ملخص
مع تراجع نفوذ الإسلاميين تدريجياً في السنوات الأخيرة لحكم البشير، انتقل ملف العلاقة مع إسرائيل عملياً من كونه محاولة إنقاذ لنظام أيديولوجي مأزوم إلى ورقة بيد مراكز قوة جديدة تبحث عن اعتراف خارجي يوازي صعودها الداخلي.
شكل طرح مسألة التطبيع مع إسرائيل خلال عام 2016 تحولاً في علاقات السودان الخارجية، فالنظام الذي قاده "الإخوان المسلمون" منذ 1989، وجد نفسه أمام أزمة وجودية مركبة، عقوبات دولية ممتدة، وانهيار اقتصادي حاد بعد انفصال جنوب السودان وفقدان النفط، وعزلة إقليمية متزايدة. في هذا السياق لم يظهر التطبيع بوصفه خياراً أيديولوجياً، بل كأداة بحث عن مخرج سياسي يخفف الضغوط ويعيد فتح قنوات الاتصال مع الولايات المتحدة عبر البوابة الإسرائيلية، وهو ما يمكن وصفه باعتباره أشبه بـ"بالون اختبار" لقياس ردود الفعل الداخلية والخارجية.
المفارقة أن هذا التحول لم يبدأ خارج النظام، بل من داخله. فمع اشتداد الضغوط الدولية، بدأ مركز القرار الفعلي ينتقل تدريجياً من النخبة الحزبية ذات الخلفية الأيديولوجية إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية التي كانت معنية قبل غيرها بكلفة العزلة السياسية والاقتصادية. في تلك اللحظة، لم يعد العداء مع إسرائيل يمثل أداة تعبئة فعالة بقدر ما أصبح عبئاً استراتيجياً يقيد قدرة الدولة على المناورة. وهكذا بدأ النقاش حول التطبيع يتحول من خطاب سياسي حساس إلى ملف أمني يُدار بهدوء داخل دوائر ضيقة.
ضمن هذا التحول برز قائد قوات "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو (حميدتي) المقرب من البشير، ونتاج مرحلته الأخيرة. فقد صعد داخل بنية السلطة خلال سنوات الأزمة، واكتسب نفوذاً متزايداً مع توسع دور قواته، وتنامي علاقاته. هذا الاحتكاك المباشر بالعالم الخارجي أتاح تصوير حميدتي وفق رؤية تقوم على البراغماتية الأمنية وليس بالضرورة نابعة عن أي التزام أيديولوجي في النظام الحاضن.
وبينما تعامل الإسلاميون مع فكرة التطبيع كخيار اضطراري لإنقاذ النظام من الانهيار، بدأ حميدتي ينظر إليها كأداة لإعادة تشكيل ميزان القوة داخل الدولة نفسها. ففتح قنوات اتصال غير معلنة مع أطراف دولية، بينها إسرائيل، مما منحه هامش حركة أوسع بعيداً من القيود السياسية القديمة.
ومع تراجع نفوذ الإسلاميين تدريجياً في السنوات الأخيرة لحكم البشير، انتقل ملف العلاقة مع إسرائيل عملياً من كونه محاولة إنقاذ لنظام أيديولوجي مأزوم إلى ورقة بيد مراكز قوة جديدة تبحث عن اعتراف خارجي يوازي صعودها الداخلي. لذلك لم يكن ما جرى لاحقاً بعد سقوط البشير انقلاباً في الاتجاه، بل انتقالاً سلساً للملف ذاته من يد مشروع سياسي آفل إلى يد فاعل شبه عسكري صاعد أعاد توظيفه وفق حسابات البقاء والنفوذ.
مسافة محسوبة
إذا كانت بدايات التفكير في التطبيع مع إسرائيل قد نشأت داخل مؤسسات الدولة السودانية منذ سنوات مبكرة، فإن ما يجري اليوم يكشف تحولاً أعمق، انتقال العلاقة من كونها خياراً تديره الحكومات إلى مسار تتحرك فيه فواعل سياسية وعسكرية شبه مستقلة عن جهاز الدولة نفسه. فالتاريخ السوداني يظهر أن قنوات الاتصال مع إسرائيل لم تكن استثناء طارئاً، بل أداة تُستدعى كلما دخلت النخبة الحاكمة مرحلة صراع وجودي أو إعادة توازن داخلي.
