Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رمضان الليبيين بطعم "غلاء الأسعار" بعد ارتفاع الدولار

قيمة العملة الخضراء وصلت إلى 10 دنانير في السوق الموازية ما أثر في زيادة الكلف الاستيرادية ومحدودو الدخل يواجهون "سوء التغذية"

ارتفاع الكلف الاستيرادية انعكس بدوره بشكل مباشر على السعر النهائي للسلع (أ ف ب)

ملخص

رجاء، معلمة من طرابلس، قالت إنها لم تعد قادرة على توفير متطلبات بيتها، بسبب الغلاء الذي وصفته بالفاحش، مشيرة إلى أن سعر الصندوق الواحد من البيض قفز من 25 ديناراً (4.16 دولار) إلى 33 ديناراً (5.6 دولار) في يوم واحد بسبب ارتفاع الدولار وانهيار الدينار الليبي.

حل شهر رمضان في ليبيا هذا العام وهي لا تزال تمر بتوتر أمني وتذبذب اقتصادي وانقسام سياسي بين حكومتين متنافستين على الأرض واحدة في الغرب بقيادة عبد الحميد الدبيبة، والثانية شرق البلد، برئاسة أسامة حماد، وحتى المظاهر الاحتفالية المتمثلة في أصوات الألعاب النارية وتزيين الأسواق التجارية، لم تنجح في إخفاء شبح الأزمة المالية الذي أحكم قبضته على الأسر الليبية، لا سيما متوسطة ومحدودة الدخل.

انهيار الدينار 

وصلت قيمة الدولار الأميركي أمس الإثنين في السوق الموازية للعملات الأجنبية، إلى 10 دنانير، مقابل 6 دنانير في مصرف ليبيا المركزي الذي سارع من جهته مساء الأحد إلى اعتماد الضريبة المقترحة من مجلس النواب على المواد الغذائية والأغراض الشخصية.

ولجأ مصرف ليبيا المركزي في 18 يناير (كانون الثاني) الماضي إلى خفض قيمة الدينار الليبي للمرة الثانية خلال 9 أشهر بنسبة تقدر بـ14.7 في المئة "للحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي وضمان استدامة الموارد العامة". 

وتتخبط ليبيا في ازدواج الإنفاق خارج الأطر المالية المعمول بها بسبب تواصل غياب موازنة موحدة في البلد، وحمل رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة مساء أمس الإثنين، مسؤولية الأزمة الاقتصادية للإنفاق الموازي الذي بلغ 70 مليار دينار في 2025 (11.66 مليار دولار) وقال، حذّرت سابقاً من أن السياسة النقدية وحدها لن تكفي إذا لم يُضبط الإنفاق، مطالباً محافظ المصرف المركزي بإيقاف "أي قرار يزيد العبء على المواطن، حتى معالجة السبب الحقيقي للمشكلة".

وأكد الدبيبة أن الحل هو الالتزام بالاتفاق التنموي الموحد وتنفيذ مشاريع تنموية تتوافق مع قدرة الدولة المالية، قائلاً إنه يتحمل مسؤوليته كاملة أمام الشعب الليبي، وهو على أتم الاستعداد لأي حلول عملية تحمي العملة الرسمية.

من جهته، قال المحلل السياسي سعد الدينالي، إن ما قام به مصرف ليبيا المركزي من فرض للضريبة، هو بمثابة معالجة لأعراض ما يحدث وليس معالجة للداء الرئيس، ملاحظاً أن "المشكلة الأساسية سياسية، فانقسام السلطة التنفيذية وعدم وجود موازنة واحدة معتمدة، يعرف من خلالها أين تذهب الأموال وكيف تصرف هي الإشكالية الحقيقية"، محذراً من أن ما ذهب إليه المصرف المركزي الليبي من فرض الضريبة سيرهق المواطنين الليبيين، وطالب بسرعة توحيد الحكومة. 

