ملخص
يبدو أن تحذيرات كتاب القرن الماضي لم تُفضِ إلى نتيجة، والديستوبيات التي وضعوها بكل ما فيها من سوداوية وخمول واضمحلال للقدرات البشرية الفكرية والاجتماعية والنقدية، ذهبت أدراج الريح. لو يرى فقط جورج أورويل صاحب "1984"، وفرانز كافكا صاحب "المحاكمة"، وراي برادبري صاحب "فهرنهايت 451" ما يجري اليوم مع "جيل زد"، لما توقعوا يوماً أن رواياتهم ستكون فعلاً مرآة مصيبة "للمصيبة".
تبتعد البشرية اليوم بجيلها "زد" الفتي، عن مفاهيم إنسانية كثيرة لها علاقة بالأخلاق والقيم والخير والشر والقضايا الأيديولوجية والتفكير النقدي وإلى ما هنالك من مفاهيم تعب الفلاسفة والمفكرون كثيراً ليقيموها على عقود. ويبدو أن نموذج الإنسان المعاصر الذي يُعنى بمحيطه ومجتمعه وقيمه والإنسانية، بات نموذجاً صعب البلوغ بل بالأحرى ما عاد موجوداً في حسابات الأجيال المعاصرة وعلى رأسها "الجيل زد".
من اللافت أن "الجيل زد" هو جيل الفردانية، جيل بعيد كل البعد عن الرغبة في تغيير العالم والمجتمع والأنظمة السائدة. يغرق هذا الجيل في فراغ أيديولوجي أو في عالم من اللاتفاعل واللاتعاطف واللانضال، وكأن لعنة ميرسو من رواية "الغريب" لكامو قد لحقت بأفراد "الجيل زد" فباتوا بلا انتماء ولا رأي ولا قدرة على الشعور. وكأننا إزاء جيل من الـ"ميرسويات" الذين لا يبكون أمهم ولا يعبؤون بأحد ويقومون بأعمالهم فقط لأنهم شعروا بالحر أو بالملل أو باللاشيء.
نستفيق في هذا القرن على مجتمع إلكتروني "كسول" فاقد لقدراته اللغوية والتحليلية ويعتمد على الذكاء الاصطناعي ليكتب له رسائله ونصوصه وفروضه ومقالاته، وهذا وفق مقالات ودراسات متعددة أجراها متخصصون في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. بات الذكاء البشري يعتمد كبير اعتماد على الذكاء الاصطناعي، وبدلاً من أن يوظف "الجيل زد" الإنترنت ليتعلم، بات يوظفه ليخفف من كمية ما يتعلمه ويحفظه.
جيل الصورة والسرعة
يُعد "الجيل زد"Generation Z من أبرز ظواهر القرن 21 من الناحية الاجتماعية والديموغرافية والفكرية، إذ يمثل تحولاً نوعياً في بنية المجتمع ونمط تفكير الفرد. يتكون هذا الجيل من المولودين بين عامي 1997 و2012، فهو يأتي بعد جيل الألفية The Millennials، ومن بعده يأتي "جيل الألفا". ويمتلك "جيل زد" خصائص ديموغرافية مميزة يتفرد بها وتجعله مختلفاً تمام الاختلاف عن الأجيال التي سبقته. فمن المتعارف عليه بحسب الدراسات والمقالات العالمية أن هذا الجيل يشيخ بسرعة لما يتعرض له من إشعاعات الشاشات التي يجلس قبالتها لساعات كذلك بسبب المستحضرات الكثيرة التي يجربها ويضعها على بشرته منذ أصغر سنوات المراهقة. ففتيات كثيرات من "جيل زد" لم يتجاوزن السادسة عشر من عمرهن بدأن بالخضوع لإبر البوتوكس والفيلر وشد البشرة. في مجهود للمحافظة على بشرتهن فقدت فتيات زد شبابهن ونضارة بشرتهن.
ويشكل "جيل زد" نحو30 في المئة من سكان العالم بحسب الإحصائيات، ما يجعله أكبر مجموعة عمرية حالياً من حيث العدد. وتنبع أهمية هذا الجيل من كونه أول جيل رقمي أصيل تماماً لم يعرف العالم من دون الإنترنت والهواتف الذكية. فبينما شهد "جيل إكس" Generation X, 1965-1980 اكتشاف التلفاز وشهد "جيل واي" أي "جيل الألفية" Generation Y, 1981-1997 اكتشاف الإنترنت، وصل "الجيل زد" إلى عالم إلكتروني بالكامل.
كثر يرون في "الجيل زد" جيلاً اعتاد أفراده مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة والمسلسلات على الإنترنت (خصوصاً عبر يوتيوب)، كما اعتادوا السرعة ولعب الألعاب الإلكترونية بدلاً من القراءة أو الحفظ أو العودة إلى التاريخ والوثائقيات. ويوصف هذا الجيل بأنه "جيل رقمي بالفطرة" Digital Natives، كذلك أُطلقت عليه أسماء أخرى، منها: "جيل الآي" iGeneration، و"جيل الوطن" Homeland Generation، و"الجيل الشبكي" Net Gen، و"الرقميون الأصليون الجدد" Neo-Digital Natives. وقد أدرج كلٌ من قاموس ميريام-ويبستر Merriam-Webster وقاموس أكسفورد Oxford مدخلاً رسمياً خاصاً بمصطلح Generation Z.
