Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

300 فصيل مسلح و29 مليون قطعة سلاح… ليبيا تحت ثقل الفوضى

فشلت الحكومات المتعاقبة في إبعاد المقار العسكرية من الأحياء على رغم الوعود ومحللون: السلاح أصبح النظام نفسه

استعراض لمركبات "لواء طرابلس"، وهي ميليشيا موالية لحكومة الوفاق الوطني، طرابلس، 10 يوليو 2020 (أ ف ب)

ملخص

خرج الليبيون في مناسبات عدة للتعبير عن رفضهم وجود المعسكرات ومخازن الذخيرة والسلاح داخل الأحياء السكنية، بخاصة بعد سقوط ضحايا بشرية بسبب هذه الإشكالية وآخرها مقتل طفلة وجرح طفل آخر في صرمان بصبراتة الأسبوع الماضي بسبب انتشار السلاح خارج الأطر القانونية.

ينتشر على طول المنطقة الغربية الليبية عدد من المعسكرات التابعة للفصائل المسلحة، التي يفوق عددها في كامل التراب الليبي 300 فصيل، بينما تقدر الأسلحة خارج الأطر القانونية بنحو 29 مليون قطعة سلاح، وفق تقديرات أممية. 

وفي العاصمة طرابلس تتوزع خريطة المعسكرات بين معسكر التكبالي ومعسكر حمزة ومعسكر اليرموك ومعسكر النقلية ومعسكر الـ77، الذي أمر رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة بإزالته في مايو (أيار) المقبل وضمه إلى مشروع "الحياة بارك"، ليكون فضاء مفتوحاً للمواطنين ضمن خطة شاملة لإعادة تنظيم المدينة.

يذكر أن معسكر الـ77 كان يستغله جهاز دعم الاستقرار، الذي تم حله بعد مقتل قائده عبدالغني الككلي الملقب بـ"غنيوة"، إضافة إلى معسكرات أخرى في كل من الزاوية وصبراتة ومصراتة وغيرها من المدن الليبية.

معضلة إخراج التشكيلات 

وخرج الليبيون في مناسبات عدة للتعبير عن رفضهم وجود المعسكرات ومخازن الذخيرة والسلاح داخل الأحياء السكنية، بخاصة بعد سقوط ضحايا بشرية بسبب هذه الإشكالية وآخرها مقتل طفلة وجرح طفل آخر في صرمان بصبراتة الأسبوع الماضي بسبب انتشار السلاح خارج الأطر القانونية. سبقتها وقفة احتجاجية بمنطقة السكيرات بمدينة مصراتة (شرق طرابلس) للمطالبة بإخراج التشكيلات المسلحة وإبعاد مخازن السلاح والذخيرة عن المناطق المدنية إثر إصابة 16 شخصاً بجروح نتيجة انفجار مخزن للذخيرة. 

 وقال وزير داخلية حكومة الدبيبة عماد الطرابلسي، الإثنين الماضي، إن مدن الساحل الغربي باتت خارجة عن السيطرة بسبب التشكيلات المسلحة، وهو تصريح وصفه أعيان منطقة الساحل الغربي بالشاهد على فشل الطرابلسي كوزير للداخلية، داعين إياه إلى تقديم استقالته، ومحملين إياه المسؤولية الكاملة عما وصفوه بالانهيار الأمني في المنطقة، وفق ما جاء في بيان لهم.

 

وأثار تصريح وزير داخلية حكومة الوحدة الوطنية بدوره حفيظة قادة التشكيلات المسلحة في المنطقة الغربية، إذ وصف آمر الكتيبة 103 بمدينة الزاوية عثمان اللهب، التصريح بـ"المبالغ فيه"، مضيفاً "اليوم تهددون بمسح الساحل الغربي، وقد بلغ السيل الزبى، وكل الساحل الغربي جاهز للحرب".

وفي يونيو (حزيران) 2025، دعا وزير الداخلية المكلف في حكومة الوحدة الوطنية عماد الطرابلسي، إلى حل جميع التشكيلات المسلحة في ليبيا بصرف النظر عن تسمياتها، ودمج عناصرها في مؤسستي الجيش والشرطة.

وأعلن الطرابلسي في فبراير (شباط) 2024 عزمه إخراج التشكيلات المسلحة من العاصمة الليبية طرابلس وإعادتها إلى مقارها وثكناتها الرسمية، وجاءت محاولة الطرابلسي بعد مجزرة أبو سليم (في منطقة أبو سليم بطرابلس)، التي راح ضحيتها 10 أشخاص في ظروف غامضة.

بعدها قرر رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة في أغسطس (آب) 2024 تشكيل لجنة عليا للترتيبات الأمنية برئاسة وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي، للإشراف على سحب وعودة جميع الأجهزة والألوية الأمنية والعسكرية إلى مقارها الرسمية، حسب القرار رقم 379 لسنة 2024.

محاولات حكومية سبقتها أخرى أممية قادها المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، لكنها باءت جميعاً بالفشل لأسباب عدة، تقول كبيرة المحللين لشؤون ليبيا في مجموعة الأزمات الدولية كلوديا غازيني، إن من أبرزها اشتداد عود الحكم الذاتي مقارنة بمحاولة سيطرة حكومة الوحدة الوطنية على كامل التراب الليبي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضافت غازيني لـ"اندبندنت عربية" أن حكومة الدبيبة فشلت في تطبيق قرار إخراج التشكيلات المسلحة من الأحياء المدنية الذي خرج للعلن منذ عام 2024، بسبب القوة التي تتمتع بها التشكيلات المسلحة في مدن عدة على غرار الزاوية وصبراتة، مما يسمح لها بإبقاء ترسانتها المسلحة داخل مدنها.

وذهب وكيل وزارة الخارجية السابق حسين الصغير إلى أن غياب السلطة وانهيارها منذ انقلاب "فجر ليبيا" عام 2014 يبقى من أهم العوامل التي عطلت معالجة ظاهرة انتشار التشكيلات المسلحة داخل الأحياء السكنية، مما جعل أية خطوة تتخذ في العاصمة طرابلس مفرغة من محتواها الحقيقي، مما يضعها في خانة التجميل وليس المعالجة الحقيقية، وفق ما جاء على لسانه.

ونوه بأن إنهاء المعسكرات الخارجة عن القانون يحتاج إلى جيش ليقضي على المجاميع المسلحة والميليشيات ويحتكر القوة كما حدث في برقة (شرق) وفزان (جنوب) الواقعتين تحت سيطرة قوات الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر. 

بديلاً عن الدولة

حول فشل الحكومات الليبية المتعاقبة في إبعاد المقار المسلحة ومخازن السلاح عن الأحياء السكنية، رأى رئيس الائتلاف الليبي - الأميركي فيصل الفيتوري، أن الأمر ليس خطأ حكومة بعينها ولا تقصيراً إدارياً ولا إخلاف وعود، بل نتيجة حتمية لمسار تاريخي وجغرافي واجتماعي واقتصادي صنع دولة بلا مؤسسات وسلطة بلا سيادة وشباباً بلا أفق وسلاحاً بلا رادع.

وأضاف لـ"اندبندنت عربية" أن ليبيا لم تعرف في تاريخها الحديث دولة مؤسسات حقيقية، فمنذ الحقبة العثمانية كانت هامشاً إدارياً بلا مشروع دولة، ثم جاء الاحتلال الإيطالي ليكسر المجتمع ويستنزف الإنسان ويزرع القمع لا التعليم، لتخرج ليبيا من الاستعمار بشعب قليل العدد مقارنة بجغرافيا شاسعة وموارد ضخمة بلا تراكم علمي ولا إداري ولا مؤسسي يسمح بقيام دولة حديثة، وحتى بعد الاستقلال عام 1951 لم تبن دولة مؤسسات بل نشأت شللية سياسية محدودة، ثم انقلب المشهد إلى ديكتاتورية مطلقة في عهد معمر القذافي (1969) الذي لم يحكم فقط بالاستبداد، بل حارب فكرة الدولة نفسها فألغى الجيش ودمر المؤسسات وقطع المجتمع عن الثقافة والعلم وجوع الناس مادياً وفكرياً على مدى 42 عاماً، فخرج الليبي من تلك المرحلة بلا خبرة دولة ولا ثقافة قانون ولا ثقة في السلطة ولا معنى للسلاح إلا كوسيلة بقاء لا كأداة سيادة.

وتابع رئيس الائتلاف الليبي - الأميركي أنه عندما سقط نظام القذافي لم تسقط الدولة بل انكشف الفراغ في لحظة إقليمية ودولية قبلت الفوضى كمرحلة انتقالية ضمن ما سمي "التحولات الكبرى" في الشرق الأوسط، فدخلت ليبيا هذه المرحلة بلا مؤسسات ولا جيش ولا نخبة دولة، وتحولت الفوضى إلى بيئة حاضنة للسلاح لا إلى جسر عبور للدولة.

وأكد أن العامل الأخطر وراء تغذية إشكالية المعسكرات المسلحة هو العامل الديموغرافي والاجتماعي، باعتبار أن ليبيا دولة فتية أكثر من 60 في المئة من سكانها دون سن الـ30، أي شباب يعيش في دولة بلا مؤسسات ويعاني بطالة مرتفعة وفقراً وعوزاً وانعدام أفق، هذا الخليط كان البنزين الحقيقي الذي غذى الميليشيات، بخاصة أن صفة ميليشياوي لم تكن لمجرد حمل السلاح، بل وظيفة وهوية وراتب وسلطة وانتماء في دولة لم تقدم شيئاً للشباب.

 

وقال الفيتوري إن المقار المسلحة داخل الأحياء لم تكن حالاً طارئة بل تحولت إلى بديل عن الدولة ومركز نفوذ واقتصاد وحماية، لأن السلاح في ليبيا لم يكن خارج النظام ولكنه أصبح النظام نفسه، والحكومة المركزية في طرابلس تحولت إلى رهينة لا حكومة يفترض أنها مركز الدولة، فهي محاطة بعشرات التشكيلات المتوغلة في كل مفصل أمني ومالي وإداري وسياسي، منوهاً بأن الحكومة لا تستطيع محاربة هذه التشكيلات لأنها ببساطة ستقاتل نفسها.

وأشار إلى أن جميع رؤساء الحكومات السابقة في المنطقة الغربية أخطأوا لاختيارهم حلولاً غير منطقية بين الاسترضاء العشوائي والدمج من دون تفكيك، لتصل في حالات أخرى إلى التصعيد من دون قوة، مؤكداً أنها حلول فاشلة باعتبار أنها لم تعالج أصل المشكلة المتمثلة في غياب الدولة والمؤسسة العسكرية وعشوائية المجال الاقتصادي وعدم استقلالية القرار السياسي وغياب دمج الشباب.

ونوه الفيتوري بأن المجتمع الدولي أسهم في تعميق إشكالية المعسكرات المسلحة في ليبيا، فالدول الأوروبية تعاملت مع البلد كملف مصالح لا كدولة، مشيراً إلى أن إيطاليا تفاوضت مع ميليشيات الهجرة، فيما دخلت كل من بريطانيا وفرنسا في علاقات أمنية وسياسية مع قوى ليبية كل حسب مصلحته، وأصبح لكل دولة نفوذ غير مباشر داخل العاصمة الليبية، ومع هذا التجاذب لم تعد أية حكومة ليبية قادرة على فرض قرار سيادي كإخلاء المقار المسلحة، لأن تنفيذه يعني صداماً داخلياً وخارجياً في آن.

وقال إن حكومة الوحدة الوطنية تدرك أن المواجهة المباشرة مع التشكيلات المسلحة تعني انفجار العاصمة فاختارت سياسة الاحتواء وإعادة التقنين، ونجحت جزئياً في تفكيك بعض التشكيلات (جهاز دعم الاستقرار) وتقليص الاشتباكات، لكنها اصطدمت بالحقيقة الصلبة المتمثلة في غياب جيش موحد، وعدم وجود توافق إقليمي وبيئة اجتماعية جاهزة لقرار سيادي حاسم، لذلك بقيت وعود إخلاء المقار المسلحة معلقة لأن تنفيذها من دون تغيير المعادلة يعني الفوضى لا الأمن. 

ورأى أن المشهد في شرق ليبيا بدا مختلفاً، لأن وجود جيش منظم وقيادة موحدة فرض احتكار السلاح فغابت الميليشيات واستقر الأمن نسبياً، وهذا الفارق وحده يشرح سبب فشل الحكومات في طرابلس حيال هذا الأمر.

الحل تغيير المعادلة

وذهب الفيتوري إلى طرح مفاده أنه لا يمكن إخراج التشكيلات المسلحة من الأحياء المدنية بقرار وزاري ولا بخطاب سياسي ولا حتى بنية حسنة، مشيراً إلى أن الحل يكمن في تغيير المعادلة كاملة، إذ تكون البداية بتشخيص سبب وجود الميليشيات داخل المدينة لا بمحاربتها داخل الأحياء السكنية، وذلك عبر تجفيف اقتصاد السلاح وقطع التمويل والامتيازات وربط أي راتب أو صفة رسمية أو عقد حكومي بشرط الإخلاء الكامل للمقار داخل الأحياء المدنية، ثم توفير بدائل سيادية حقيقية خارج المدن على شكل مناطق تشغيل وتخزين وتنظيم أمني تابعة للدولة لمن يقبل الاندماج الحقيقي، مع فتح مسارات وظيفية حقيقية للشباب في الجيش والشرطة وحرس الحدود والبنية التحتية.

وأضاف أن معالجة ظاهرة المعسكرات ومخازن الذخيرة والسلاح داخل الأحياء السكنية تبدأ بحل أزمة الشباب، إذ لا يمكن إخراج السلاح من الأحياء والشباب بلا عمل، لذلك يجب تحويل جزء كبير من موازنات الأمن إلى برامج تشغيل حقيقية لأن الميليشيات كانت وظيفة لعدد من الشباب الليبي قبل أن تكون سلاحاً.

ودعا إلى كسر مركزية طرابلس الأمنية والإدارية، لأن بقاء العاصمة مركز كل شيء يجعلها رهينة الحل المتمثل في توزيع مراكز القوة والمؤسسات حتى لا تبقى الحكومة محاصرة داخل المدينة. وختم منوهاً بأن الحكومات لم تفشل لأنها لا تريد النجاح، بل لأنها تعمل داخل معادلة مستحيلة تبدأ من تاريخ مشوه جغرافياً، وشباب بلا أفق، وسلاح بلا رادع، وتنتهي بتدخلات دولية متضاربة، فإخراج المقار المسلحة من الأحياء لن يتم إلا عندما تصبح الدولة خياراً أفضل من الميليشيات، وعندما يصبح السلاح عبئاً لا وظيفة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير