Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تحمل مصائب "هرمز" النفطية فوائد لليبيا؟

برزت كخيار آخر لإمداد أوروبا بالطاقة ومتخصصون: قد تكون جزءاً من الحل ولكنها ليست البديل الشامل

سبق أن أعلنت حكومة الوحدة توقيعها عدداً من الاتفاقات النفطية خلال أعمال قمة ليبيا للطاقة في طرابلس (أ ف ب)

ملخص

نوعت الأسواق الأوروبية في الأعوام الأخيرة من مصادرها الطاقوية في إطار فك ارتباطها بالسوق الروسية، إذ تستورد النفط والغاز الطبيعي من الولايات المتحدة ودول الخليج وقطر التي يؤمنها مضيق هرمز قبل أحداث الحرب الإقليمية مع إيران.

مع تصاعد التوترات الأمنية في مضيق هرمز، الذي يؤمن مرور نحو خُمس تجارة النفط العالمية إضافة إلى كميات من الغاز الطبيعي المسال، برزت ليبيا كخيار طاقوي للقارة الأوروبية من أجل تأمين حاجاتها النفطية، لا سيما إثر إعلان "الحرس الثوري" الإيراني السيطرة على الممر، وما رافقه من زيادة سعر خام "برنت" إلى نحو 93 دولاراً للبرميل، وسط توقعات بوصوله إلى 100 دولار إذا تواصلت إغلاقات المضيق على خلفية الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهي تطورات تزامنت مع إعلان شركة قطر للطاقة وقف إنتاج الغاز والمنتجات ذات الصلة بسبب حال القوة القاهرة.

ونوعت الأسواق الأوروبية في الأعوام الأخيرة من مصادرها الطاقوية في إطار فك ارتباطها بالسوق الروسية، إذ تستورد النفط والغاز الطبيعي من الولايات المتحدة ودول الخليج وقطر التي يؤمنها مضيق هرمز قبل أحداث الحرب الإقليمية مع إيران.

شريان استراتيجي

وسط استمرار عاصفة مضيق هرمز، برزت ليبيا التي تتربع على الضفة الجنوبية للقارة الأوروبية كخيار طاقوي بديل بخاصة مع وجود أنبوب "غرين ستريم (Greenstream) "الرابط بين مجمع "مليتة" الليبي وجزيرة صقلية الإيطالية، ويصفه متخصصون في شؤون الطاقة بـ"صمام أمان استراتيجي" للقارة الأوروبية بعد توقف رئة مضيق هرمز عن ضخ الحاجات الأساسية من الطاقة نحو الأسواق الأوروبية.

وسبق أن أعلنت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة توقيعها عدداً من الاتفاقات النفطية خلال أعمال قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد في طرابلس أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي، من بينها اتفاق تطوير طويل الأمد لمدة 25 عاماً ضمن شركة "الواحة" الليبية للنفط بالشراكة مع كل من "توتال إنرجي" الفرنسية و"كونوكو فيليبس" الأميركية، باستثمارات تتعدى 20 مليار دولار، إذ من المنتظر أن يحقق هذا الاتفاق إيرادات تبلغ 376 مليار دولار مما سيسمح بإضافة 850 ألف برميل يومياً إلى إنتاج ليبيا من النفط.

ويصل الإنتاج النفطي في ليبيا إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً، يقابله 22 مليار دولار عائدات بيع النفط خلال عام 2025، بزيادة تخطت 15 في المئة على العام السابق، بحسب المؤسسة الوطنية للنفط، وتمتلك ليبيا نحو 200 تريليون قدم مكعبة من الغاز المحتمل و70 تريليون قدم مكعبة احتياطات مؤكدة، و129 مصدراً غير تقليدي، وفق تصريحات صحافية لوزير النفط والغاز الليبي خليفة عبدالصادق في أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025.

وتقدر احتياطات البلد المنقسم على نفسه منذ عام 2012 من الخام بنحو 48,4 مليار برميل، بحسب بيانات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، مما يجعلها تحتل المرتبة الأولى أفريقياً والتاسعة عالمياً، ويتخوف متخصصون على مصير المؤسسة الوطنية للنفط في ظل الانقسام الحكومي بين الشرق والغرب الليبي، الذي حال دون إقرار موازنة تشغيلية وتطويرية للمؤسسة لعام 2025، فضلاً عن تحديات الأوضاع الأمنية وتعثر التمويل لتطوير المنشآت النفطية.

تفاؤل عالٍ

يقول المتخصص في شؤون النفط والغاز طارق إبراهيم، إنه بحكم اعتماد اقتصاد ليبيا بأكثر من 95 في المئة على عائدات النفط، تتأثر ليبيا سريعاً بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو موازين القوى الدولية، منوهاً بأن هذه الحرب ستؤدي غالباً إلى ارتفاع أكبر في أسعار الطاقة عالمياً نتيجة المخاوف من تذبذب الإمدادات عبر مضيق هرمز في المدى القصير.

ويلاحظ إبراهيم أن ليبيا ستستفيد من زيادة العائدات النفطية إذا استمر التصدير من دون انقطاع، مما سيوفر عملة صعبة إضافية للخزانة العامة الليبية ويخفف الضغط على سعر الدينار الليبي المنهار أمام بقية العملات الأجنبية وبخاصة الدولار، الذي تجاوز حاجز 10 دينارات ليبية في السوق الموازية للعملات الأجنبية بينما تقدر قيمته بستة دنانير في المصرف المركزي الليبي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويؤكد أن المشهد الطاقوي في ليبيا طغى عليه تفاؤل عالٍ بعد غلق مضيق هرمز باعتبار أن ليبيا ستنتعش إيراداتها الاقتصادية من وراء ذلك، غير أن الصورة ليست وردية إلى هذا الحد، فارتفاع أسعار الطاقة عادة ما يصاحبه ارتفاع في أسعار السلع، بخاصة المواد الغذائية والمحروقات والنقل البحري، لا سيما أن ليبيا دولة مستوردة لمعظم حاجاتها الغذائية والصناعية، مما يعني أن أي ارتفاع دولي سينعكس مباشرة على الأسعار المحلية ويزيد الضغط التضخمي على البلد.

ولم يخف المتخصص في شؤون الطاقة خوفه على مستقبل المؤسسة الوطنية للنفط، لا سيما أنها من دون إقرار موازنة تشغيلية وتطويرية للمؤسسة لعام 2025، إضافة إلى التهديدات الأمنية والإغلاقات التي تتربص باستقرار الإنتاج النفطي الليبي.

وحتى تتمكن ليبيا من تلبية حاجات أوروبا من الطاقة، يقول إبراهيم إن البلد يحتاج إلى تحسين أداء الحقول القائمة، وتطوير الاكتشافات الجديدة، وتعزيز إنتاج الغاز الطبيعي، ورفع كفاءة البنية التحتية النفطية والغازية، واستثمار الخبرات الفنية الحديثة، إضافة إلى متابعة أحدث أساليب الإنتاج والاستخراج لتعظيم العائدات الوطنية، منوهاً بأن هذا الأمر يحتاج بدوره إلى ما بين 3 و4 مليارات دولار للوصول إلى معدل إنتاج نفطي يبلغ 1.6 مليون برميل يومياً، فالتمويل هو العقبة الوحيدة أمام تحقيق هذا الهدف، ويضيف "بدأ العمل على جولة العطاءات (عملية تنافسية تطرحها المؤسسة الوطنية للنفط والغاز في ليبيا لإتاحة مناطق برية أو بحرية أمام شركات النفط والغاز العالمية للاستكشاف والتنقيب) ستشمل ثلاثة أحواض ونحو 15 إلى 21 قطعة، وجولة العطاءات لها أهمية استراتيجية في عالم النفط، فحيثما توجد أماكن الإنتاج يوجد فقد، وهذا الفقد يجب أن يتم تعويضه بالاستكشاف المتجدد".

خيار مؤجل

وحول سؤال "هل تلتفت أوروبا فعلاً إلى ليبيا كشريك طاقوي آمن؟" يقول المتخصص في العلاقات الدولية إلياس الباروني، إنه "بعد أزمة الغاز التي ظهرت منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، سعت أوروبا إلى تقليص اعتمادها على الغاز الروسي، خصوصاً عبر خط (نورد ستريم)، باحثة عن بدائل قريبة جغرافياً وأقل كلفة لوجيستياً، وفي هذا الإطار برزت كل من الجزائر والنرويج وأذربيجان وليبيا"، مشيراً إلى أن ليبيا في هذا الإطار ليست خياراً جديداً، بل مؤجلاً فقط.

ويتابع الباروني لـ"اندبندنت عربية" أن ليبيا تمتلك احتياط غاز مهماً في أفريقيا بعد نيجيريا والجزائر، إضافة إلى خط غاز قائم نحو إيطاليا هو "جرين ستريم" الذي ينقل الغاز من مليتة الليبية إلى صقلية الإيطالية ومنها إلى أوروبا، إضافة إلى قرب جغرافي استثنائي من السوق الأوروبية (أقل من 600 كيلومتر بحري).

لكنه ينوه بأن طاقة ليبيا التصديرية محدودة حالياً بسبب الهشاشة السياسية والأمنية، إضافة إلى ضعف الاستثمار في البنية التحتية منذ 2011. مردفاً أن ليبيا نظرياً يمكن أن تتحول إلى "شريك آمن للغرب، لكن عملياً الأمر مرتبط بشروط صعبة، في مقدمها توحيد المؤسسة السياسية، وتحييد ملف النفط والغاز عن الصراع الداخلي، وضمان أمن المنشآت، وتوقيع عقود طويلة الأمد مع شركات أوروبية كبرى مثل "إيني" الإيطالية، باعتبار أن أوروبا لا تبحث فقط عن مورد، بل عن مورد قابل للاستدامة.