ولما كان هذا الجيل يمضي الكثير من الوقت أمام الشاشات فَقَدَ مهاراته الاجتماعية وباتت قدرته على التواصل مباشرة مع الآخرين ضئيلة. وبينما تهدف وسائل التواصل الاجتماعي إلى وصل الناس بعضهم ببعض اجتماعياً، باتت تشكل لهذا الجيل عائقاً للتواصل الاجتماعي فباتت الصداقات ضئيلة خارج الشاشات أما علاقات الحب فحدث بلا حرج. حياة عاطفية باردة رديئة لا أحد يجيد أن يبادر ولا أن يكتشف الآخر.
يتفاعل "الجيل زد" مع المحتوى الرقمي لساعات يومياً، ما يؤثر في سلوكه الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. أما اقتصادياً، فمن المتوقع أن يكون هذا الجيل من أكثر الأجيال تأثيراً في الأسواق الاستهلاكية الحديثة؛ فبحلول عام 2030 من المتوقع أن تصل قوته الشرائية العالمية إلى أكثر من 12 تريليون دولار، أي ما يناهز18.7 في المئة من إجمالي الإنفاق العالمي، ليكون هذا الجيل في موقع محوري لتشكيل التوجهات الاقتصادية المستقبلية.
مع هذه القوة العددية والاقتصادية، لا تخلو الصورة من التحديات، إذ أظهرت دراسات حديثة ارتفاع معدلات التوتر والاكتئاب بين أفراد "الجيل زد" مقارنة بالأجيال السابقة، ما يثير تساؤلات حول تأثير الضغوط الاجتماعية والرقمية على الصحة النفسية. ارتفعت بين أبناء هذا الجيل معدلات الوعي باضطرابات الصحة النفسية، كذلك زادت معدلات قلة النوم لديهم. وتشير الأبحاث إلى أن الآثار السلبية لوقت الشاشة Screen Time كانت أكثر وضوحاً في أواخر العقد الثاني من القرن 21 لدى المراهقين. في عام 2021 اعتبر 42 في المئة من تلامذة ثانويين في الولايات المتحدة أنهم يعانون من مشكلات إحباط ويأس، فهل هذه مرحلة أم حالة سترافقهم في سنوات شبابهم ونموهم؟
حقول لغوية جديدة تعتمد الاختصار
يبدو أن اكتساب مهارات إلكترونية عالية لا يترافق مع تراكم المهارات اللغوية، فـ"الجيل زد" يعاني من غياب القدرة على القراءة والكتابة، فهاتان المهارتان سيئتان وضعيفتان للغاية بشهادة علماء الديموغرافيا والتعليم، حتى أن الدراسات تعتبر أن أفراد "الجيل زد" يسيئون استخدام علامات الترقيم. ويبدو أن الاعتماد على "شات جي بي تي" أساء للقدرات الفكرية لدى "الجيل زد" بدلاً من تطويرها.
أما أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الجيل، فهو التعابير والمفردات المستعملة والتي تجهلها الأجيال التي قبله على اختلافها، فمنذ متى كلمة مثل Rizz تعني أمراً إيجابياً، وكلمة مثل Gas تعني أن الأمر رائع؟ كلمة Delulu مثلاً باتت تعني الشخص المتوهم في اختصار لكلمة Delusional، وكلمة مثل Sus هي اختصار لمثير للريبة أي suspicious. كلمات جديدة غريبة كمثل Cheugy أو Mewin، خالية من أي معنى لمن هم خارج دائرة "الجيل زد" و"التيك توك" و"السناب تشات"، تجعل المرء يشعر أنه عجوز وقد أكل الدهر عليه وشرب على رغم أنه لا يكون قد تجاوز الخامسة والثلاثين بعد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
باتت الكلمات مع "الجيل زد" مجرد أحرف، فمثلاً IYKYK، تعني If You Know You Know، بمعنى آخر، باتت هذه الأحرف الخمسة تعني المثل القائل "اللي دِرِي دِرِي، واللي ما دِرِي كَف عَدَس". أما مفردة GOAT فباتت تعني The Greatest of All Times. دوامة لغوية ودوامة معانٍ تسير نحو تفكيك اللغة والجمل والنصوص.
لغة جديدة آخذة بالحلول محل اللغة الأم، خالية من الأفعال والصفات والتراكيب وأدوات الربط وحتى علامات الوقف. وكأن كابوس جورج أورويل في "1984" بأن تضمحل اللغة صار على شفير التحقق.
والأمر الذي يجهله معظم شباب هذا الجيل، أن خسارة اللغة والمفردات والمصطلحات وخسارة القدرة على وضع جملة متكاملة ذات معنى ومغزى إنما هو خسارة للأفكار. إن اللغة هي لباس الفكرة وثوبها، وبلا لغة تتلاشى الأفكار وتتقلص، من هنا كان حرص الكتاب والمفكرين الأزلي على اللغة. إن اللغة وحدها هي التي تجيش العقول وتحفز الأفكار وتمهد للثورات، فهل نحن أمام زمن لا أفكار فيه ولا عقول ولا ثورات؟
هل سيستطيع شبان "الجيل زد" أن يضعوا مقالات تضارع مقالات اليسار والليبرالية والرأسمالية والنظريات الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية؟ هل سيستطيعون أن يكتبوا روائع عظيمة تضارع "مدام بوفاري" و"أنا كارنينا" و"الإخوة كارامازوف"؟ هل سنقع على زولا أو جايمس جويس أو بروست؟ إلى أين تذهب الكلمة مع جيل الهاتف الذكي والذكاء الاصطناعي؟ هل ستحل الآلة محل القدرة على التفكير والنقد؟ وهل ستبقى قدرة على التفكير والنقد في الأساس؟