Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الألوان... لغة الاحتجاج الزاهية

من حق الاقتراع إلى ساحات الحروب شكل الأبيض تاريخه والبرتقالي والأصفر هوية صنعها الشارع والأحمر حمل طويلاً عبء الثورة

يشير الأحمر إلى الدم والتضحية وإلى القطيعة مع النظام القائم (أ ف ب)

ملخص

من الأحمر الثوري إلى الأصفر الغاضب ومن الأخضر الإصلاحي إلى الأبيض المستدعي للذاكرة النسوية، تتبدل الألوان لكن الفكرة واحدة، السياسة لا تكتب بالكلمات فحسب بل يمكن رسمها بالألوان أيضاً، لتكون الصورة أبلغ من ألف بيان.

في خطاب الاتحاد أخيراً، وبينما كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمته أمام "الكونغرس"، لفتت الأنظار كتلة بيضاء صامتة وسط المقاعد، نائبات ديمقراطيات اخترن ارتداء اللون نفسه اعتراضاً على سياسات إدارته. لم يكن المشهد صاخباً ولم تُرفع لافتات، لكن الصورة أدت وظيفتها كاملة.

الرسالة لم تكن في الأبيض وحده بل في فكرة اللون كخطاب سياسي. لحظة بصرية مكثفة تختصر موقفاً معارضاً من دون أن تنطق بكلمة. هذا الاستخدام ليس طارئاً ولا أميركياً خالصاً، بل امتداد لتاريخ طويل تحولت فيه الألوان إلى شيفرات احتجاجية، تتبدل دلالاتها بحسب السياق، لكنها تحتفظ بقدرتها على الحشد والتأثير.

الاحتجاج بالألوان

في زمن الصورة، تختصر الألوان المسافة بين الرسالة والمتلقي. الشعار يحتاج إلى قراءة والخطاب إلى متابعة، أما اللون فيُلتقط من نظرة لا تستغرق أكثر من ثانية. إنه إعلان انتماء فوري يخلق وحدة بصرية تجعل الحشد يبدو أكثر تماسكاً مما قد يكون عليه فعلياً.

يكتب مؤرخ الألوان الفرنسي ميشيل باستورو في أكثر من مؤلَّف له أن اللون "ليس ظاهرة طبيعية محايدة، بل بناء ثقافي يتغير عبر الزمن". في كتابه عن تاريخ الألوان في الغرب، يوضح أن المجتمعات لا ترى اللون فقط بل تُسقط عليه قيماً أخلاقية ودينية وسياسية. لم يكن الأبيض دائماً رمز الطهارة، والأسود لم يكن قرين الحداد عبر الأزمنة، لكن يُصنع معنى اللون اجتماعياً.

هذا التكوين الثقافي هو ما يمنح اللون في السياسة قوته. حين تختار حركة اجتماعية لوناً بعينه فهي لا تختار درجة لونية فحسب، بل تستدعي شبكة كاملة من الرموز الراسخة في الذاكرة الجماعية.

تاريخ الأبيض

ارتداء الأبيض ضمن سياق احتجاجي يعيدنا إلى حركات المطالبة بحق النساء في الاقتراع مع مطلع القرن الـ20. داخل الولايات المتحدة وبريطانيا، ظهرت ناشطات بملابس بيضاء في المسيرات العامة، ليس فقط لتمييز أنفسهن بصرياً بل لاستدعاء صورة "الفضيلة" داخل مجتمع كان يشكك في مشروعية خروج النساء إلى المجال العام.

اللافت أن الأبيض آنذاك أدى وظيفة مزدوجة، هو لون يبرز بوضوح في الصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود، وخلال الوقت نفسه يحمي المحتجات من شيطنة أخلاقية محتملة، فكان اللون خير خادم للرسالة.

اليوم، حين يظهر الأبيض في قاعة تشريعية حديثة، فهو يستدعي هذا الإرث ولو بصورة غير معلنة. لا تتعلق الرسالة هنا بالطهارة، بل بالاستمرارية، ما زال النضال من أجل المساواة قائماً، حتى لو تغيرت ساحاته.

 

لكن إذا كان اللون في البرلمانات يعبر عن اعتراض رمزي، فإنه في مناطق النزاع قد يصبح مسألة حياة أو موت. في سوريا، تحولت "الخوذ البيضاء" إلى رمز عالمي للعمل الإنساني تحت القصف. منظمة "الخوذ البيضاء" - المعروفة رسمياً باسم الدفاع المدني السوري - لم تختر اسمها عبثاً، فالخوذة البيضاء التي يرتديها المتطوعون أثناء عمليات الإنقاذ صارت علامة بصرية واضحة وسط الركام والغبار والدخان.

الأبيض هنا لا يرمز إلى الطهارة السياسية ولا إلى إرث نسوي، بل إلى الحياد والإنقاذ. في بيئة يغلب عليها الرماد والدم يبرز اللون كإشارة أمل وإعلان وظيفة. جاء مرتدوه للبحث عن ناجين، لا للقتال. لعبت الصورة دوراً محورياً في ترسيخ هذه الهوية عالمياً، خصوصاً بعد فوز الفيلم الوثائقي "الخوذ البيضاء" The White Helmets بجائزة الـ"أوسكار" عام 2017، مما عزز حضور الرمز في الوعي الدولي.

لكن اللافت أن اللون نفسه دخل لاحقاً في سجالات سياسية، بين من رأى في المنظمة تجسيداً لشجاعة مدنية، ومن شكك في حيادها. وهنا يتكرر الدرس ذاته، اللون ليس محمياً من التأويل، وحتى أكثر الرموز وضوحاً يمكن أن تصبح جزءاً من معركة السرديات.

في حالة الخوذ البيضاء، لم يكن الأبيض مجرد اختيار جمالي أو شعار دعائي، بل تحول إلى هوية بصرية كاملة - من الخوذة إلى الشعار إلى الصورة الإعلامية - بحيث صار من الصعب فصل العمل الإنساني عن رمزه اللوني.

ثورة الأحمر

وإذا كان الأبيض ارتبط بالحقوق المدنية والنسوية ضمن سياقات معينة، فإن الأحمر حمل طويلاً عبء الثورة. منذ القرن الـ19 ارتبط بالانتفاضات العمالية والحركات الاشتراكية في أوروبا. لم يكن الاختيار عشوائياً، فالأحمر يشير إلى الدم والتضحية، وإلى القطيعة مع النظام القائم.

يشير المؤرخ البريطاني جون كيج في دراساته عن اللون إلى أن الأحمر "أكثر الألوان قدرة على إثارة الاستجابة العاطفية المباشرة"، إنه لون الخطر والحب في آن، ولهذا يسهل تحويله إلى رمز تعبوي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن الأحمر لم يكن مرتبطاً بالاحتجاج الاجتماعي فحسب، بل أصبح رمزاً مركزياً للأيديولوجيات الثورية، وأبرزها الشيوعية خلال القرن الـ20. استخدمته الحركات العمالية والثورية في روسيا وأوروبا الشرقية ليصبح إعلاناً مرئياً عن الانتماء الطبقي والموقف السياسي. الأحمر هنا لا يرمز فقط إلى الدم والتضحية، بل إلى التمرد على النظام القائم والسعي إلى التغيير الجذري. لكن المفارقة أن الأحمر في ثقافات آسيوية، كالصين مثلاً، ارتبط بالحظ والازدهار والاحتفال. وهنا يتضح أن اللون لا يحمل رسالة عالمية واحدة، بل يتلون بالبيئة التي يظهر فيها.

البرتقالي والأصفر

مع مطلع الألفية، بدأت موجة ما سمي "الثورات الملونة". في أوكرانيا عام 2004 تحول البرتقالي من لون حملة انتخابية إلى هوية احتجاجية جامعة. صنعت الشالات والأعلام والملصقات مشهداً موحداً سهل على الإعلام الدولي التقاطه وتداوله، واختصر اللون الصراع السياسي في صورة قابلة للتكرار.

في فرنسا وبعد أكثر من عقد، لعب الأصفر دوراً مختلفاً. لم تخترع حركة "السترات الصفراء" لوناً جديداً، بل استعارت سترة أمان مرورية موجودة في كل سيارة. فجأة، صار هذا العنصر اليومي رمزاً لغضب اجتماعي واسع. لم تكن الفكرة في دلالة الأصفر المجردة، بل في سهولة الوصول إليه، وفي قدرته على تحويل الاحتجاج إلى مشهد مرئي يصعب تجاهله.

الألوان هنا لا تعبر فقط عن أيديولوجيا بل تؤدي وظيفة تنظيمية، تخلق إحساساً بالانتماء وتمنح المشاركين شعوراً بأنهم جزء من كل أكبر.

شيفرات معاصرة

في إيران عام 2009، ارتبط الأخضر باحتجاجات واسعة عقب انتخابات رئاسية مثيرة للجدل. كان اللون يحمل دلالة دينية أيضاً، مما أضفى على الحركة بعداً يتجاوز السياسة المباشرة. لم يكن الأخضر هنا لون أمل فحسب، بل استدعاء لمرجعية ثقافية عميقة.

وفي أميركا اللاتينية، استخدمت حركات نسوية معاصرة البنفسجي والأخضر في تظاهرات مرتبطة بحقوق النساء. البنفسجي، الذي كان جزءاً من ألوان الحركات النسوية التاريخية في أوروبا، عاد بقوة ضمن سياقات جديدة، جاعلاً اللون جسراً بين أجيال أكثر منه مجرد اختيار جمالي.

