفر حالياً في المستودعات الحكومية هو صفر".

ويضيف، "لا تتوفر كذلك المستلزمات المصاحبة مثل اللاصق الطبي لتثبيت القواعد ومنع التسرب، ولا بودرة وكريمات العزل لحماية الجلد من أحماض المعدة وحتى المحاليل المطهرة والشاش المستخدمة للتنظيف اليومي مقطوعة، ما يدخل حالياً عبر المساعدات المتقطعة لا يغطي سوى أقل من خمسة في المئة من هذا الاحتياج".

ويوضح الدقران أن غياب المستلزمات دفع الغزيين إلى البدائل البدائية، إذ يضطر المرضى لتثبيت الأكياس بلاصق عادي يسبب سلخ الجلد، وبعضهم يلجأ لاستخدام أكياس بلاستيك عادية أو قفازات طبية بعد قصها، وهي لا تمنع التسرب ولا الروائح، وتؤدي لتعفن الجروح، ويعقم آخرين الجروح بواسطة ماء مغلي وملح.

بسبب شح الكميات يصرف للمريض حالياً من وزارة الصحة 10 أكياس وخمس قواعد فقط، وهي كمية لا تكفي لأسبوعين في حال اتباع سياسة التقشف، يؤكد الدقران أن هذا النقص الشديد يجبر المرضى على ممارسات لا يمكن تصورها مثل إعادة استخدام الكيس أكثر من مرة، مما يسبب التهابات جلدية بكتيرية وفطرية مؤلمة جداً حول فتحة الإخراج بسبب التسرب المستمر مما يسبب تسمم الدم الناتج عن تلوث فتحات الإخراج البدائية.

في المقابل، تؤكد المنسقة الطبية لمنظمة "أطباء بلا حدود" في الأراضي الفلسطينية غيل كاستل أن الفرق الطبية تضطر لابتكار طرق بدائية لعلاج الجروح بسبب غياب الأكياس والمستهلكات، إذ يضطرون لإعادة استخدام أنابيب التنفس وأكياس الكولوستومي بعد غسلها مما يضاعف أخطار العدوى.

صاعقة تضرب جسمها

داخل خيمتها في ساحة الجامعة تحوّل جسد الجدة فاطمة إلى ساحة حرب، بعد أن حققت نصراً على السرطان الذي أصابها قبل الحرب، وانتهى بها المطاف بفتحة إخراج جانبية كانت تتعامل معها برضا، لكن بسبب الحصار، وجدت نفسها أمام واقع مرعب. تقول "الكيس الطبي الذي كان يفترض تبديله يومياً، صار ياقوتاً لا يمكن الحصول عليه".

حين نفد آخر كيس لديها، لم تجد سوى ملابس زوجها الذي سقط ضحية في الحرب، قطعتها إلى مربعات صغيرة، وصارت تضعها مباشرة على الفتحة المفتوحة في أمعائها. تضيف "لعدم وجود محاليل معقمة، أضطر لغلي الماء مع الملح الخشن لتطهير المنطقة عندما تلمس قطنة الملح أمعائي المكشوفة، أشعر وكأن صاعقة ضربت جسدي نيران تشتعل في أحشائي،  صار الجلد حول الفتحة متآكلاً ينزف دماً وصديداً".

حفاضات أطفال

فاق خليل من نومه وقد لوث انفجار الكيس ملابسه وفراشه المتواضع. يقول "من أصعب الأوقات، حين يمر أسبوع أو أكثر وأنا أستخدم كيس تفريغ واحد، أفرغه كلما امتلأ، فقدان هذه الأكياس يعني نكسة كبيرة لنا كعائلة، في بعض الأحيان أضطر لاستخدام حفاضات الأطفال على فتحة القولون، ثم ألف شريطاً لاصقاً عليها حتى لا تتسرب الفضلات".

أما سحر الطفلة الصغيرة التي ولدت بعيب خلقي في الأمعاء، بدأت باستخدام القفازات الطبية بعد قصها بدلاً من الأكياس الطبية، وتقول والدتها نريمان "الطرق البدائية البديلة لا تحتوي على مادة لاصقة طبية تحمي الجلد فأضطر لاستخدام لاصق المدارس لتثبيت الكيس على جلد سحر الطري، عندما يحين وقت تبديل الكيس، تبدأ سارة بالارتجاف قبل أن ألمسها، اللاصق العادي يلتصق بالجلد بقوة، وعندما أنزعه، يخرج معه وبر الجلد وطبقاته الرقيقة، تصرخ صغيرتي صرخة تخرق الصمت في المخيم، ويسيل الدم من حول الفتحة".

من جانب إسرائيل تنفي عدم السماح لدخول بعض المستلزمات الطبية، يقول رئيس القسم المدني في وحدة تنسيق أنشطة الحكومة الإسرائيلية إيلاد غورين "بعض القيود المفروضة على دخول بعض المستلزمات الطبية والمواد الكيماوية تعود لمخاوف من استغلالها من قبل الفصائل الفلسطينية في أغراض عسكرية لكن في الواقع لا يوجد حصار طبي نسمح بدخول مئات الشاحنات الطبية، لكن المنظمات الدولية تفشل فى توزيع هذه المساعدات داخل القطاع".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير