ملخص
اعتمد حميدتي في خطابه على ثلاث استراتيجيات خطابية واضحة، هي محاولة شرعنة السيطرة على الفاشر، والإيحاء بوجود مؤسسات انضباطية داخل قواته، وتوظيف لغة المصالحة الوطنية. ولا يرى معظم السودانيين في أي من طرفي النزاع خلاصاً حقيقياً، بل يعتبرون أنفسهم ضحايا لعنف متبادل تمارسه قوتان تتنازعان السلطة باسم الوطن، بينما يظل المواطن الأعزل الخاسر الأكبر في هذه المواجهة المفتوحة.
جاء خطاب قائد قوات "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو "حميدتي" الأخير في مرحلة شديدة الحساسية من مسار الحرب السودانية، وفي لحظة مثقلة بالاتهامات الدولية والداخلية التي طاولت قواته بعد مجزرة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور. الخطاب الذي بثته منصات "الدعم السريع" لم يكن مجرد بيان ميداني، بل أقرب إلى محاولة إعادة بناء الصورة وتبرير الممارسات التي وصفت بأنها تطهير عرقي ممنهج. بدا حميدتي في خطابه كمن يسعى إلى تحقيق توازن بين الاعتراف الجزئي بالجرائم والتنصل من المسؤولية عنها، حين قال "نتأسف لأهل الفاشر على الكارثة التي أصابتهم، لكننا كنا مجبرين، فالحرب فرضت علينا". واعتمد في خطابه على ثلاث استراتيجيات خطابية واضحة، أولها محاولة شرعنة السيطرة على الفاشر باعتبارها "تحريراً لصالح وحدة السودان"، في إشارة ضمنية لتقديم الحرب بوصفها مشروعة وطنياً. وثانيها، الإيحاء بوجود مؤسسات انضباطية داخل قواته من خلال إعلانه تشكيل "لجان تحقيق عسكرية وقانونية" وصلت إلى الفاشر لمحاسبة "أي جندي أو ضابط ارتكب جرماً"، مؤكداً أن المحاكمات ستكون "علنية وفورية". أما ثالثها، فتمثلت في توظيف لغة المصالحة الوطنية والحديث عن "مرحلة السلام" و"عودة اللحمة الوطنية"، في محاولة لتلميع صورة "الدعم السريع" كقوة مسؤولة على رغم الاتهامات التي تلاحقها.
غير أن الخطاب لم يخل من تناقضات لافتة، إذ وصف دقلو ما جرى في الفاشر بأنه "عمل احترافي يدرس في الجامعات"، متباهياً بعملية عسكرية خلفت مئات القتلى من المدنيين، وهو ما يعكس استخفافاً ضمنياً بضحايا المجزرة، ومحاولة لتغليف العنف بلغة البطولة العسكرية. كما أعاد التأكيد أنه "من دعاة السلام"، مطالباً قواته بـ"عدم قتل الأسرى أو المساس بالمدنيين"، وهي عبارات جاءت في سياق تبريري أكثر من كونها التزاماً مبدئياً.
مفارقة صارخة
مثل خطاب "حميدتي" نموذجاً كلاسيكياً لخطاب عسكري - سياسي يصدر في لحظات مأزومة، إذ يحاول الجمع بين تبرير العنف وادعاء المسؤولية، وبين الاعتذار الموارب والتصعيد الدعائي. فقد أقر حميدتي بوقوع "تجاوزات" من قواته، معلناً أن "لجان التحقيق وصلت إلى المدينة وبدأت عملها للمحاسبة العلنية والفورية لأي جندي أو ضابط ارتكب جرماً"، وهو اعتراف مشروط لا يرقى إلى مستوى الإقرار بالمسؤولية القيادية، بل يندرج في إطار إدارة الأزمة الخطابية لا معالجتها.
استند حميدتي في خطابه إلى ثلاث ركائز تبريرية، الأولى: تأطير الحرب كفعل اضطراري بقوله "نحن نقاتل جماعات إرهابية مدعومة من الخارج ومن أبناء جلدتنا المغشوشين"، مضيفاً أن "الحرب فرضت علينا". هذه العبارة تضع "الدعم السريع" في موقع الضحية المدافعة عن الذات، في مقابل خصم يهدد محاولات السلام. الثانية: محاولة تأطير الصورة الأخلاقية عبر الحديث عن "تعويض أسر الضحايا" و"إطلاق سراح المدنيين"، وهي لغة تحول الفعل العسكري من جرم جماعي إلى أخطاء فردية، ومن مأساة وطنية إلى قضية مالية قابلة للتسوية. أما الركيزة الثالثة، فهي إعادة توجيه المشهد نحو خطاب "السلام والتحول الديمقراطي"، عبر وعده بـ"إقامة حكومة مدنية" و"بناء جيش جديد يخضع للقيادة المدنية"، وهي محاولة لربط صورته بخطاب الشرعية السياسية، بعد أن اقترنت قواته بمجازر متكررة. كما برزت نبرة الحماية الممزوجة بالتهديد في قوله "ممنوع قتل الأسير، حتى لو كان داعشياً أو مجرماً، يجب محاكمته بالقانون"، وهي صيغة تعكس رغبة في ضبط الانفلات الداخلي من دون المساس بمنطق القوة.
بذلك يتبدى خطاب حميدتي كتركيب من الدفاع والتبرير والتعبئة، فهو يخاطب الداخل لترميم الانضباط وتثبيت الشرعية، ويخاطب الخارج لتسويق نفسه كقوة مسؤولة تخوض حرباً "مفروضة"، لكن خلف هذا البناء البلاغي، تظل المفارقة صارخة بين لغة "السلام والوحدة" التي يرفعها، وواقع ميداني مثخن بالدماء والانتهاكات التي يسعى خطابه إلى تجميلها وتطبيعها في وعي المتلقي.
تبييض سياسي
استخدم حميدتي في خطابه ما يسمى بـ"لغة التبييض السياسي"، وهي لغة تخفف من وقع الجرائم عبر مفردات ناعمة تواري العنف خلف ستار إداري، حين يقول مثلاً "حدثت تجاوزات" بدل "جرائم ممنهجة"، أو "سنعوض الأسر" بدل "سنحاسب المجرمين". بهذه التقنية، يعاد تعريف المجزرة كـ"حادثة عرضية" لا كفعل ممنهج ضد المدنيين، في محاولة لتقليص المسؤولية الجنائية وتحويل الكارثة إلى ملف إجرائي إداري.
في البعد السياسي، سعى حميدتي إلى تقديم نفسه كقائد إصلاحي يحمل مشروعاً لدولة ما بعد الحرب، معلناً وجود "تفاوض سري بين قوات الدعم السريع والجيش"، واصفاً مشاركة وزير الخارجية في الحكومة السودانية بأنها "ديكورية". كما جدد رؤيته لـ"تحول ديمقراطي كامل الدسم" وتأسيس "جيش جديد يخضع لرئيس مدني"، مهمته حماية الحدود "لا الدستور"، لتجنب الانقلابات مستقبلاً، هذه العبارات تحمل أبعاداً تتجاوز الخطاب المحلي، إذ توجه إلى المجتمع الدولي لإعادة تسويق "الدعم السريع" كقوة إصلاحية قادرة على إعادة بناء الدولة، في وقت تتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
يمكن قراءة هذه الجزئية من الخطاب ضمن ثلاثة محاور رئيسة، أولاً: محور التحول والسلام، حين يقول حميدتي "طوينا صفحة الحرب في مدينة الفاشر، ونفتح الآن صفحة السلم"، فإنه يقدم السيطرة العسكرية بوصفها بداية لسلام مفترض، لا نهايته. ووصفه السيطرة على المدينة بأنه "نقطة تحول تسهم في وحدة السودان" يحول الفعل العسكري إلى سردية وطنية تعبوية. ثانياً: محور الشرعية والمؤسسات، حديثه عن "تشكيل لجنة تحقيق فورية" و"انسحاب القوات بعد التأمين وتسليم المدينة للشرطة"، يعكس محاولة لإعادة بناء المشروعية القانونية لقواته، وربط أفعالها بمنظومة الدولة. وثالثاً: تحول الخطاب إلى دعوة إلى التعبئة الوطنية والدفاع عن السيادة، تحت غطاء مواجهة "تهديد السلم الدولي". وهذا يشكل وثيقة تبريرية هجينة، تمزج بين الاعتذار والادعاء، وبين السلم والحرب، وبين الرغبة في نزع الشرعية عن الخصوم وإعادة إنتاجها لنفسه، كونه خطاباً يدين العنف بلغة ناعمة، ويبرر الحرب بخطاب السلام.
دلالات سياسية
يعد وصف حميدتي الحكومة بقيادة البرهان بـ"الكيزان"، "الإخوان المسلمين"، وهو توصيف محمل بدلالات سياسية وتاريخية، أحد أكثر المقاطع إفصاحاً وتكراراً في خطابه الأخير، لما ينطوي عليه من وظيفة مزدوجة تجمع بين التعبئة والتبرير. فعلى رغم أن الاتهام بوجود عناصر من النظام السابق داخل المؤسسة العسكرية والحكومة يجد صداه في الوعي العام، فإن حميدتي استخدم هذا الوصف لا لتشخيص الواقع، بل لتبرير العنف وتبرئة نفسه من تبعاته، مقدماً الحرب بوصفها معركة "تحرير" ضد "الفلول"، لا كصراع دموي بين قوتين مسلحتين تتنازعان السلطة.
من الناحية الخطابية والسياسية، يوظف حميدتي مصطلح "الكيزان" كآلية لإعادة تأطير الصراع، بحيث يبدو وكأن "الدعم السريع" تخوض معركة ثورية ضد النظام القديم الذي يمثل الفساد والاستبداد، في محاولة لإضفاء شرعنة أخلاقية على العنف، إذ تتحول الحرب من جريمة إلى ضرورة وطنية، وتقدم المجازر كتحرير من قوى الظلام. بهذا المنطق، يختزل الخطاب تعقيد المشهد السوداني في ثنائية تبسيطية.
غير أن المزاج الشعبي السوداني اليوم لا يتماهى مع هذا الخطاب، بل يقف في موقع الرفض المزدوج، فالسودانيون، الذين دفعوا أثماناً باهظة منذ اندلاع الحرب، يرفضون عودة النظام السابق بقدر ما يرفضون استمرار الحكم العسكري بصورة كافة. لا يرى معظم السودانيين في أي من طرفي النزاع خلاصاً حقيقياً، بل يعتبرون أنفسهم ضحايا لعنف متبادل تمارسه قوتان تتنازعان السلطة باسم الوطن، بينما يظل المواطن الأعزل الخاسر الأكبر في هذه المواجهة المفتوحة.
في السياق، يبدو استخدام حميدتي مفردة "الكيزان" محاولة لاستثمار الذاكرة الجمعية التي تعادي حكم "الإخوان المسلمين" لكن بصورة انتقائية تخدم إعادة إنتاج سلطة موازية، لا مشروعاً وطنياً للتحول الديمقراطي. وهكذا، ينقلب الخطاب إلى استثمار في الانقسام والذاكرة المؤلمة، يهدف إلى تلميع صورة فصيل عسكري متورط في الصراع، أكثر مما يعبر عن رؤية سياسية لمستقبل السودان الذي يتطلع إليه شعب أنهكته الحرب والخيبة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اختزال العدالة
حاول حميدتي رسم صورة لقائد حازم يسعى إلى تطبيق العدالة داخل قواته، لكنه في الواقع قدم خطاباً يتهرب فيه من جوهر العدالة، عبر استبدال الاعتراف بالمحاسبة بـ"التعويض المالي"، إذ قال إنه شكل لجنة للتحقيق في "التجاوزات" المنسوبة إلى قواته، مؤكداً أن التحقيق "لن يستثني أي متورط وأن نتائج اللجنة ستعلن فوراً"، إلا أنه، في الوقت ذاته، وعد بتعويض عائلات الضحايا، من دون أن يذكر أية آلية قضائية مستقلة أو إشراف دولي، مما يكشف عن رؤية تختزل العدالة في بعد مادي.
تجاهل حميدتي مفهوم العدالة الانتقالية أو آليات التحقيق المستقلة يبعث برسالة مزدوجة إلى الضحايا، بأن العدالة ستتحقق عبر "التعويض المالي"، وإلى المجتمع الدولي بأن قواته لا تزال تعتبر نفسها سلطة موازية تمتلك حق التحقيق والحكم وتقدير التعويضات، وهو ما يتناقض مع مبادئ القانون الدولي الإنساني الذي يلزم الدول والجماعات المسلحة بالمساءلة عن الجرائم الكبرى، لا بتسويتها بالمال. وفي حين حاول حميدتي تبرير سيطرة قواته على الفاشر بأنها "تأتي لصالح وحدة السودان"، وأنها "طوت صفحة الحرب وبدأت مرحلة السلم"، فإن هذا الخطاب يتناقض مع شهادات المنظمات الحقوقية ونقابات الأطباء التي وثقت عمليات قتل جماعي وتعذيب ونهب واسع اتهمت قوات "الدعم السريع" بارتكابها عقب السيطرة على المدينة، فمحاولة تحويل المأساة إلى "نصر وطني" تظهر بوضوح البعد الدعائي في خطابه.
أبعاد معقدة
من منظور الذاكرة الجمعية لأهالي دارفور، يحمل خطاب حميدتي، أبعاداً نفسية واجتماعية معقدة، فهو لا يداوي الجرح بل يعمقه. المجتمع الذي فقد أبناءه في مجازر متكررة لا يحتاج إلى "تعويض مالي"، بل إلى اعتراف واعتذار وعدالة. حين يقول حميدتي "وقعت أخطاء وسنعوض"، فهو يعيد إنتاج نمط تاريخي من التهميش والإفلات من العقاب، الذي رافق مأساة دارفور منذ عقدين، من دون مساءلة أو ملاحقة حقيقية. هذا الخطاب يعيد للذاكرة الجماعية تجربة الألم، من دون معالجة حقيقية لجذوره.
يحاول حميدتي في خطابه توظيف لغة البناء والسلام لامتصاص الغضب الشعبي، إذ دعا شباب الفاشر إلى "الاستعداد للمشاركة في إعادة الإعمار"، وطالب السكان "بالعودة لمنازلهم"، مؤكداً أن "الجهود ستتجه لإعادة تشغيل المستشفيات ومحطات المياه والكهرباء، وتوفير الأدوية بالتعاون مع المنظمات الإنسانية". كما أعلن "السماح بحرية الحركة للمدنيين وإطلاق سراح أي محتجز بطرق غير مشروعة"، غير أن هذه العبارات، على رغم طابعها الإنساني، تأتي بعد سلسلة من الانتهاكات التي لم يحاسب مرتكبوها، مما يجعلها في نظر كثيرين لغة تلطيف رمزية أكثر من كونها التزاماً فعلياً بالعدالة.
يحمل الخطاب بعداً استراتيجياً أيضاً، إذ يسعى إلى ربط السيطرة العسكرية بمنفعة مدنية، عبر ما يمكن تسميته بخطاب "منفعة الأمن"، فإعادة الإعمار وإزالة الألغام، وضمان الخدمات، تقدم هنا كثمار لسيطرة "الدعم السريع" على المدينة، لا كحقوق أساسية للمواطنين. بهذا المعنى، يهدف الخطاب إلى تحويل النصر العسكري إلى رأسمال اجتماعي يبرر استمرار سلطة القوة تحت شعار إعادة الحياة لطبيعتها.
مشهد مزدوج
يظهر خطاب حميدتي تناقضاً واضحاً بين لغة الالتزام وواقع الفعل الميداني، إذ يعلن تشكيل "لجنة تحقيق" في الانتهاكات، لكنه لا يقدم أية ضمانات لشفافيتها أو استقلالها. فغياب التفاصيل حول آلية التحقيق، أو الجدول الزمني، أو الإشراف الدولي، يجعل هذا الوعد أقرب إلى تكتيك تهدئة موقتة منه إلى التزام حقيقي بالعدالة، فالخطاب لا يشير إلى إيقاف القادة الميدانيين المسؤولين، مما يعزز الشكوك بأن "اللجنة" أداة سياسية أكثر منها إجراء قضائي.
على رغم ما تضمنه الخطاب من عناوين سياسية وإنسانية، إلا أن الواقع يكشف عن تحديات جوهرية تهدد صدقيته. أولها الانتقادات الدولية التي تلاحق قوات "الدعم السريع"، إذ تحدثت منظمات حقوقية عن "إعدامات ميدانية لمئات المدنيين" في الفاشر، وهي اتهامات لم تقابل بخطوات عملية سوى إعلان لجنة جديدة، على رغم أن تعهدات مماثلة سابقة في ولايات أخرى، مثل الجزيرة، لم تنفذ حتى اليوم.
أما قول حميدتي إن قواته ستنسحب بعد تأمين المدينة لتتولى الشرطة مهمات الأمن، فهو تصريح إشكالي في بيئة منهارة مؤسساتياً، إذ تفتقر دارفور إلى شرطة فاعلة أو سلطة مدنية قادرة على إدارة ما بعد الحرب. وهكذا، يبدو الانسحاب الموعود خطوة رمزية أكثر منه تحولاً مؤسسياً.
في حديثه عن "وحدة السودان"، ينفي حميدتي نية الانفصال عن دارفور، محاولاً تبديد المخاوف من التقسيم، لكن هذا الخطاب يقرأ في الداخل كصيغة "احتواء من موقع القوة"، لا كمصالحة وطنية حقيقية. فدارفور، ذات التاريخ الطويل من التهميش، تنظر بريبة إلى الوعود القادمة من حامل السلاح، لا من المؤسسات.
أما دعوته إلى "تأسيس جيش جديد يخضع للقيادة المدنية" فتبدو طموحة، لكنها في السياق الراهن أشبه بخطاب مشروع لم يكتمل، إذ لا يمكن الحديث عن تحول مدني من دون عدالة انتقالية، ولا عن وحدة وطنية في ظل ركام الحرب. بذلك، يتحول خطاب حميدتي إلى مشهد مزدوج، لغة سلام تغطي واقعاً مليئاً بالعنف.