واستخدم اللون الأخضر في حركات حماية البيئة والمناخ، مثل احتجاجات غريتا ثانبرغ وحركة "التمرد ضد الانقراض"، ليصبح رمزاً عالمياً للحياة والأمل في مستقبل مستدام، مشكلاً بذلك لغة احتجاجية جديدة يمكن فهمها بصرياً من أي مكان في العالم.

أسود الموقف

في المقابل، من المعروف أن اللون الأسود يستخدم كثيراً وعلى نطاق عالمي للتعبير عن الحداد أو الغضب. لكن في احتجاجات متعددة حول العالم، ظهر المشاركون بملابس سوداء تعبيراً عن رفض سياسات معينة أو تضامناً مع ضحايا عنف، فالسواد يوحي بالصرامة والجدية، ويخلق صورة موحدة تخلو من الزخرفة.

 

خلال احتجاجات حركة "احتلوا وول ستريت" في نيويورك عام 2011، ارتدى عدد من المتظاهرين الأسود كرمز للغضب تجاه السياسات الاقتصادية وعدم المساواة، بينما في احتجاجات هونغ كونغ عام 2014 استخدم الطلاب والسكان اللون الأسود للتعبير عن رفض سياسات الحكومة وتضامناً مع مطالب الديمقراطية.

المفارقة أن الأسود في عالم الموضة يعد لون الأناقة، لكنه في الشارع السياسي يتحول إلى إعلان موقف. هذا التبدل في الدلالة يعيدنا إلى فكرة باستورو بأن اللون ليس ثابتاً، بل يعيش حياة اجتماعية تتغير بحسب السياق.

في العلم والشاشات

لا يقتصر الأمر على التاريخ والثقافة، ففي كتابها "الحياة السرية للألوان" تستعرض الكاتبة البريطانية كاسيا سانت كلير كيف ترتبط الألوان باستجابات نفسية متفاوتة. تشير بعض الدراسات إلى أن الألوان الدافئة كالأحمر والبرتقالي تحفز الإحساس بالطاقة والحركة، بينما توحي الألوان الباردة بالهدوء أو الاستقرار.

وفي المجال السياسي يمكن استثمار هذه الاستجابات، إذ قد يوحي لون قوي ومشبع بالثورة أو الغضب، بينما قد يبعث لون فاتح رسالة سلمية. بالطبع لا توجد معادلة جاهزة، لكن الإدراك البصري جزء من لعبة التأثير.

خلال العقود الماضية، كان تأثير اللون محدوداً بمدى تغطية الصحافة المطبوعة أو البث التلفزيوني. اليوم، مع وسائل التواصل الاجتماعي، تكفي صورة واحدة لتنتشر عالمياً في دقائق. ويسهل اللون الموحد مشاركته وإعادة إنتاجه، ويحول الحركة إلى "علامة بصرية" قابلة للتكرار.

لا تحتاج الصورة إلى ترجمة أو شرح، ويمكن لمتابع في قارة أخرى إدراك أن كتلة متجانسة من لون معين تعني موقفاً ما، حتى لو لم يفهم تفاصيل النزاع. هكذا يصبح اللون أداة عولمة للاحتجاج.

بين المحلي والعالمي

على رغم كل ذلك، لا يمكن التعامل مع الألوان كقاموس عالمي ثابت. الأبيض في بعض الثقافات الآسيوية لون حداد، بينما في الغرب لون زفاف واحتفال. الأخضر قد يرمز إلى البيئة في أوروبا، لكنه يحمل أبعاداً دينية ضمن سياقات أخرى.

لهذا، فإن قراءة أي مشهد احتجاجي ملون تتطلب فهماً لسياقه الاجتماعي والسياسي. اللون لا يعمل في الفراغ، بل يتغذى من تاريخ طويل من المعاني المتراكمة.

عند العودة إلى صورة النائبات بملابس بيضاء خلال تلك الليلة السياسية، قد يختلف المراقبون في تقييم الموقف السياسي نفسه، لكن الصورة بقيت واللون أدى وظيفته، من جذب الانتباه وإيصال رسالة معارضة واستدعاء إرث تاريخي.

في عالم تتكاثر فيه الخطابات وتتزاحم التصريحات ربما يكون اللون أحياناً أكثر بلاغة، لا لأنه أعمق من الفكرة بل لأنه يختصرها في مشهد واحد.

من الأحمر الثوري إلى الأصفر الغاضب ومن الأخضر الإصلاحي إلى الأبيض المستدعي للذاكرة النسوية، تتبدل الألوان لكن الفكرة واحدة، السياسة لا تكتب بالكلمات فحسب بل يمكن رسمها بالألوان أيضاً، لتكون الصورة أبلغ من ألف بيان.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات