Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سلطة الألوان تفرضها جهة واحدة... أي سر وراء "لون العام"؟

أتى نظام "بانتون" بلغة موحدة للألوان وتخطى الناحية الجمالية لذلك أصبح له أثر مهم في مجالات عدة

يُستوحى "لون العالم" من اتجاهات في مختلف مجالات الحياة (بيكسلز)

ملخص

قبل ظهور نظام "بانتون" لمطابقة الألوان في ستينيات القرن الماضي واجهت الصناعات المعنية تحديات كثيرة بغياب مرجع عالمي موحد. لذلك كان هناك تفاوت كبير في درجات الألوان بين الطباعة والصناعة وغيرها. آنذاك كان المصممون يصفون الألوان بالكلمات أو العينات غير الموحدة. فعلى سبيل المثال كانت الشركات ترسل عينات من الألوان المطلوبة، لكنها تتغير مع الوقت أو تختلف بين جهة وأخرى.

قبل اعتماد نظام "بانتون" الذي يوفر لغة ألوان عالمية موحدة كانت تسجل فوضى واضحة وعدم تطابق في الألوان في صناعات التصميم والطباعة. لذلك ظهرت أنظمة أخرى للألوان في محاولة لتوحيدها، إلا أنها لم تنجح في تحقيق الهدف المرجو إلى أن ظهر نظام "بانتون" الذي قدم حلاً شاملاً وموحداً للألوان كافة عبر رموز خاصة.

عندها أصبح "بانتون" المعيار الأساس للتواصل اللوني في مختلف الصناعات سواء في التسويق، أو في الأنسجة والتصميم والموضة، مما سهّل التعاون وأسهم في تأمين مزيد من الدقة في هذه المجالات.

في هذا العام، أعلنت "بانتون" لون 2026 "راقص السحاب" أو Cloud Dancer لون العام، وهو يمثل درجة لونية بيضاء هادئة ترمز للبدايات الجديدة والنقاء. هو لون يدعو إلى الهدوء والسكينة وسط العالم الصاخب الذي نعيش فيه. فأي رسالة ينقلها لون العام؟

لغة عالمية موحدة للألوان

قبل ظهور نظام "بانتون" لمطابقة الألوان في ستينيات القرن الماضي واجهت الصناعات المعنية تحديات كثيرة بغياب مرجع عالمي موحد. لذلك كان هناك تفاوت كبير في درجات الألوان بين الطباعة والصناعة وغيرها.

آنذاك كان المصممون يصفون الألوان بالكلمات أو العينات غير الموحدة. فعلى سبيل المثال كانت الشركات ترسل عينات من الألوان المطلوبة، لكنها تتغير مع الوقت أو تختلف بين جهة وأخرى، إضافة إلى أنه كان هناك تحدٍّ كبير في الحصول على اللون نفسه في مواد مختلفة. مثال على ذلك أن اللون الأحمر على شاشة الكمبيوتر يختلف عما هو عليه عند طبعه، كما يختلف بين الشاشة والورق، فكانت هذه الأمور تفتقد الدقة، حتى إن مزج الألوان كان يعتمد على خبرة الشخص وعلى المزج اليدوي، مما يؤدي إلى تباين كبير.

وعلى رغم وجود نظام "مونسيل" منذ أوائل القرن الـ20، الذي قسم اللون وفق تصنيفات معينة هي التدرج والقيمة والنقاء، في محاولة لتنظيم الألوان، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق الانتشار العالمي الذي حققه نظام "بانتون" مع ظهوره.

في عام 1963 أطلق لورنس هيربرت نظام مطابقة الألوان "بانتون" وأصبحت شركة "بانتون" تتحكم بألوان العام الرائجة، بعدما كانت متخصصة في الطباعة وكانت لها أعمال محدودة لبطاقات الألوان الخاصة لشركات التجميل. فبعد أن كان هيربرت موظفاً في الشركة منذ عام 1956، اشتراها وبدل توجهها لتطوير أول نظام موحد للألوان. وتحول هذا الدليل إلى حل جذري لفرض سلطة الألوان على مستوى عالمي ولمعالجة مشكلة الفجوة بين رؤية اللون والتطبيق العملي في الطباعة والأزياء والديكور والتسويق.

يقول خبير الموضة باتريك خليل إن "نظام (بانتون) أصبح بمثابة اللغة العالمية الموحدة للألوان. فهو يحول اللون من مجرد رؤية بصرية تقديرية إلى رموز دقيقة تضمن تطابق الدرجة بين التصميم والتنفيذ في أي مكان بالعالم".

وأضاف، "في عالم الموضة، لا تقتصر أهمية نظام بانتون على توحيد الإنتاج فحسب، بل هو المحرك الأساس للصيحات العالمية. فهو يحدد (لون العام) الذي يوجه بوصلة المصممين وشركات الأزياء نحو ما يطلبه السوق والمستهلك، مما يجعله الأداة التي تدمج بين دقة العلم وإبداع التصميم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دقة بين التصنيع والتصميم

بعد كل التحديات التي واجهتها الصناعات بسبب غياب الدقة في مجال الألوان، وجد دليل "بانتون" الذي أعطى كل لون رمزاً فريداً ومنه وجدت مروحة الألوان الشهيرة. أصبح من الممكن للمصممين ومن يعملون في الإنتاج والطباعة التواصل بلغة لونية واحدة مشتركة في الموضة، وفي أي من المجالات التي تعتمد على الألوان، بغض النظر عن المسافات. هذا ما سمح بالحصول على لون بالدرجة نفسها المطلوبة وبدقة عالية بين المصمم والمصنع في أي زمان ومكان. فكانت هذه خطوة ثورية في التصميم والطباعة.

أوجد هذا النظام دليل بانتون الذي يتألف من عدد كبير من الشرائح الورقية الصغيرة التي طبعت عليها سلسلة من عينات الألوان التي عادت وجمعت بصورة مروحة. وفي هذا الدليل تظهر كامل تدرجات اللون الواحد. في نظام الترميز الرقمي PMS، تحول كل لون إلى رقم فريد يمنع أي اجتهاد بشري أو خطأ في تقدير الدرجات.

في الوقت نفسه تحول نظام "بانتون" إلى مؤشر صيحات الموضة، وأصبح معهد "بانتون" الجهة التي تحدد الألوان التي سنراها في المتاجر والمنصات قبل بدء المواسم، بحسب خليل الذي يشير إلى أن "للون العام تأثيراً مهماً في عالم الموضة. فهو عبارة عن اختيار سنوي مدروس يؤثر بصورة مباشرة على قرارات الشراء في قطاع الأزياء والجمال والتصميم، إضافة إلى أن أنه يضمن الجودة في الأنسجة المعتمدة في عالم الموضة كونه يساعد في اختيار الأصباغ الكيماوية الصحيحة التي تتفاعل مع خامات القماش المختلفة (قطن، حرير، بوليستر) لضمان ثبات اللون".

 

في اختيار "لون العام"

يأتي "لون العام" ليعكس الحالة النفسية والثقافية العالمية، ويتخطى كونه مجرد لون له تأثير من الناحية الجمالية. وتماماً كما أن الموضة كانت دوماً عبر التاريخ مرآة للاتجاهات السائدة في المجتمع، سواء في الثقافة أو في الفن أو على المستوى الاجتماعي.

كذلك يأتي لون العام ويتحدد بعد دراسة اتجاهات المجتمع والموضة والفن والتغيرات العالمية، ويجري اختياره بحسب المزاج العام والأحداث العالمية واتجاهات التصميم والموضة، وبالاستناد إلى علم نفس الألوان. على المستوى العملي، للون العام أثر مهم في عالم الموضة، بحسب خليل "كونه يلهم المصممين ويوجه الموضة والتصميم ويساعد العلامات التجارية على التخطيط البصري".

ويضيف "على رغم ذلك، لا يعد الالتزام به ضرورياً، بل هو عبارة عن توجه إرشادي فحسب، لكن في التطبيق تتبعه العلامات الكبرى غالباً، ويستوحي منه المصممون من دون التقيد به بصورة صارمة، إضافة إلى أنه يؤثر تدريجاً على ذوق المستهلك بصورة أو بأخرى".

لذلك يعد خبراء الموضة "لون العام" أداة إلهام تعكس روح العصر وله تأثير قوي. وفي اختياره تجتمع فرق من الخبراء في علم الألوان وفي التصميم والموضة وفي علم النفس، إضافة إلى خبراء من مجالات الثقافة والمجتمع والتكنولوجيا والاقتصاد والفنون ووسائل التواصل الاجتماعي لأن الاتجاهات السائدة فيها تؤثر في هذا الاختيار.

وتجري الدراسة بالاستناد إلى الأحداث العالمية سواء كانت تتضمن أزمات أو تعافٍ أو تطور أو استقرار إلى جانب المزاج النفسي العام للناس والاتجاهات الفنية والإعلامية. على هذا الأساس يختار الخبراء لون العام في كل سنة، وقد أتى لون "راقص السحاب" الذي أعلن عنه معهد "بانتون" الأميركي مفاجئاً لكثيرين، إلا أنه جاء كإشارة إلى البدايات الجديدة، إضافة إلى ما يعكسه من هدوء وسلام في عالمنا السريع الوتيرة هذا الذي يغلب عليه الصخب والأزمات.

وبحسب ما أعلن القيّمون على المعهد فإن اللون الجديد يفتح المجال أمام احتمالات جديدة، فضلاً عن أنه تعبير عن الوضوح في عالم يزدحم بالمشتتات، إضافة إلى كونه يرتبط بمفهوم البساطة والراحة النفسية، وبصورة عامة هو أيضاً دعوة للناس إلى التراجع والتفكير بصفاء وهدوء في ظل تسارع وتيرة العالم بصورة خاصة منذ انتشار جائحة كورونا وما رافق هذه المرحلة من عمل من بعد وضجيج رقمي وسيطرة للتكنولوجيا على الحياة، لذلك جاء هذا اللون ليرمز إلى صفحة جديدة تنتظر الكتابة عليها ورسم مستقبل أكثر هدوءاً.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات