ملخص
يرى بعض المحللين أن أعظم ميزة لبوتين تكمن في هيمنته السردية، فمن خلال فرض سردية حتمية، تسعى روسيا إلى تشكيل مجال حيوي لها لا يقل عن مساحة الإمبراطورية الروسية الغابرة، السردية مهمة، لكن السردية من دون قوة ليست سوى دعاية، لذلك يسعى الرئيس الروسي لتعزيز قواته المسلحة بكل ما أوتي من قوة وعزم وموارد، ولذلك عادت للتداول مقولة كانت شائعة في العهود القيصرية، تقول إن أخلص وأقرب حليفين لروسيا هما جيشها وأسطولها الحربي، وقد أضاف بوتين لهما عنصر قوات الجو-فضائية.
الحروب لا تخاض بالاعتماد على القوة والجيوش والأسلحة وحسب، ولا في ساحة المعركة وحسب، بل أيضاً في التصورات والروايات التي تؤثر في الإرادة السياسية والتوقعات الاقتصادية.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، القادم من جهاز استخبارات "كي جي بي" العريق يدرك هذا جيداً. فاستراتيجيته الآن تعتمد ليس فقط على النجاح الحاسم في ساحة المعركة، بل وعلى إقناع العالم، وبخاصة الولايات المتحدة وأوروبا، بأن بلاده استرجعت وتسترجع مجد القوة العظمى الذي خسرته مع انهيار الاتحاد السوفياتي، وأن انتصار روسيا في حربها مع الغرب الجماعي في أوكرانيا أمر لا مفر منه، وأن تقديم مزيد من الدعم لأوكرانيا أمر عديم الجدوى، وأن الأميركيين ببراغماتية عملية سيكونون أكثر حكمة في الاستعداد لتطبيع مفيد بدلاً من مواجهة مطولة.
بوتين والجاهزية القتالية
صحيح أن الحروب لا تخاض بالجيوش والقوات المسلحة وحدها، لكن الأصح أنه من دون وجود جبروت عسكري وقوات مسلحة مجهزة بأحدث الأسلحة وأكثرها فتكاً، لا يمكن الإقدام على خوض أي حرب، حتى ولو كانت حرباً دبلوماسية أو سياسية، لذلك توجه الرئيس الروسي، في تهنئته لمواطنيه لمناسبة "يوم حماة الوطن" الذي تحتفي به البلاد في الـ23 من فبراير (شباط) من كل عام، قائلاً "إن روسيا ستواصل زيادة قدرات كل صنوف قواتها المسلحة وتعزيز جاهزيتها القتالية"، وأكد أن بلاده ستواصل تعزيز جيشها وقواتها البحرية، ووصف بوتين تطوير "الثالوث النووي" (الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، الغواصات النووية المزودة بصواريخ، القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى)، كضمانة للأمن القومي بأنه "أولوية مطلقة"، وأضاف الرئيس الروسي، "سنعمل على زيادة إمكانات جميع فروع وصنوف القوات المسلحة الأخرى بشكل نوعي، وتعزيز جاهزيتها القتالية وقدرتها على الحركة والعمل في كل الظروف، حتى الأكثر تحدياً".
وفي الـ27 من فبراير (شباط) الماضي، خاطب بوتين "قوات العمليات الخاصة"، مؤكداً أن هذه الوحدات "احتلت مكانة جيدة في طليعة الجيش الروسي وعززت القدرات القتالية للقوات المسلحة"، وأضاف، "يمكنكم أن تفخروا بحق بأنكم في وقت قصير احتللتم مكانة جيدة في طليعة الجيش الروسي، من خلال تطوير أفضل تقاليد القوات الخاصة الوطنية، والاعتماد على أحدث الاتجاهات في الاستراتيجية والتكتيكات، عززتم بصورة كبيرة القدرات القتالية للقوات المسلحة".
وأكد الرئيس الروسي أن تشكيل وحدات العمليات الخاصة المتنقلة والمجهزة بأحدث الأسلحة "كان بمثابة استجابة للتحديات البارزة في القرن الـ21، للمهام التاريخية المتمثلة في ضرورة تعزيز السيادة والأمن التي تواجه روسيا وشعبنا".
وأعلن بوتين أن "روسيا ستواصل حشدها العسكري الضخم"، ودعا المجتمع إلى تبني "العسكرة الكاملة"، ووصف الجنود الروس بأنهم "وطنيون حقيقيون" و"ركيزة الدولة"، مشيداً بالمشاركين في العملية العسكرية في أوكرانيا، وأضاف، "تكمن القوة الهائلة لجيشنا ومجتمعنا متعدد الجنسيات في قدرتنا على الانتصار معاً من أجل أهداف مشتركة، لقد كانت هذه هي الحال قروناً، وأنا على ثقة من أنها ستظل كذلك دائماً".
بصورة عامة كان خطاب الرئيس الروسي خالياً من أي تلميحات إلى تسوية سلمية في أوكرانيا قريباً، وبدا كما لو أن بوتين يهدف إلى تلقين الروس أيديولوجياً أفكار الحرب والعسكرة والمقاومة.
بوتين وترمب
على رغم الصداقة الشخصية بين الرئيسين الروسي والأميركي، فإن الكرملين اعتبر أنه تظهر على دونالد ترمب علامات "انفعالات عاطفية زائدة" وأنه مزاجي إلى حد كبير، بعدما وصف ترمب بوتين بأنه "مجنون للغاية" في أعقاب أكبر هجوم جوي لموسكو على أوكرانيا في مايو (أيار) 2025.
وكتب ترمب على منصته "تروث سوشيال" آنذاك إن "شيئاً ما حدث" لبوتين بعدما قتلت روسيا 13 شخصاً في أوكرانيا بـ367 طائرة مسيرة وصاروخاً، وقال ترمب "لقد أصيب بالجنون التام. قتل كثيراً من الناس بلا داعٍ".
وجاءت تعليقات ترمب في أعقاب أكبر هجوم جوي لروسيا منذ بدء الحرب في أوكرانيا في فبراير عام 2022.
ويقول المتخصص في العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد بيتر تروبويتز، "لقد بنى ترمب عملية صنع سياسات شديدة المركزية، يمكن القول إنها الأكثر مركزية، في الأقل في مجال السياسة الخارجية، منذ عهد ريتشارد نيكسون، وهذا يجعل قرارات السياسة أكثر اعتماداً على شخصية ترمب وتفضيلاته ومزاجه".
لقد وظف ترمب هذا الأمر سياسياً، لقد جعل من عدم قابليته للتنبؤ رصيداً استراتيجياً وسياسياً أساساً لنفسه، لقد ارتقى بعدم قابليته للتنبؤ إلى أن باتت مبدأً، والآن، توجه سماته الشخصية التي جلبها إلى البيت الأبيض السياسة الخارجية والأمنية، إنها تغير شكل العالم.
يطلق علماء السياسة على هذه النظرية اسم "نظرية الرجل المجنون"، حين يسعى زعيم عالمي إلى إقناع خصومه وأصدقائه معاً بأنه قادر على فعل أي شيء وفق حاله المزاجية المتقلبة، لانتزاع تنازلات، إذا استخدمت بنجاح فقد تصبح صورة من صور الإكراه، ويعتقد ترمب أنها تؤتي ثمارها، إذ تضع حتى حلفاء الولايات المتحدة في المكان الذي يريده.
ويقول بوتين في مجالسه الخاصة ثمة نمط آخذ في الظهور داخل الإدارة الأميركية، أكثر ما يمكن التنبؤ به في شأن ترمب، هو عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته، فهو يغير رأيه، ويناقض نفسه، إنه متناقض ومتقلب، وهذا ما يثير ريبة الرئيس الروسي ويجعله لا يأمن جانب "صديقه" المفترض ترمب.
ترمب وقلب النظام الدولي رأساً على عقب
يشهد العالم حقبة من "سياسة الانقلابات" بقيادة الرئيس الأميركي، مما يعرض النظام الدولي القائم منذ عقود لضغوط غير مسبوقة، وفقاً لتقرير ميونيخ الأمني 2026.
ووصف التقرير السنوي، الذي صدر قبيل المؤتمر الذي عقد الشهر الماضي، ترمب صراحة بأنه "الشخصية الأقوى التي تتحدى القواعد والمؤسسات القائمة"، مشيراً إلى أن نهجه "يهدد بتفكيك التحالفات والأعراف الراسخة".
وجاء في التقرير أنه "بعد أكثر من 80 عاماً على بدء بنائه، بات النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة بعد 1945 معرضاً للانهيار"، وصنف التقرير ترمب كواحد من أبرز "مدمري" الأنظمة.
وفي فعالية العام الماضي، التي تجمع سنوياً كبار المسؤولين الأمنيين والأكاديميين، فاجأ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الحضور بخطاب انتقد فيه بشدة القادة الأوروبيين في شأن الرقابة والهجرة، معتبراً أن التهديد الذي يواجه القارة ينبع من "داخلها".
وألقى فانس خطابه، بعد أسابيع قليلة من تولي ترمب ولايته الثانية، محدداً بذلك مساراً عاماً مضطرباً، تضمن فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية عقابية على حلفاء أوروبيين مقربين، والتهديد بعمل عسكري أميركي لانتزاع غرينلاند من الدنمارك، حليفتها في حلف الناتو.
ووصف التقرير ترمب بأنه "الأقوى نفوذاً بين من يقوضون القواعد والمؤسسات القائمة"، وأشار إلى أن أفعاله قد تفضي إلى "عالم تشكله الصفقات النفعية بدلاً من التعاون القائم على المبادئ".
ويخشى المنتقدون، وفقاً للتقرير، أن تمهد سياسات ترمب الطريق لعالم تسود فيه شريعة الغاب، حيث يهيمن القوي على الضعيف وتصبح القوة هي معيار الحق وليس الحق سلطاناً للقوة، عالم يفضل الأغنياء والأقوياء، لا عامة الشعب الذين علقوا آمالهم على التغيير الجذري.
وتظهر استطلاعات الرأي العام التي أجريت لإعداد التقرير أن كثيرين حول العالم يخشون بالفعل حدوث ذلك.
وتظهر الاستطلاعات شكوكاً واسعة النطاق حول قدرة الحكومات على حل مشكلات مثل أزمة القدرة على تحمل كلف المعيشة، وتفاقم عدم المساواة، وتراجع فرص الارتقاء الاجتماعي، وركود أو تدهور مستويات المعيشة.
وذكر التقرير أن هناك "شعوراً متزايداً بالعجز واليأس على المستويين الفردي والجماعي".
وفي فرنسا، قال 60 في المئة من المشاركين في الاستطلاع إن سياسات حكوماتهم ستؤدي إلى تدهور أوضاع الأجيال القادمة، وكذلك 53 في المئة في المملكة المتحدة و51 في المئة في ألمانيا، أما في الولايات المتحدة فكانت النسبة 45 في المئة.
وتحمل الاستطلاعات ترمب المسؤولية الأكبر عن هذا الشعور باليأس.
وعند سؤالهم عما إذا كانت سياسات الرئيس الأميركي تصب في مصلحة العالم، أعرب نصف المشاركين أو أكثر في الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والبرازيل وجنوب أفريقيا عن معارضتهم الشديدة أو الجزئية لها.
ويتابع الرئيس الروسي باهتمام وقلق هذه المعلومات واستطلاعات الرأي، ويعرف أن عمليات اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، واغتيال المرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي، ليست مسائل عارضة وموقتة في السياسة الدولية لترمب، بل نهج يتم العمل به والبناء عليه، لذلك وصف بوتين في برقية نشرها الكرملين مقتل خامنئي وأفراد عائلته بغارات أميركية وإسرائيلية بأنه انتهاك وقح لجميع الأعراف الإنسانية والقانون الدولي.
خطط بوتين
أي نوع من العالم يريد بوتين أن يبني؟ في نهاية المطاف، لم يشن الرئيس الروسي الحرب في أوكرانيا لو لم يشعر مع النخب الروسية بالتهديد من توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) باتجاه حدود البلاد.
الأمر الأساس هو أن هذا منح روسيا الحق في شن حرب استباقية، وهذا لا يقتصر على أوكرانيا وحدها.
استناداً إلى منشور في مجلة الشؤون الخارجية بقلم فيونا هيل، وأنجيلا ستينت، أوضح بوتين جلياً في رسالة مؤلفة من 5 آلاف كلمة نشرت في يوليو (تموز) 2021، بعنوان "حول الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين"، أن البيلاروس والروس والأوكرانيين يشكلون مجموعة عرقية واحدة، يتحدرون من "الروسيا"، وهم شعب قديم سكن الأراضي الواقعة بين البحر الأسود وبحر البلطيق، وأكد أنهم مرتبطون بأرض مشتركة ولغة واحدة وعقيدة مسيحية أرثوذكسية.
في روايته للتاريخ لم تكن أوكرانيا ذات سيادة قط، باستثناء بعض الفترات التاريخية التي انتهت بالفشل، وكتب بوتين أن "روسيا سلبت" أراضيها الرئيسة عندما أنشأ البلاشفة الاتحاد السوفياتي عام 1922 وأسسوا جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية.
وزعم أنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي استخدم الغرب أوكرانيا كمنصة لتهديد روسيا ودعم ظهور "النازيين الجدد" هناك.
تظهر هذه الرسالة وكثير من التصريحات العامة أن خطط بوتين تتمثل في إعادة بعث "إمبراطورية" روسية ولو بحكم جمهوري، وقيادة اتحاد سلافي جديد يتألف من بيلاروس وروسيا وأوكرانيا وربما الجزء الشمالي من كازاخستان، الذي يقطنه الروس إلى حد كبير. بخاصة أن جميع دول ما بعد الاتحاد السوفياتي الأخرى تعترف ضمناً بـ"خلافة" روسيا الحالية على إرث الإمبراطورية الروسية الغابرة، كما أن الغرب يعترف في قرارة نفسه بالدور القيادي لروسيا في منطقة أوراسيا.
علاوة على ذلك، نحن نتحدث عن أكثر بكثير من مجرد مجال نفوذ سياسي، إذ يسعى بوتين إلى الحصول على حق توزيع الأراضي في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي، ويريد أن يهيمن تماماً على الأمن والسياسة والاقتصاد، وهو يأخذ تحقيق هذه الأهداف على محمل الجد، ولو بصورة غير معلنة.
رجل يريد تغيير مجرى التاريخ
يجب على العالم برمته، والغرب بصورة خاصة أن يفهم بوضوح أنه يتعامل مع زعيم يحاول تغيير السرد التاريخي للمئة عام الماضية، وليس فقط فترة ما بعد الحرب الباردة.
هذا سلاحه السياسي القوي، الذي يعزز شرعيته، قبل إطلاق العملية العسكرية ضد أوكرانيا في الـ24 من فبراير 2022 بفترة طويلة، أدلى بوتين بتصريحات "علمية" وتلاعب بأحداث ماضية رئيسة لخلق مبرر محلي ودولي لحرب مستقبلية، إن فهم هذه الأهداف أمر بالغ الأهمية لتطوير الاستجابات الصحيحة.
فهوس "القيصر فلاديمير" بالماضي الإمبراطوري لروسيا له مظاهر عدة، فقد وضع بوتين في مكاتبه بالكرملين تماثيل للقيصرين الروسيين، بطرس الأكبر وكاترين العظيمة، وعند بوابات الكرملين مباشرة، أقام نصباً تذكارياً للقائد الروسي التاريخي "فلاديمير العظيم"، أمير كييف الكبير في القرن العاشر، الذي أعلنته الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قديساً .
منذ بداية الحرب ضاعف بوتين تركيزه على الحجج التاريخية، لذلك كلف وزير الثقافة السابق فلاديمير ميدينسكي المقرب منه، برئاسة الوفد الروسي إلى المفاوضات مع أوكرانيا خلال المرحلة الأولى من الحرب.
يقال إن ميدينسكي، في الخفاء، كان أحد مؤلفي سلسلة مقالات بوتين حول أوكرانيا واندماجها المقترح مع روسيا، وسرعان ما اتضح أن مهمة ميدينسكي كانت الضغط من أجل مطالب روسيا التاريخية بأوكرانيا، وليس مجرد التفاوض على حل دبلوماسي للوضع العسكري.
وعشية بدء الحرب في أوكرانيا، ألقى بوتين خطاباً اتهم فيه الزعيم البلشفي فلاديمير لينين بتدمير الإمبراطورية الروسية و"تقسيم ما هو تاريخياً أرض روسية".
وكما قال بوتين، فإن "روسيا البلشفية الشيوعية" أنشأت "دولة لم تكن موجودة قط" - أوكرانيا. وأعلن بوتين "لقد ضموا إليها أراضي روسية تقليدية، مثل دونباس، مركز الصناعات الثقيلة".
ويزعم بوتين أن دوره هو تصحيح هذه "الأخطاء الاستراتيجية" التي ارتكبت قبل قرن من الزمن.
في التاسع من يونيو (حزيران) 2022 صرح بوتين لرواد الأعمال الروس الشباب في مؤتمر بموسكو بأن أوكرانيا "مستعمرة" وليست دولة ذات سيادة، وشبه نفسه ببطرس الأكبر، الذي خاض "حرب الشمال العظمى" ضد السويد لمدة 21 عاماً، "مستعيداً ومعززاً" سيطرته على أراضٍ كانت جزءاً من روسيا.
هذا التصريح يردد ما قاله بوتين للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في قمة "الناتو" في بوخارست في أبريل (نيسان) 2008 "أوكرانيا ليست دولة حقيقية".
ويصر بوتين على أن جميع المقيمين الناطقين بالروسية في أوكرانيا هم رعايا لموسكو، وليس فقط لأوكرانيا، وقد صرح مراراً وتكراراً بأن جميع الناطقين باللغة الروسية في العالم هم جزء من "العالم الروسي" ولهم روابط خاصة بوطنهم.
سعي الغرب إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا
بوتين مهووس بدروس التاريخ وعبره، وهو يعتبر أن روسيا لم تهاجم يوماً بلداً آخر، بل كانت دوماً عرضة لهجمات غربية بدءاً من الغزو السويدي لأراضيها خلال حكم القيصر بطرس الأكبر في القرن الـ17، ثم هجوم نابليون الساحق عليها عام 1812، وبعد ذلك حرب القرم التي شنتها فرنسا وبريطانيا عام 1850 على جنوب روسيا واحتلالهما شبه جزيرة القرم، ثم الحرب مع اليابان عام 1905، والتدخل الغربي في الحرب الأهلية بعد الثورة البلشفية عام 1917، والغزو النازي للاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية.
يكرر بوتين بصورة دائمة اتهام الغرب بالسعي إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا، وألقى الكرملين باللوم بصوت عالٍ على العقوبات الغربية في تفاقم الجوع في أفريقيا، ويقول إن تسليم الأسلحة المتطورة والفتاكة، بما في ذلك أنظمة صواريخ "هيمارس" الأميركية، أدت إلى زيادة قدرة أوكرانيا بصورة كبيرة على شن ضربات انتقامية ضد أهداف روسية، ويقر ضمناً بأن العقوبات الغربية على صادرات الطاقة والمؤسسات المالية واسعة النطاق، تؤثر في الاقتصاد الروسي، ومن المفارقات الغريبة أن التأييد الشعبي للحرب داخل روسيا قوي للغاية، وتظهر استطلاعات الرأي أن معدلات تأييد بوتين ارتفعت منذ بدء الحرب في أوكرانيا، على رغم فرار مئات الآلاف من الروس المعارضين للحرب من البلاد، أما من بقوا وانتقدوا الحرب علناً فقد تعرضوا للاضطهاد أو السجن، في حين أن آخرين، غير مبالين، أو يدعمون الحرب بشكل سلبي.
دول البلطيق، جورجيا، مولدوفا، بولندا
يشير تلاعب بوتين بالتاريخ إلى أن طموحاته تمتد إلى ما هو أبعد من أوكرانيا لتشمل أوروبا وأوراسيا، وقد تشمل خططه دول البلطيق، إضافة إلى بولندا، التي كان جزء منها تحت الحكم الروسي من عام 1772 إلى عام 1918.
كانت جورجيا ومعظم أراضي مولدوفا الحديثة جزءاً من الإمبراطورية الروسية، لذا قد تكون هذه الدول أيضاً هي التالية التي يستهدفها الكرملين.
وكانت فنلندا أيضاً جزءاً من الإمبراطورية الروسية من عام 1809 إلى عام 1918.
قد لا يعتزم بوتين غزو هذه الدول، لكن تصريحاته المبالغ فيها في شأن عودة المستعمرات الروسية تهدف إلى ترهيب جيرانه وزعزعة استقرارهم.
في عالم بوتين المثالي كان سيكتسب نفوذاً وسيطرة على سياساتهم من خلال تهديدهم حتى يسمحوا لروسيا بإملاء سياساتهم الخارجية والداخلية عليهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي أفريقيا، تقدم الجماعات شبه العسكرية الروسية الدعم لعدد من القادة الجدد الموالين لموسكو، وفي أميركا اللاتينية ازداد نفوذ روسيا مع وصول مزيد من الحكومات اليسارية إلى السلطة.
في هذه البلدان يعتبر كثيرون روسيا "مدافعة عن المضطهدين من قبل الإمبريالية الأميركية"، ولا تقبل كثير من الدول الكبرى في هذه المناطق الحجج الغربية حول أسباب الحرب في أوكرانيا أو مدى خطورة الصراع، وبدلاً من ذلك، ينتقدون الولايات المتحدة ويجادلون بأن ما تفعله روسيا في أوكرانيا لا يختلف عما فعلته الولايات المتحدة في العراق أو فيتنام.
وبالنظر إلى ربع قرن من حكم بوتين، يمكن للمرء أن يرى أنه يسعى جاهداً إلى بناء نسخته الخاصة من الإمبراطورية الروسية، إنه "يجمع الأراضي"، تماماً كما فعل أسلافه القياصرة الروس العظام.
انهارت الإمبراطوريتان النمسوية المجرية والعثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وتخلت بريطانيا وفرنسا عن إمبراطوريتيهما ومستعمراتهما على مضض بعد الحرب العالمية الثانية، غير أن بوتين يصر على عودة الإمبراطورية الروسية ولو بتسميات مختلفة.
لكن في سعيه لاستعادة أوكرانيا يقوض بوتين في الواقع أحد أعظم إنجازات بطله الرئيس، بطرس الأكبر، فقد فتح بطرس نافذة على الغرب، وجاب أنحاء أوروبا داعياً الأوروبيين إلى القدوم إلى روسيا والمساهمة في تنمية اقتصادها، على النقيض من ذلك أدى التوسع الإقليمي لبوتين إلى إغلاق تلك النافذة تماماً، فقد أعادت سياسات بوتين الأوروبيين وشركاتهم إلى ديارهم ودفعت جيلاً من الروس الموهوبين إلى المنفى.
قلق أوروبا من انتصار روسيا
يصر القادة الأوروبيون القلقون من سياسات بوتين على ضرورة أن يكون السلام في أوكرانيا عادلاً ومستداماً، وقد صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بأن أي اتفاق سلام يجب ألا يتضمن شروطاً قد تؤدي إلى حرب جديدة.
وتصعد أوروبا أيضاً الضغط على روسيا، وقد حذر الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، من أن وتيرة تعزيز الحلف لا تزال غير كافية، وأكد أن دول "الناتو" قد تصبح الهدف التالي للكرملين، وأن أي تنازلات لبوتين ستعتبر ضعفاً، وقال، "نحن الهدف التالي لروسيا، ونحن بالفعل في خطر، نحتاج إلى تبني عقلية زمن الحرب، لقد حان وقت العمل".
وأعرب المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن موقف مماثل، مؤكداً المبدأ التالي، لا شيء يتعلق بأوكرانيا من دون أوكرانيا، ولا تنازلات على حساب أمن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
وفي ظل الإنفاق العسكري الروسي القياسي وتزايد التهديدات الهجينة، تسرع أوروبا وتيرة إعادة تسليحها، وتسجل أجهزة الاستخبارات الألمانية والدنماركية ارتفاعاً في عمليات التخريب والهجمات الإلكترونية وانتهاكات المجال الجوي، ووفقاً لوسائل الإعلام الغربية قد تكون روسيا مستعدة لشن هجوم مباشر على حلف الناتو في الأعوام المقبلة.
تدرك العواصم الأوروبية أن تقديم تنازلات للكرملين بمثابة دعوة لحرب جديدة، ولذلك ينظر إلى دعم أوكرانيا وتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية على أنهما عنصران أساسان لمنع مزيد من التصعيد.
ويواجه حلف الناتو تحدياً كبيراً في تغيير خوارزميات اتخاذ القرار وتكوين أسلحته لتحييد هذه التهديدات، ونظراً إلى موقع روسيا الجغرافي وإمكان وصولها إلى البحر، فإنها قادرة على إطلاق طائرات مسيرة في المجال الجوي الأوروبي من اتجاهات عدة، ويكاد يكون من المستحيل التنبؤ بمسار هجوم محدد من دون موارد هائلة للدفاع الجوي والاستطلاع.
وأشار مستشار وزارة الخارجية الإستونية، جوناثان فسيفيوف، إلى أن اهتمام الولايات المتحدة ينصرف عن الحرب بين روسيا وأوكرانيا كلما اندلعت أزمة في مكان آخر، ووفقاً لفسيفيوف فإن النهج القديم المتمثل في مطالبة أوروبا لواشنطن بأخذ دور قيادي لم يعد مجدياً، ويعتقد أنه إذا أبدت أوروبا استعداداً للتحرك بصورة مستقلة فسيكون هناك أمل في أن تسهم الولايات المتحدة أيضاً في إنهاء الحرب.
الحرب في أوكرانيا لا تخاض من أجل بضعة كيلومترات مربعة، أو حتى بضع مئات من الكيلومترات المربعة، في دونباس، أو من أجل شبه جزيرة القرم، بل تخاض من أجل استعادة روسيا موقعها كقوة عظمى في العالم، ومن أجل الهيمنة على أمن أوروبا.
ما الذي يقاتل من أجله الرئيس الروسي؟
لا يقاتل بوتين من أجل الأرض وحسب، بل يقاتل من أجل خلوده السياسي في التاريخ الروسي والعالمي، بتصويره الحرب في أوكرانيا على أنها مسألة وجودية بالنسبة إلى روسيا، جعلها مسألة وجودية بالنسبة إليه شخصياً، هذه الديناميكية تفسر استعداد روسيا لتحمل خسائر فادحة، إنهاء الحرب من دون مكاسب ملموسة يخاطر بكشف الكلف البشرية والاقتصادية الهائلة التي تم تكبدها بالفعل.
يرى بعض المحللين أن أعظم ميزة لبوتين تكمن في هيمنته السردية، فمن خلال فرض سردية حتمية، تسعى روسيا إلى تشكيل مجال حيوي لها لا يقل عن مساحة الإمبراطورية الروسية الغابرة، السردية مهمة، لكن السردية من دون قوة ليست سوى دعاية، لذلك يسعى الرئيس الروسي إلى تعزيز قواته المسلحة بكل ما أوتي من قوة وعزم وموارد، ولذلك عادت للتداول مقولة كانت شائعة في العهود القيصرية، تقول إن أخلص وأقرب حليفين لروسيا هما جيشها وأسطولها الحربي، وقد أضاف بوتين لهما عنصر قوات الجو-فضائية.
المواجهة العسكرية قدر أم خيار؟
خلال الحرب الباردة كان قلة من كبار المسؤولين السوفيات على دراية بديناميكيات علاقات الاتحاد السوفياتي مع الغرب، منهم كان فالنتين فالين، الدبلوماسي والمستشار لعدد من القادة السوفيات، وهو أدى دوراً محورياً في تحسين العلاقات بين الاتحاد السوفياتي وألمانيا الغربية في أوائل سبعينيات القرن الـ20، وكان ذلك جزءاً من الانفراج الدولي الذي توج بـ"اتفاقات هلسنكي"، وهو اتفاق تاريخ، بعد 30 عاماً من نهاية الحرب العالمية الثانية، أسهم أخيراً في استقرار العلاقات بين التحالف الغربي والكتلة السوفياتية.
بالنظر إلى تجربته كتب فالين أن "المواجهة ليست قدراً محتوماً، بل خياراً"، في رأيه، فإنه في التنافس بين القوى العظمى العالمية تنشأ المواجهة لأن أحد الطرفين أو كلاهما يختار القتال. أما الانفراج الدولي "فينشأ لأنهما يختاران عدم القتال"، وفي كلتا الحالتين كان يعتقد أن "ما يحدث هو نتيجة قرار واعٍ تماماً من قبل القادة المعنيين".
يعد استنتاج فالين مفيداً بصورة خاصة لفهم نهج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجاه الحرب في أوكرانيا، ولماذا فشلت جهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي استمرت عاماً كاملاً، لإنهاء هذه الحرب مراراً وتكراراً، ففي رأي ترمب ينبغي أن تكون روسيا مهتمة باتفاق سلام، والمسألة الوحيدة هي إيجاد الشروط المناسبة، وقد عملت إدارة ترمب، انطلاقاً من افتراض خاطئ (وإن كان مفهوماً) مفاده أن بوتين كان يتصرف بعقلانية.
يسعى الكرملين إلى بعث إمبراطورية غابرة من جديد في زمن ولى فيه عهد الإمبراطوريات، لكن من دون نجاح يذكر، على رغم امتلاك روسيا جيشاً كبيراً متمرساً أصبح ذا خبرة قتالية عالية، ويتم تعزيزه بأسلحة ومعدات جديدة ومتطورة وأكثر فتكاً، فإن روسيا بوتين تفتقر بوضوح إلى القوة الناعمة اللازمة لاعتبار جنوب القوقاز وآسيا الوسطى جزءاً منها، ومع ذلك تبقى روسيا القوة المهيمنة إقليمياً، ويدرك بوتين أنه لا بد من منافسة ترمب على النفوذ ليس فقط في حديقته الخلفية، بل وفي العالم بأسره.
لا يزعجه هذا التنافس، فهو لا يتعارض مع فكرة "الخمسة الكبار"، في الوقت الراهن هذه مجرد مخططات تخمينية، لا تعكس إنشاء نظام عالمي جديد، بل حال من الارتباك وسط انهيار النظام القديم، وكان الصراع في أوكرانيا هو الدافع الرئيس لهذا الانهيار.
لذا، حتى لو توصل إلى اتفاق سلام في أوكرانيا، فلن يتمكن الغرب من "التخلص" من روسيا بوتين، ولن تكون فترة ما بعد السلام - إن حدثت - أقل صعوبة: فالمواجهة ستستمر بصور هجينة وباردة.
بغض النظر عن نتيجة الحرب في أوكرانيا لن يتوقف الكرملين عن محاولاته استعادة مجد القوة العظمى التي تمتع بها الاتحاد السوفياتي قبل انهياره، فمن خلال مواصلة البحث عن أعداء داخليين وخارجيين سيعوض النظام الروسي عن أزمة الاضطرابات الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية التي سترافق عودة مئات الآلاف من المقاتلين من الجبهة.
تصدر روسيا التحديات، وكذلك تفعل الولايات المتحدة في عهد ترمب، لقد بدأت جولة جديدة من الصراع على مناطق النفوذ، إذ تخلى جميع اللاعبين الرئيسين في آن عن السياسات الأوروبية المركزية، ويكمن الاختلاف عن الحرب الباردة الكلاسيكية في أن قواعد جديدة لتوازن القوى لم توضع بعد، علاوة على ذلك دخل لاعب أقوى من روسيا بوتين إلى الساحة: الصين بقيادة شي جينبينغ، في هذا الواقع الجديد أصبحت العوامل الشخصية - شخصيات ترمب وبوتين وشي - هي المهيمنة، ولم يعد النظام العالمي قادراً على احتواء هذه العوامل.
بالعودة إلى قول فالنتين فالين، "المواجهة ليست قدراً محتوماً، بل خيار"، والسلام أيضاً خيار. في الوقت الراهن تفتقر القوى الحالية إلى الحوافز لاختيار السلام والاستقرار ووضع قواعد للتعايش في ما بينها ومع بقية العالم، لكن يبقى من غير الواضح ما الذي قد يدفعها تحديداً إلى اختيار مسار مختلف.