منذ تسريبات "ويكيليكس" عن برقية أُرسلت في الـ29 من يوليو (تموز) 2008 التي كشفت استعداد رجل النظام مصطفى عثمان إسماعيل مستشار الرئيس حينذاك، لطرح التطبيع ضمن مقترحات التعاون مع واشنطن، بدأت العلاقة تتحول إلى ورقة تفاوض استراتيجية. لاحقاً، جاءت تصريحات وزير الخارجية إبراهيم غندور، ثم مواقف لجنة العلاقات الخارجية في مؤتمر الحوار الوطني، لتؤكد أن النقاش لم يعد هامشياً. حتى الجدل الذي أثاره وزير الاستثمار مبارك الفاضل المهدي لم يكن خروجاً فردياً، بقدر ما عكس سياسة "المسافة المحسوبة" التي تسمح بطرح الفكرة علناً مع إبقاء الدولة رسمياً خارج الالتزام الكامل بها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا النمط ليس جديداً في التاريخ السياسي السوداني، ففي خمسينيات القرن الماضي، نسج "حزب الأمة" علاقات مبكرة مع إسرائيل لمواجهة النفوذ المصري، وبلغت ذروتها بلقاء رئيس الوزراء عبدالله بك خليل مع غولدا مائير عام 1957، واتفاقات دعم مالي هدفت إلى تعزيز استقلال القرار السوداني في مواجهة مشاريع الوحدة مع القاهرة. المعادلة آنذاك كانت واضحة، إسرائيل تُستخدم كأداة توازن إقليمي لا كشريك أيديولوجي. واليوم يبدو أن المنطق ذاته يعاد إنتاجه، لكن بفاعلين مختلفين.
بعد سقوط نظام البشير، لم تعد الدولة المركزية وحدها من يدير ملف العلاقة مع إسرائيل، فقد أدى تفكك السلطة وازدواج مراكز القرار إلى ظهور قنوات اتصال موازية، خصوصاً عبر القوى العسكرية. هنا يبرز احتمال أن ترى إسرائيل في قوات "الدعم السريع"، ومن خلفها جناحها السياسي المعروف بـ"تحالف تأسيس"، منفذاً عملياً للحفاظ على حضورها داخل المشهد السوداني في ظل غياب سلطة مركزية مستقرة. فالتجربة الإسرائيلية في أفريقيا قامت تاريخياً على بناء علاقات مع مراكز القوة الفعلية لا مع الهياكل الرسمية فقط.
الدلالات الأعمق تشير إلى أن العلاقة لم تعد مرتبطة بتوقيع اتفاقيات رسمية بقدر ما أصبحت جزءاً من لعبة النفوذ داخل السودان. فمع استمرار الحرب وتآكل مؤسسات الدولة، تتحول الاتصالات الخارجية إلى أدوات شرعية بديلة تسعى من خلالها الأطراف المحلية إلى اكتساب الاعتراف الدولي. وفي هذا السياق، قد لا يكون التقارب المحتمل مع إسرائيل هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة لإعادة تعريف من يمتلك حق تمثيل السودان في المستقبل.
غطاء إقليمي
يكشف تتبع مسار التطبيع السوداني- الإسرائيلي أن الدور الذي لعبته المستشارة الدبلوماسية السابقة للرئيس يوري موسفيني السودانية نجوى قدح الدم تجاوز حدود الوساطة التقليدية، ليصبح حلقة وصل غير رسمية بين ثلاث دوائر نفوذ، القيادة الانتقالية في الخرطوم، والرئاسة الأوغندية في كمبالا، وصناع القرار في إسرائيل. استطاعت التحرك خارج القيود البروتوكولية، مستفيدة من ثقة شخصية نادرة منحها لها الرئيس الأوغندي منذ مطلع الألفية، مما أتاح لها إدارة قنوات اتصال حساسة بعيداً من المؤسسات الرسمية السودانية.
برز دورها بصورة حاسمة في ترتيب لقاء عنتيبي في فبراير (شباط) 2020 بين رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو اللقاء الذي مثل نقطة الانطلاق العملية لمسار التطبيع. لم يكن الاجتماع حدثاً منفصلاً، بل بداية شبكة اتصالات سرية استمرت بعدها عبر تبادل الرسائل والتنسيق غير المعلن، وأسست لتهيئة المؤسسة العسكرية السودانية والرأي الدولي لفكرة الانفتاح على إسرائيل. وتشير الوقائع اللاحقة إلى أن التحضيرات السياسية والأمنية التي سبقت زيارة الوفد الإسرائيلي- الأميركي إلى الخرطوم في أكتوبر من العام نفسه، كانت امتداداً مباشراً لهذه القنوات التي أسهمت قدح الدم في بنائها، واستمرت حتى بعد وفاتها في مايو (أيار) من العام نفسه، مما يدل على أن دورها كان تأسيسياً في هندسة المسار.
في هذا السياق، لعبت أوغندا دور "المساحة الوسيطة" التي سمحت بتقاطع مصالح أطراف متباعدة سياسياً، فموسيفيني، الذي يمتلك علاقات قديمة مع إسرائيل وتعاوناً أمنياً معها، وفر غطاء إقليمياً آمناً للقاءات الحساسة، بينما وجدت القيادة العسكرية السودانية في هذا المسار فرصة لفك العزلة الدولية ورفع اسم السودان من قائمة الإرهاب الأميركية. هنا يظهر البعد الأعمق لدور قدح الدم، إذ لم تكتفِ بالوساطة، بل عملت على ربط ملفات إقليمية متشابكة، السلام في جنوب السودان، والعلاقات السودانية- الأوغندية، والانفتاح على إسرائيل ضمن صفقة سياسية أوسع.
أما نائب رئيس مجلس السيادة، حينئذ، حميدتي، فقد شكل ضلعاً مكملاً لهذا المسار. فزياراته واتصالاته مع موسيفيني عكست تقارباً أمنياً واستراتيجياً يتجاوز العلاقات الثنائية، إذ كانت أوغندا إحدى بوابات إعادة تموضع القيادة العسكرية السودانية إقليمياً بعد سقوط البشير. ومع تنامي دور حميدتي داخل معادلة الحكم الانتقالي، أصبح التنسيق عبر أوغندا قناة عملية لتمرير تفاهمات مرتبطة بإسرائيل، خصوصاً في ظل اعتماد تل أبيب تقليدياً على شبكة علاقاتها بشرق أفريقيا لتعزيز حضورها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ضغط أميركي
كانت الإدارة الأميركية تمارس ضغطاً مباشراً على قيادة الفترة الانتقالية، مانحة الخرطوم مهلة قصيرة- قيل إنها 24 ساعة- للقبول بتطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل الحصول على مساعدات مالية ودعم اقتصادي عاجل، وشطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، التي تم تصنيفه فيها عام 1993 بعد استقبال النظام السابق مؤسس تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن. وقد وضع هذا العرض الحكومة الانتقالية الهشة أمام اختبار صعب بين الضرورات الاقتصادية والحسابات السياسية الداخلية.
وصل وفد إسرائيلي رفيع المستوى إلى السودان في أكتوبر 2020، وسط تكهنات متزايدة بأن البلدين سيعلنان قريباً عن إقامة علاقات دبلوماسية، بحسب ما أفادت الإذاعة السودانية. وأعرب وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو عن أمله في أن يعترف السودان بإسرائيل قريباً، بالتوازي مع تحرك واشنطن لشطبه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وقال بومبيو إن الولايات المتحدة تريد من كل دولة "الاعتراف بإسرائيل، الوطن اليهودي الشرعي، والاعتراف بحقوقهم الأساسية في الوجود كدولة".
وعلق الصحافي الإسرائيلي رفائيل أهرين الكاتب في ملفات التطبيع "من المرجح أن يكون لـ"نعم" دافئة من العاصمة المعروفة باللاءات الثلاثة تأثير نفسي هائل على الإسرائيليين. قد يقول كثيرون بشكل معقول أولئك الذين اعتادوا على رفضنا بشدة، احتضنونا أخيراً".
أظهر هذا الملف انقساماً واضحاً داخل السلطة الانتقالية، فقد تمسك رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك بموقف قانوني وسياسي مفاده أن حكومته غير المنتخبة "لا تملك تفويضاً" لاتخاذ قرار استراتيجي بحجم التطبيع، معتبراً أن هذه المسألة يجب أن تُحسم عبر مؤسسات منتخبة لاحقاً. في المقابل، اتجه المكون العسكري، نحو القبول بالعرض الأميركي باعتباره مدخلاً لإنهاء عزلة السودان الدولية وإنقاذ اقتصاده المنهك.
في هذا السياق برز موقف حميدتي بوصفه الأكثر براغماتية وصراحة، ففي مقابلة مع قناة "سودانية 24" من جوبا، وصف إسرائيل بأنها "دولة متطورة" وأن العالم كله يتعامل معها للاستفادة من قدراتها التقنية والزراعية، مضيفاً "أن السودان بحاجة إلى إسرائيل لتحقيق التنمية، خصوصاً في مجالات الزراعة والتكنولوجيا". لكن اللافت في خطاب حميدتي أنه حاول التمييز بين "العلاقات" و"التطبيع"، متبنياً رأي المكون المدني الذي كان يحاول خفض الحساسية السياسية داخلياً، وأن القرار النهائي ينبغي أن يعكس رأي الشارع عبر آلية ديمقراطية، مع التأكيد في الوقت ذاته على دعم قيام دولة فلسطينية. كما أقر بشكل ضمني بأن رفع السودان من قائمة الإرهاب أصبح عملياً مرتبطاً بالانفتاح على إسرائيل، وهو ما جعل التطبيع بالنسبة له خياراً واقعياً أكثر منه موقفاً أيديولوجياً.
ورقة أخيرة
لم يكن الحديث عن وساطة إسرائيلية أو استضافة لقاءات بين البرهان وحميدتي منفصلاً عن القلق من انهيار المسار الذي بدأ منذ اتفاق التطبيع في أكتوبر 2020. فالصراع الدائر يهدد أحد أهم الاختراقات السياسية التي حققتها تل أبيب في أفريقيا، كما يضع اتفاقات "أبراهام" أمام اختبار جدي في بيئة سياسية متقلبة، حيث تصبح الخشية من فراغ السلطة والمنافسات الدولية عنصراً حاسماً في كل خطوة دبلوماسية.
في السنوات الأخيرة، تحول السودان إلى رقعة شطرنج إقليمية، إدارة جو بايدن تعاملت مع الأزمة السودانية من منظور دعم الانتقال المدني، بينما جاءت عودة دونالد ترمب لتعيد قراءة الخرطوم بوصفها حلقة استراتيجية في أمن البحر الأحمر وممرات التجارة، ومن ثم أداة لتوسيع دائرة التطبيع. في هذا السياق، تم إظهار إسرائيل كشريك أمني واستراتيجي يمكنه التواصل مع الفاعلين العسكريين مباشرة، في بيئة يصعب على واشنطن التحرك فيها علناً.
من جهتها تخشى تل أبيب أن يؤدي استمرار الحرب إلى انهيار الدولة السودانية أو صعود قوى معادية تعيد البلاد إلى مربع القطيعة معها. ومع تصاعد التنافس الدولي، خصوصاً النفوذ الروسي عبر شبكات الذهب وشركات الأمن الخاصة، يبدو التدخل الإسرائيلي، بدعم أميركي، خطوة استباقية للحفاظ على موقع الخرطوم ضمن الفضاء السياسي الغربي.
من جانبه، يتعامل حميدتي مع التطبيع بمنطق براغماتي بحت، فتصاعد الإدانات الدولية لقوات "الدعم السريع" والضغوط السياسية والقانونية عليه يجعل من الانفتاح على إسرائيل قناة محتملة لإعادة التموضع الدولي. فهو يرى في هذا التحرك وسيلة لإعادة تقديم نفسه كشريك مقبول يمكن دمجه في تسوية سياسية مقبلة، لا مجرد قائد قوات شبه عسكرية في صراع داخلي. كما يرتبط هذا التوجه بشبكة علاقاته الإقليمية في شرق ووسط أفريقيا، حيث تُعد إسرائيل لاعباً أمنياً محورياً، مما يمنحه إمكانية بناء شرعية خارجية تعوض هشاشة موقعه الداخلي.
ومع ذلك، يبقى التحدي قائماً، في إمكانية أن يتحول التطبيع مع إسرائيل إلى الورقة الأخيرة التي تنقذ حميدتي من العزلة الدولية. التجارب السابقة، بما في ذلك الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، توضح أن إسرائيل لا تمنح اعترافاً سياسياً إلا عندما تتأكد من قدرة الكيان على الاستمرار. في الحالة السودانية الراهنة، مشروع "تأسيس" قد يفتح قنوات تعاون وتأثير، لكنه لا يضمن اعترافاً رسمياً، مما يجعل التطبيع أداة مؤقتة لإدارة العزلة، لا ضمانة مطلقة للبقاء السياسي. إسرائيل تبحث عن مكاسب استراتيجية، بينما يسعى حميدتي إلى نافذة للبقاء، وكل خطوة داخل هذا التوازن تنطوي على أخطار وتوقعات دقيقة، مما يجعل التطبيع أكثر من مجرد دبلوماسية، بل أداة ضمن صراع أوسع على النفوذ والمستقبل السياسي للسودان.