غلاء الأسعار 

رجاء، معلمة من طرابلس، قالت إنها لم تعد قادرة على توفير متطلبات بيتها، بسبب الغلاء الذي وصفته بالفاحش، مشيرة إلى أن سعر الصندوق الواحد من البيض قفز من 25 ديناراً (4.16 دولار) إلى 33 ديناراً (5.6 دولار) في يوم واحد بسبب ارتفاع الدولار وانهيار الدينار الليبي، وتقول إنها اضطرت إلى تغييب عديد الأطباق التي كانت سيدة المائدة الرمضانية الليبية مثل "المبطن" و"البوريك" التي يتطلب تحضيرها مواد غالية الثمن مثل اللحم والبيض والزيت.

أما أحمد، وهو موظف، من جنوب ليبيا، فحلمه هو الحصول على قارورة غاز للطهي، حيث وصل سعرها إلى 100 دينار ليبي (16.66 دولار) في السوق السوداء بينما هي مسعرة من الدولة بـ1.5 دينار (0.25 دولار)، وقال إن زوجته تجد نفسها مجبرة على تحضير طبق شوربة العدس عوض الشوربة العربية المعروفة بها ليبيا لأن تجهيزها يتطلب اللحم وثمنه وصل إلى 80 ديناراً (13.3 دولار) وهو يتقاضى 2000 دينار (333 دولاراً) ويسكن في بيت بالإيجار وله 4 أطفال.

وتابع أن السفرة الرمضانية في الجنوب معروفة بتنوع أصنافها وتعددها، مثل البازين بلحم الماعز أو الخروف (دقيق شعير + لحم) والفتات الذي لا تكتمل نكهته إلا برقائق من العجين واللحم الأحمر.

إشكالية الغاز 

على رغم أن ليبيا تمتلك نحو 200 تريليون قدم مكعبة من الغاز المحتمل و70 تريليون قدم مكعبة احتياطيات مؤكدة، و129 مصدراً غير تقليدي، وفق تصريحات صحافية لوزير النفط والغاز الليبي خليفة عبد الصادق في أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، إلا أن مواطنيها يعانون شح السيولة وغياب الغاز الطبيعي بالبيوت، إذ شهدت العاصمة الليبية طرابلس ومختلف مدن الجنوب الليبي، اكتظاظاً أمام مستودعات التزود بقوارير غاز الطهي، بسبب غياب تجهيز البيوت الليبية بالغاز الطبيعي.

ودعت المبعوثة الأممية للدعم في ليبيا هنا تيتيه، أن يكون هذا الشهر باعثاً على العمل المشترك بين جميع الأطراف والمكونات في مختلف أنحاء البلاد وإعلاء لغة الحوار والتمسّك بمبادئ التوافق والمصالحة، قائلة "فليكن رمضان وقتاً لتضميد الجراح، وللإصغاء، ولتأكيد آمالنا المشتركة في مستقبل تسوده الوحدة والسلام والتفاهم".

وقالت تيتيه في إحاطتها السابقة أمام مجلس الأمن الدولي حول ليبيا في 18 فبراير (شباط) الجاري أن 30 في المئة من الشعب الليبي يعيشون في فقر (مجموع السكان 7 ملايين نسمة) متوقعة زيادة النسبة.

الكلف الاستيرادية

قال رئيس تحرير صحيفة "الحياة الاقتصادية"، محمد الصريط، إن ليبيا دولة مستنزفة تحت بند الدعم، والمواطن الليبي في حد ذاته غير منتج فهو يلجأ للمجال الحكومي للحصول على مرتب فقط، "فمن أصل 7 ملايين نسمة، نجد نسبة عدد الموظفين في الحكومة تقدر بـ3 ملايين موظف"، وأوضح أن الإشكالية الحقيقية ليست في ارتفاع الأسعار ولا في عدم القدرة على الشراء، بل في عدم إعادة هيكلة الاقتصاد الليبي، بحيث تسود ثقافة "اعمل وأنتج واكسب" لكن معضلة الدولة الليبية تتمثل في أنها تتكفل بتوفير كل شيء للمواطنين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونوه أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي هاني رحومة بأن هناك ارتفاعاً ملموساً في أسعار السلع الغذائية هذا العام مقارنة بالعام الماضي، إذ وصلت نسبة الزيادة إلى ما بين 20 إلى 30 في المئة، بسب جملة من العوامل منها تقلبات سعر الصرف وارتفاع الكلف الاستيرادية ما انعكس بدوره بشكل مباشر على السعر النهائي للسلع، بخاصة أن ليبيا تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات ولا توجد عندها سلع كافية تغطي الحاجات الأساسية.

وأشار رحومة إلى أن الأسر محدودة الدخل، وبخاصة أصحاب معاشات التضامن الذين يتقاضون 900 دينار ليبي (150 دولار) هي الأكثر تضرراً من ارتفاع الأسعار لأن الجزء الكبير من دخلها مخصص للغذاء والحاجات الأساسية، فأي زيادة في أسعار السلع ستؤدي مباشرة إلى تأثير في قدرتها الشرائية، أما الأسر متوسطة الدخل فهي تقوم بترتيب أولويات الإنفاق وستقلص المصرفات غير الضرورية بسبب ارتفاع الأسعار.

الحق في الغذاء 

الحقوقية منى توكا، أكدت أن انخفاض قيمة الدينار الليبي بنسبة 14.7 في المئة انعكس مباشرة على الأسعار، خصوصاً أن ليبيا تعتمد على الاستيراد في أكثر من 80 في المئة من حاجاتها الغذائية، ومع تجاوز سعر الدولار الأميركي في السوق الموازية حاجز 10 دنانير ارتفعت كلفة السلع المستوردة بشكل فوري، في المقابل لم ترتفع الرواتب بذات النسبة ما يعني أن القوة الشرائية تراجعت فعلياً، وأكدت أن الموظف الذي يتقاضى بين 1000 و1500 دينار شهرياً (166 و250 دولاراً) أصبح يجد أن إنفاقه على الغذاء وحده يقترب ويتجاوز هذا الرقم خلال شهر رمضان.

وتضيف توكا في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن التقديرات بحسب برنامج الأغذية تشير إلى أن متوسط الإنفاق على الغذاء بلغ نحو 953 ديناراً (168 دولاراً) في يناير الماضي، مع توقعات بتجاوزه 1200 دينار في رمضان (400 دولار)، وقالت إن هذا الرقم يلتهم الجزء الأكبر من دخل الأسرة المتوسطة وذلك من دون احتساب بقية الكلف، من إيجار ودواء ونقل، إضافة إلى ارتفاع أسعار اللحوم بنحو 50 في المئة مقارنة بالعام الماضي ووصل سعر الدجاج إلى نحو 30 ديناراً للكيلوغرام في عدة مناطق (5 دولارات) كذلك تضاعفت أسعار زيوت الطهي في أغلب المدن بسبب نقص العرض واضطراب سلاسل التوريد حتى أصبح الناس يلجؤون إلى بدائل مثل شحوم الحيوانات للطهي بها.

ونتيجة لارتفاع أسعار اللحوم بمختلف أنواعها، تقول المتخصصة بالمجال الحقوقي، إن الكثير من العائلات تلجأ إلى تقليص استهلاك البروتينات واستبدالها بمواد نشوية أقل كلفة ما يؤدي إلى تراجع في الجودة الغذائية، وهو أمر يمكن وصفه بسوء التغذية المستتر حيث لا يظهر الجوع بشكل واضح لكن القيمة الغذائية تنخفض تدريجاً.

ودعت الدولة للالتزام بحماية "الحق في الغذاء"، عبر منع الاحتكار والمضاربة وضمان استقرار السوق، وتؤكد أن الإعلان عن تدخلات مثل تخصيص موازنة تقارب 100 مليون دولار لدعم الأسعار عبر صندوق موازنة، يبقي إجراء محدوداً إذا لم تصاحبه رقابة صارمة وسياسات اقتصادية أوسع تعالج جذور التضخم واختلال العرض والطلب. وتابعت أن الجمعيات والمبادرات الخيرية توسعت هذا العام لتغطية أعداد أكبر من الأسر ما يعكس اتساع دائرة المتضررين، غير أن هذه المبادرات تبقى حلولاً إسعافية لن تكون بديلاً عن إصلاحات اقتصادية هيكلية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير