ملخص
أصبحت الهواتف الذكية التي بين يدينا شاهداً صامتاً على أدق تفاصيل حياتنا، لذا تقول تقارير متخصصة إن هذه الأجهزة باتت مصدر الأدلة الأساس للشرطة لحل القضايا التي تحقق فيها، مستغلة كثيراً من التقنيات المتضمنة في عمل الخليوي.
من خلال التحقيق في جريمة قتل الفتاة المتحولة جنسياً بريانا غي، كشفت رسائل "واتساب" استخرجت جنائياً من هواتف مراهقين اثنين، أحدهما صبي والأخرى فتاة بعمر 16 سنة، عن اثنين من أخطر القاتلين المتسلسلين بعمر صغير، إضافة إلى قائمة أعداها مسبقاً لأسماء أخرى، وهو ما كان حاسماً لإدانتهما عام 2024.
في العام نفسه أصدرت محكمة في لندن حكماً في حق مقدم البرامج التلفزيونية البريطاني السابق هيو إدواردز، بعد العثور في هاتفه على عشرات الصور غير القانونية لأطفال تعرضوا للتحرش والعنف أرسلت إليه عبر تطبيق "واتساب" كذلك وتفاعل معها واحتفظ بها، فكيف أصبح الهاتف الذي بين يدينا شاهداً صامتاً على أدق تفاصيل حياتنا وقادراً على كشف ما لا تستطيع الأدلة الجنائية الأخرى الوصول إليه؟
البصمة الرقمية
لعقود طويلة استندت التحقيقات الجنائية بصورة أساسية إلى الأدلة المادية كالبصمات، والدماء والحمض النووي، مدعومة بأقوال شهود غالباً ما تكون غير موثوقة، لكن القرن الـ21 أدخل كاشف أدلة جديداً إلى قاعات المحاكم، وهو الهاتف الذكي، إذ لم تعد هذه الأجهزة مجرد أدوات اتصال، بل أصبحت مراكز بيانات متطورة تتعقب تحركاتنا وصحتنا وتفاعلاتنا وتتحس بيئاتنا، وحتى عاداتنا اللاواعية، لذا فقد أصبح مجال الأدلة الجنائية الرقمية يصنف هذه الأجهزة اليوم على أنها "شهود صامتون"، فهي تسجل الأدلة من دون الحاجة إلى تدخل بشري واعٍ.
هذا ما أوضحه تقرير اتجاهات الصناعة 2026 الصادر عن شركة "سيلبرايت" المتخصصة في توفير الأدوات الرقمية للمحققين حول العالم، الذي شمل استطلاعاً لآراء 1200 محقق، فبين أن الهواتف الذكية كانت المصدر الأكثر استخداماً للأدلة الرقمية في حل القضايا، إذ ارتفعت نسبة استخدامها من 73 في المئة العام الماضي إلى 97 في المئة هذا العام، لتليها أجهزة الكمبيوتر المحمولة بنسبة 51 في المئة، ثم كاميرات المراقبة بنسبة 41 في المئة.
وقال كبير مسؤولي التسويق في الشركة ديفيد جي "هاتفك هو بصمتك الرقمية، فهو يعرف من أنت وأين كنت ومن تتحدث إليه، وكل شيء آخر، وتتزايد أهميته في مجال الأدلة الجنائية الرقمية، إذ أصبح جزءاً لا يتجزأ من كل تحقيق تقريباً، وهو يتجاوز أجهزة الكمبيوتر المحمولة لأنه دائماً معك في كل مكان".
في السياق ذاته قال مفوض الشرطة مات سكوت "إن الأدلة المستقاة من الهواتف الذكية ضرورية لمساعدة الضباط على تحديد الحقائق، وإنشاء تسلسل زمني واضح للأحداث، وتقديم المجرمين إلى العدالة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
العمل الجنائي الرقمي
يعتبر بناء تسلسل زمني ليس بالأمر البسيط كقراءة مذكرات شخصية، فهو يتطلب استخراج البيانات المتضاربة وتوحيدها من مصادر عدة. وتبدأ العملية بالاستحواذ الجنائي، إذ يقوم المحققون بإنشاء نسخة طبق الأصل من ذاكرة الجهاز لضمان سلامة البيانات الأصلية، يلي ذلك التحليل، إذ تحول البيانات الأولية من قواعد بيانات SQLite وسجلات النظام مثل ملفات plist أو log وقوائم الخصائص المخزنة موقتاً إلى صيغة قابلة للقراءة البشرية.
ويرتكز الجدول الزمني الشامل على ثلاثة أركان أساسية، أولها آثار الاتصال التي تشمل الرسائل النصية القصيرة، وتطبيقات المراسلة المشفرة (واتساب، سيجنال)، والبريد الإلكتروني، فحتى عند حذف الرسائل، يمكن استعادة أجزاء من المحادثة من خلال المساحة الفارغة في نظام الملفات أو من خلال تقنيات التحليل الجنائي الرقمي.
الركن الثاني هو بيانات الموقع والتنقل، فإضافة إلى نظام تحديد المواقع العالمي المعروف باسم "جي بي أس"، تستخدم الهواتف الذكية تقنية تحديد الموقع عبر شبكة "الواي فاي" وسجلات أبراج الاتصالات لرسم مسار المستخدم، بل ويمكن لتقنيات الطب الشرعي الحديثة تحديد ما إذا كان المستخدم يمشي أو يركض أو يقود سيارة استناداً إلى بيانات مقياس التسارع.
أما الركن الثالث فهو سجلات النظام والتطبيقات، إذ في كل مرة يفتح فيها المستخدم هاتفه أو يتم تحديث خلفية أحد التطبيقات، يتم إنشاء طابع زمني، وتعد هذه السجلات التي تعرف باسم سجلات نبضات القلب، أكثر أشكال الأدلة موضوعية، لأنها نادراً ما تكون تحت سيطرة المستخدم المباشرة.
يستخدم المحققون اليوم بشكل متكرر سجلات الضغط الجوي لإثبات أن المشتبه فيه قد تحرك بين الطوابق في المبنى، وهو أمر حيوي للقضايا التي تشمل مجمعات الشقق السكنية الشاهقة، وتوفر سجلات بصمة الوجه والأصابع أو مستشعرات بصمات الأصابع المدمجة في الشاشة، معلومات عن المستخدم، كذلك تستخدم جداول البيانات الجنائية سجلات "البلوتوث" لإثبات القرب، فإذا رصد هاتف المشتبه فيه سماعة بلوتوث الضحية أو وحدة رأس السيارة، فهذا يثبت القرب المادي بغض النظر عن دقة نظام تحديد المواقع العالمي.
جدار التشفير
يتمثل التحدي الرئيس الذي يواجه متخصصي الطب الشرعي الرقمي اليوم في "جدار التشفير"، فمع تعزيز شركات تصنيع مثل "أبل" و"غوغل" خصوصية المستخدمين، يصبح استخراج البيانات المادي التقليدي (تفريغ الذاكرة بنظام العد الست عشري) أكثر صعوبة، ولذلك يعتمد محللو الطب الشرعي الرقمي على الاستخراج المنطقي أو الأساليب المنطقية المتقدمة، التي تتواصل مع نظام تشغيل الجهاز لطلب البيانات.
إضافة إلى ذلك، فإن ازدياد استخدام تقنيات التحليل الجنائي الرقمي المتكاملة مع الحوسبة السحابية يعني أن الهاتف الذكي غالباً ما يكون مجرد بوابة إلى مستودع بيانات ضخم مخزن على خوادم بعيدة، ويتعين على المحققين الآن مزامنة سجلات الجهاز المحلي مع السجلات السحابية مثل "غوغل" أو "أي كلود" أو "تك أوت" لسد الثغرات، ويضمن هذا النهج المتعدد المصادر أنه حتى في حال قيام المشتبه فيه بتدمير جهازه المادي، فإن الشاهد الصامت سيظل قادراً على الإدلاء بشهادته عبر السحابة.
عبء أخلاقي
إن قوة الهاتف كشاهد صامت تحمل معها عبئاً أخلاقياً كبيراً، وقد ظل الحق في الخصوصية موضوعاً متكرراً في الخطاب القانوني لعامي 2025 و2026. في كثير من الأنظمة القضائية يشترط التعديل الرابع للدستور الأميركي أو ما يعادله دولياً، الحصول على إذن تفتيش دقيق للغاية لتفتيش جهاز محمول، إقراراً بأن الهاتف الذكي يحوي معلومات شخصية أكثر مما يحويه منزل فعلي.
إضافة إلى ذلك ثمة ما يعرف بخطر "التحيز الرقمي"، إذ قد يظهر التسلسل الزمني وجود هاتف في مسرح الجريمة، لكنه لا يثبت بصورة قاطعة هوية من كان يحمله، لذا يجب على متخصصي الأدلة الجنائية توخي الحذر عند عرض البيانات باعتبارها نشاطاً للجهاز وليس نشاطاً بشرياً، ما لم يتوفر تأكيد بيومتري مثل سجلات بصمة الوجه، وعليه تبقى سلامة سلسلة الحفظ العامل الأهم لضمان قبول هذه التسلسلات الزمنية في المحكمة.
عسر ويسر التقنيات
على رغم أن التوسع في استخدام الأدلة الرقمية قد حسن من معدلات حل القضايا، وبرزت الهواتف الذكية كأداة لحل الجرائم، فإنها فرضت ضغطاً كبيراً على فرق التحقيق، فقد بات التعامل مع بيانات الهواتف المحمولة أكثر تعقيداً، إذ تتضمن معظم القضايا أجهزة عدة يجب استخراجها وتحليلها وتخزينها بشكل آمن، ويشير المحققون إلى أن تزايد حجم المواد الرقمية يستنزف الوقت والموارد، مما يسهم في تراكم القضايا.
من التحديات ما يعرف بأمن الأجهزة، إذ يصل عدد كبير من الهواتف الذكية المصادرة مقفلة أو مشفرة، مما يؤخر الوصول إلى معلومات قد تكون حساسة للوقت، غالباً ما تتطلب هذه العوائق أدوات وخبرات متخصصة، مما يزيد الضغط على وحدات الطب الشرعي المثقلة بالأعباء أصلاً، في وقت تتطور ممارسات إدارة الأدلة بصورة غير متساوية، فبينما انتقلت بعض الجهات إلى أنظمة الحوسبة السحابية لتبسيط التعاون والتخزين، لا يزال كثير منها يعتمد على الوسائط المادية مثل محركات الأقراص الخارجية، وقد يؤدي هذا النهج إلى إبطاء تبادل المعلومات، وإلى أخطار تتعلق بسلامة البيانات وأمنها.
تقدم التقنيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي حلولاً تعتبر واعدة، إذ يدرك المحققون بصورة متزايدة قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة مجموعات البيانات الضخمة بسرعة، وتحديد الأنماط واكتشاف الروابط التي قد تغفل، وعلى رغم ذلك لا يزال تبني هذه التقنيات حذراً، إذ تحد السياسات الداخلية والمخاوف الأخلاقية من تطبيقها على نطاق أوسع على رغم المكاسب الواضحة في الكفاءة، إذ مع وجود الهواتف الذكية كأداة أساسية في حل الجرائم، يعد الذكاء الاصطناعي الوسيلة الوحيدة لمعالجة 1.5 مليون قضية سنوياً، ومن دونه قد يغرق المحققون في الكم الهائل من القضايا الرقمية المتراكمة.