ويقول الباروني إن إغلاق مضيق هرمز سيرفع أسعار النفط والغاز عالمياً، لكنه لن يحول ليبيا تلقائياً إلى بديل كامل لدول الخليج، لأن الغاز القطري يصدر كغاز مسال ((LNG وليبيا تعتمد أساساً على خطوط الأنابيب، والقدرة الإنتاجية الليبية أقل بكثير من الطاقة الإنتاجية لدول الخليج، وبذلك ليبيا قد تكون جزءاً من الحل الأوروبي، ولكنها ليست البديل الشامل.

منصة إرهاب

مساء الثلاثاء الماضي غرقت سفينة روسية تنقل الغاز الطبيعي المسال في البحر الأبيض المتوسط بين كل من ليبيا ومالطا عقب سلسلة انفجارات مجهولة، وفق مصلحة الموانئ والنقل البحري الليبية، غير أن وزارة النقل الروسية قالت إن الناقلة "أركتيك ميتاغاز" التي كانت محملة بـ62 ألف طن متري من الغاز المسال انطلقت من ميناء مورمانسك في شمال روسيا، وكانت في طريقها إلى ميناء بورسعيد في مصر، قبل أن تتعرض لهجوم نفذته مسيرات بحرية أوكرانية انطلاقاً من الساحل الليبي.

المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا نوهت بأن حادثة حريق ناقلة الغاز الروسية قبالة السواحل الليبية ليس لها أي تأثير في إمدادات النفط والغاز أو عمليات تزويد السوق المحلية بالوقود، موضحة أن الناقلة لا علاقة لها بالمؤسسة الوطنية للنفط، وكانت في رحلة عبور من ميناء مورمانسك الروسي باتجاه ميناء بورسعيد المصري، مؤكدة استمرار حركة الناقلات في الموانئ الليبية تسير بشكل طبيعي ومنتظم.

هذه التطورات دفعت إلى ظهور تخوفات من جنوح روسيا إلى عسكرة المياه الإقليمية الليبية، لا سيما بعد تصوير ليبيا كمنصة بحرية لانطلاق هجمات برعاية أوكرانية بهدف إجهاض طموح ليبيا في تزويد أوروبا بإمدادات الطاقة، لإجبار أوروبا على التفاوض لفتح ممرات الغاز الروسي مقابل تأمين المتوسط، وفي هذا الصدد يقول المتخصص في العلاقات الدولية إلياس الباروني إن ليبيا لم تصبح بعد البديل الطاقوي الأول لأوروبا، فالبديل الأول حالياً هو الغاز النرويجي والغاز المسال الأميركي، وليبيا لا تزال خياراً تكميلياً.

ويتابع الباروني أن روسيا معنية بأمرين هما منع أوروبا من التحرر الكامل من الطاقة الروسية، والحفاظ على نفوذها في المتوسط، مشيراً إلى أن عسكرة المياه الليبية بشكل مباشر يحمل أخطاراً أمنية وسياسية عالية، أولها مواجهة روسيا مع "الناتو"، وهي خطوة لن تقدم عليها موسكو التي تميل إلى النفوذ غير المباشر أكثر من المواجهة البحرية المفتوحة خشية خسارة أوراقها السياسية في ليبيا.

وبخصوص إمكان استخدام روسيا ورقة المتوسط من أجل ابتزاز أوروبا، يرى الباروني أن موسكو تمتلك أوراقاً أخرى أكثر فاعلية، على رأسها نفوذها في البحر الأسود وعلاقاتها مع بعض دول البلقان، لأن جنوحها نحو عسكرة المياه الإقليمية الليبية قد يدفع أوروبا إلى تسريع الانفصال الطاقوي النهائي عن موسكو.

ويلاحظ المتخصص في العلاقات الدولية أن أوروبا تنظر إلى ليبيا كخيار طاقوي مهم، ولكنها لن تعدها شريكاً آمناً إلا بعد توحيد المؤسسة السياسية والأمنية، منوهاً بأن روسيا قد تسعى إلى احتواء أي تحول استراتيجي ليبي، لكن عسكرة المياه الإقليمية الليبية ليست الخيار الأكثر عقلانية لها حالياً، ومشدداً على أن ليبيا ليست ضحية صراع غاز وحسب، بل تقف عند مفترق طرق، فإما أن تتحول إلى ممر استقرار طاقوي للمتوسط، وإما إلى ساحة تنافس جيوسياسي بين الشرق والغرب، والعامل الحاسم ليس أوروبا ولا روسيا بل قدرة الليبيين على بناء دولة قادرة على إدارة ثروتها بعيداً من منطق المحاور.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير