ملخص
أوكرانيا، على رغم الصدمة الأولى للغزو الروسي، أثبتت قدرة لافتة على الصمود عبر مقاومة شرسة وابتكارات عسكرية واسعة، خصوصاً في حرب المسيرات. وبينما يتراجع الدعم الأميركي وتتأخر أوروبا، تواصل كييف الدفاع عن جناح القارة الشرقي وتطالب بضمانات تمنع تكرار الاعتداءات الروسية.
تناهى إلي عبر سماعة الأذن دوي انفجارات إطلاق الصواريخ أثناء تصويرها وبثها مباشرة حول العالم، بالتزامن مع تغطية زميلي في التلفزيون للهجوم الروسي، حدث ذلك في صباح اليوم الذي أمر فيه فلاديمير بوتين بشن غزو شامل في أوكرانيا.
وفيما كنت واقفاً قبيل الفجر في البرد القارس على شرفة تطل على ساحة الحرية في خاركيف قبل أربع سنوات، لم تكد تمر دقيقة قبل أن أبدأ بنقل أخبار تلك الصواريخ حين انفجرت عند سقوطها.
امتلأ الأفق باللون البرتقالي قبل أن يتعالى صوت دوي قوي، تلاه صوت انفجار الصواريخ. صواريخ انطلقت من روسيا، لتستهدف ثاني أكبر المدن الأوكرانية.
كانت قذائف "بي إم-30 سميرتش" BM-30 Smerch من أسوأها، فقد نثرت قنابل عنقودية، وملأت المدينة بكرات ذهبية قاتلة. كما كانت صواريخ "بي إم-212 غراد" BM-212 Grads، وهي قاذفات صواريخ متعددة الفوهات وقديمة الطراز تعرف باسم "أرغن ستالين"، مرعبة أيضاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
علا صفير الصواريخ المتساقطة على شكل أسراب من السماء، لتنزل كالرماح على المناطق السكنية، فتقتل وتحرق كل شيء قبل تقدم المشاة الروس.
خلال اليومين التاليين، اقتحمت القوات الروسية مناطق شمال شبه جزيرة القرم باتجاه خيرسون، وما لبثت أن تخطت حدودها، واندفعت من دونيتسك لتظهر في شوارع خاركيف.
وكنت أسمع أصوات الاشتباكات المسلحة، وأصوات المدافع الرشاشة التي تشبه أصوات المناشير الكهربائية، وأصوات انفجارات القذائف الصاروخية. واعتقد الجميع أن الروس سيستولون على هذه المدينة، وعلى العاصمة، في غضون أيام قليلة، وقد أدى هذا الاعتقاد إلى مقتل كثير من الروس.
سمعنا عن فريق استطلاع اقترب من ساحة الحرية، حيث وقع في كمين نصبته الشرطة المحلية باستخدام قاذفات صواريخ وبنادق. سقط جندي روسي من مركبته، والنار تشتعل في جسده. هرعت مجموعة من البابوشكا (الجدات)، اللاتي كن على الأرجح من الناطقات باللغة الروسية، نحو الرجل المحترق، وضربنه بعصي المكانس حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.
كان ذلك المشهد بمثابة تجسيد مجازي لدفاع أوكرانيا عن نفسها.
بعد أن غزاها بوتين للمرة الأولى عام 2014، وقعت شبه جزيرة القرم في قبضة روسيا. في ذلك الوقت، تراجع حلفاء أوكرانيا عن الضمانات الأمنية التي منحوها للديمقراطية الفتية، ومنع عدد منهم، مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة، كييف من شراء أسلحة فتاكة.
علمت المخابرات البريطانية والأميركية أن الكرملين ينوي غزو أوكرانيا بأكملها عام 2022، وحذرتا فولوديمير زيلينسكي من أن الروس قادمون. لكن يبدو أنه لم يصغ إلى التحذيرات، وكانت قواته المسلحة في حالة استرخاء تام على الحدود شمال خاركيف.
قلت لعقيد التقيته قبل يومين من غزو روسيا لأوكرانيا "لا أرى كثيراً من الاستعدادات للتصدي للغزو"، فأجابني "لا يفترض بك أن تراها"، لكن لم تظهر أية علامات على وجود دفاعات، لأنها لم تكن موجودة فعلاً.
أصيبت أوكرانيا بالصدمة، لكن شعبها أعاد للبلاد توازنها. سارعت بعض الوحدات العسكرية إلى خوض معارك اعتبرها المستشارون الغربيون استثنائية، مثل الدفاع الشرس عن قاعدة هوستوميل الجوية ضد الهجمات الجوية المكثفة التي شنتها قوات المظليين وقوات النخبة "سبيتسناز" الروسية، شمال غربي كييف.
وفي أماكن أخرى، أعاد الشبان الذين حاربوا في السنوات الأولى من الصراع تنظيم أنفسهم ضمن فرق صغيرة توزعت على شاحنات صغيرة وحشدوا عائلاتهم داخل الأراضي المحتلة للتجسس على الغزاة، وتصدوا لأرتال الدبابات والمشاة الروس.
في جميع أنحاء العالم، ظهرت لقطات للكمائن التي نصبت لهذه الأرتال، وشكلت إشارات صغيرة على أن المساعدات العسكرية الضئيلة التي قدمتها بريطانيا والولايات المتحدة قد أحدثت تأثيراً هائلاً. فقد استهدفت صواريخ "جافلين" Javelin الأميركية و"نلاو" NLAW البريطانية المضادة للدبابات بالأرتال المدرعة وأعاقت تقدمها.
وقد أنقذت خاركيف وسومي وكييف على يد وحدات من المغامرين الشجعان الذين شنوا غارات شبيهة بغارات القوات الخاصة البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية، كانت لها أهمية استراتيجية أكبر بكثير من أية عمليات نفذتها القوات الخاصة البريطانية حديثة النشأة في سنواتها الأولى.
في الجنوب، نظم القرويون هجمات مضادة خاصة بهم، مستحضرين فظائع المجاعة الكبرى التي تسببت فيها موسكو للشعب الأوكراني في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي، ومحولين تلك الذاكرة إلى غضب تحت شعار "لن يمروا إلا على جثثنا" يجمعهم ويشد من صمودهم.
بحلول صيف عام 2022، أعادت القوات الوطنية الأوكرانية تنظيم صفوفها، وشنت هجوماً مضاداً، فاستعادت مساحات شاسعة من الأراضي في عمليات خاطفة.
منذ ذلك الحين، دخلت أوكرانيا في مرحلة شبه جمود من الرعب الطاحن، تلاها ظهور بعد جديد ومؤرق للنزاع يقوم على استخدام الطائرات المسيرة، أعاد فيه الطرفان ابتكار صورة الحرب الحديثة.
طوال هذه الفترة، كانت أوكرانيا تتولى وحدها ميدانياً حماية الجناح الشرقي لأوروبا في مواجهة روسيا. وعلى الصعيد السياسي، كان الأوكرانيون يدفعون ثمناً باهظاً بحياتهم في معركة تهدف إلى وقف ترسيخ مبدأ أن "القوة تبرر كل شيء"، قبل أن يواصل هذا المبدأ تقدمه على جنازير الدبابات.
لم يكن أحد هنا يتصور أن دونالد ترمب سيدعم بقوة العقيدة الداروينية للكرملين، لكنه فعل ذلك، إنه يحب دعم الفائزين. ويبدو أنه اختار أحدهم، لا شك أن إدارة ترمب تسببت في مقتل عدد أكبر من الأشخاص في أوكرانيا من خلال وقف المساعدات العسكرية الأميركية للبلاد وتقويض قدرتها على الدفاع عن نفسها، مما كان سيحدث لو استمر في دعم كييف.
في غضون ذلك، تأخرت سائر دول الغرب في استيعاب الخطر الاستراتيجي الذي يشكله استيلاء بوتين على الأراضي، والرعب السياسي الذي يمكن أن تجلبه عقيدة بوتين - ترمب على العالم.
أولاً، تأخر حلفاء أوكرانيا في الموافقة على إرسال أي نوع من الأسلحة لها، ولكن عندما وصلت الصواريخ المضادة للدبابات أخيراً، استخدمت على الفور.
ظهر رجال مثل الملقب بـ"غرامبتي" Grumpty، مهندس البرمجيات السابق، الذي تعلم بنفسه كيفية قيادة دبابة روسية من طراز "تي-82" من خلال مشاهدة مقاطع فيديو على موقع "يوتيوب". وبالتعاون مع آخر ملقب بـ"أخيل" Achilles، الذي قتل في صيف عام 2022، ومجموعة صغيرة من الرجال، دمر "غرامبتي" 14 ناقلة جنود مدرعة ودبابة روسية في ليلة واحدة.
كانت زوجة أحد أعضاء الفريق الأوكراني هي من رصدت الروس، فحدد "أخيل" الأهداف وأبلغ "غرامبتي" بالإحداثيات، ففتح الأخير النار على الغزاة مرة تلو الأخرى. أثار هذا النوع من الأعمال إعجاب الجمهور. لكنه لم يزود أوكرانيا بالأسلحة التي تحتاج إليها للفوز، بل بالكاد كان كافياً لتأمين صمودها.
بينما دكت روسيا قوات كييف بمئات قذائف المدفعية، استغرق الأمر أشهراً حتى وصلت تبرعات صغيرة من الأسلحة القديمة من الغرب الديمقراطي، وكان استخدام الصواريخ بعيدة المدى خاضعاً لقيود وشروط.
في باخموت، قاتل الأوكرانيون والمتطوعون الأجانب أعداداً كبيرة من الأسرى والمجندين الروس الذين أجبروا على شن "هجمات انتحارية". وصف كيفن، أحد المتطوعين الأميركيين، بامتعاض كيف قتل، على مدى أسبوع، ما بين "20 إلى 40 شخصاً في اليوم".
لكن روسيا هاجمت الأوكرانيين بقنابل من طائرات وصواريخ بعيدة المدى أطلقت من الأراضي الروسية، التي كان يحظر على الأوكرانيين استخدام أية معدات أجنبية لاستهدافها. بعد أن اضطرت أوكرانيا إلى التكيف أو الموت، أصبحت الآن الرائدة عالمياً في حرب الطائرات المسيرة وهي تسيطر على البحر الأسود من دون أن تمتلك أسطولاً بحرياً مكوناً من سفن وطواقم بحرية.
بعد أن تكبدت خسائر بلغت نحو 1.2 مليون جندي، باتت حرب بوتين كارثة بالنسبة إلى موسكو، كما أصبح حلف "الناتو" أكبر بعد انضمام فنلندا والسويد إليه.
لقد عوضت أوروبا خسارة الدعم العسكري الأميركي، إذ تعهدت بتقديم 250 مليار يورو (219 مليار جنيه استرليني) مقارنة بإجمالي الإنفاق الأميركي البالغ 115 مليار دولار (85 مليار جنيه استرليني)، ويخصص جزء كبير من هذه الأموال للدفاع الجوي.
ثم غير بوتين استراتيجيته وبدأ باستهداف المدنيين وتدمير شبكات الطاقة في أوكرانيا، في محاولة لكسر إرادة شعبها. خارج أوكرانيا، تمكن من صياغة جزء كبير من النقاش الدائر حول الحل الدبلوماسي، وخلق رواية مفادها بأن أوكرانيا لا تستطيع الانتصار وعليها أن تطلب السلام، وأن تتنازل عن 20 في المئة من أراضيها في الأقل.
أثناء سفري من نيكوبول إلى خاركيف عبر المنطقة العازلة التي تطالب بها روسيا الآن، في مقابل التفكير في وقف إطلاق النار، أدركت بوضوح أن معظم الأوكرانيين يريدون الآن السلام، لكن لم يقل أحد منهم أن أمن أوكرانيا يستحق التضحية بالسلام.
يصر زيلينسكي وحلفاؤه الأوروبيون على أن أوكرانيا بحاجة إلى ضمانات أمنية، للتأكد من أن روسيا لن تهاجمها مرة أخرى ولن تحاول تحقيق رؤية بوتين بإعادة استعمار البلاد، ويزعمون أن الطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي وضع البلاد تحت مظلة أميركا الأمنية.
لكن من المستحيل الاعتماد على الولايات المتحدة لحماية أوكرانيا، ناهيك بإرسال قوات للقتال في حالة تعرضها لغزو جديد. يجب أن تقع هذه المهمة على عاتق جيران أوكرانيا الأوروبيين وحلفائها في الغرب، لقد أظهرت أوكرانيا ما يمكنها فعله بموارد قليلة، تخيلوا ما يمكنها فعله إذا حصلت على مزيد من المساعدة من أصدقائها.
© The Independent