"القرقيعان"... موروث خليجي يستعصي على النسيان

احتفال شعبي ترجع نشأته إلى صدر الإسلام... تتعدد مسمياته... وهذه هي طقوسه

الرابع عشر من شهر رمضان ليس ككل الأيام في جميع دول الخليج العربي، ففي السعودية يحتفي سكان المناطق الساحلية بعيدهم الخاص المسمى بـ"القرقيعان" كمناسبة تقليدية توارثتها الأجيال، إذ تزين السيدات الأطفال وتُــلبسهم الأزياء والحُلي التقليدية، ويخرج الأطفال من منازلهم، يطوفون على منازل الحي لتلقي الحلويات والمكسرات والهدايا من الكبار حاملين معهم حقائب مصنوعة من القماش بطريقة تقليدية لحفظ ما يجمعونه بداخلها.

 

في جزيرة "تاروت" اصطحب علي السليس، أحد المشاركين في تنظيم احتفال القرقيعان "إندبندنت عربية" إلى جولة، حيث خلية من الشباب المتطوعين يعملون على مدار أيام لإنجاز مهمة إحياء القرقيعان، وتجهيز زينة الأزقة بالمصابيح والأسلاك المضيئة وفوانيس يربط بعضها ببعض داخل ممرات الأحياء معلنين احتفالية القرقيعان، في تقليدهم السنوي لليلة النصف من شهر رمضان، بعد أن تزين الحي بحُلة من الأضواء اللامعة.

 

موروث خليجي

يوضح علي "أن القرقيعان تقليد تراثي معروف في دول الخليج العربي، تبدأ طقوسه بعد صلاة العصر، حيث يجتمع الأطفال، البنات والأولاد، بملابسهم الزاهية التقليدية، فترتدي الفتيات ملابس مطرزة، والصبيان يتزينون بالثوب والطاقية المطرزة أيضا ويمرون على المنازل بعد الإفطار ليلة الخامس عشر من رمضان، ويطوف الأطفال بملابسهم الشعبية التقليدية المطرزة، يرددون الأهازيج في الطرقات، وفي أزقة الشوارع وأمام أبواب المنازل، وكل منهم يحمل في رقبته كيساً من القماش، يخاط خصيصا لهذه المناسبة، ليجمعوا فيه الحلوى والمكسرات التي يحصلون عليها من أصحاب البيوت ويمشون جماعات، وتتوقف كل جماعة عند بيت من البيوت، وتبدأ بترديد الأهازيج المليئة بالدعاء".

 

فلكلور

يؤكد عادل الهوادر، أحد المهتمين بالفلكلور في محافظة الأحساء، " أنه لا شيء يفوق مشاعر الأطفال حتى وإن مضت السنون، فالاحتفال بلحظته سنويا يدفعك للخروج من منزلك لتشارك الأطفال احتفالهم، كما تحرص العائلات على الاحتفال بهذه المناسبة كل عام، لتدريب أطفالها على التمسك بعادات الأجداد، ولاعتيادهم على التآزر وحسن معاملة الجيران والكرم وحب الخير".

يفسر الهوادر "يعتبرها الكثيرون مناسبة لمكافأة الأطفال على صيام رمضان، وتشجيعهم على إتمام صوم بقية الشهر، وهذا ما درجت عليه قرى محافظات الأحساء والقطيف شرقي السعودية، وما زال أبناؤها يحتفلون بليلة القرقيعان في كرنفال تقليدي، ويهدف إحياء هذا التراث، في سائر الأحياء إلى استمرار التواصل بين الماضي والحاضر، حفاظا على تراث الأجداد والمورث الثقافي الخليجي في ظل طغيان تكنولوجيا العصر". 

 

النشأة وتعدد المسميات

وعن نشأة القرقيعان، يقول المؤرخ والباحث في تاريخ الخليج العربي الدكتور علي الدرورة "يعتبر القرقيعان مناسبة دينية واجتماعية متوارثة بدأت نشأتها في صدر الإسلام تحديدا في المدينة المنورة، وكان من أهم أهدافها اعتياد الطفل المسلم على التواصل الاجتماعي، ونقلت هذه المناسبة إلى القاهرة ودمشق والقدس نظرا لهجرة الصحابة للتبليغ بتعاليم الإسلام".

ويكشف الدرورة عن تتعدد مسميات وتوقيت هذا الاحتفال بين دول الخليج، " يطلق عليه "حق الليلة" في دولة الإمارات، وتكون هذه الليلة في الخامس عشر من شهر شعبان، بهدف استقبال شهر رمضان. بينما تحتفل بقية دول الخليج في الخامس عشر من رمضان، وفي قطر والبحرين تسمى بـ"القرنقعوة"، و"القرقيعان" و"حل وعاد" و"ليلة الطلبة"، و"الناصفة" و"الكريكشون" في الكويت والسعودية، أما في سلطنة عمان تسمى بـ"القرنقشوة".

الأصل اللغوي

ومع تعداد المسميات تعددت الأصول والجذور اللغوية، فقيل "إن القرقاعون أو القرقيعان هو مصطلح شعبي يُطلق على السلة الكبيرة المصنوعة من سعف النخيل، والتي تُملأ بداخلها المكسرات ومن ثمّ تُوّزع على الأطفال"، وقيل "إن أصل القريقعان أو القرقاعون هو قرّة العين"، ويرجح البعض الآخر "أن القرنقعوة أو القرقيعان تعني الشيء المخلوط متعدد الأصناف من المكسرات والحلوى"، أو "أنها مشتقة من القرقعة، أي الصوت الناتج عن ضرب الأواني المعدنية الحاوية للحلويات والمكسرات". في حين تختلف الأهازيج بحسب المناطق اختلافاً بسيطاً، ولكنها تبقى متشابهة في مضمونها حيث يطوف الأطفال مرتدين أزياءً شعبية.

بين من يرونها احتفاءً تقليدياً لمنتصف شهر رمضان، وبين من يرونها احتفاءً دينياً تبقى احتفالية القرقيعان مناسبة خاصة يتمسك بها سكان دول الخليج العربي كموروث شعبي يأبى النسيان، ولا يقتصر الاحتفاء بالقرقيعان على الأحياء والمنازل فقط، بل تقام احتفالات شعبية تنظمها مؤسسات حكومية وأهلية تهدف إلى إضفاء أجواء الفرحة والبهجة على الأطفال في تقليديهم السنوي.

المزيد من ثقافة