ملخص
يفضّل طلاب جامعيون نصاً كتبه الذكاء الاصطناعي على نص إنساني لأنه أكثر ترتيباً وأوضح حجة، رغم افتقاره إلى الروح والفرادة. لكن التجربة كشفت أن بعضهم لم يلتقط منذ البداية جوهر الكتابة الجيدة المتمثل في بصمة الكاتب الخاصة وتفرّده، وربما لهذا السبب تحديداً ما زالت هاتان الميزتان تحتفظان بقيمتهما حتى اليوم.
القلق إحدى أخطار المهنة بالنسبة إلى الكاتب، فأنا أكسب رزقي من الكتابة منذ ثلاثة عقود، ولا أذكر وقتاً لم يكن القلق ملازماً لها.
عندما بدأت مسيرتي كان همي إقناع محرري الأقسام بأن يمنحوني فرصة الكتابة، ولاحقاً ظهر القلق من أن يبقى قلمي محصوراً في قالب واحد، ومن انعدام الاستقرار المالي الذي لا ينفك يلاحق الكاتب المستقل، ومن ألا أجد من يعطيني مساحة أكتب فيها بحرية ما أشاء، واليوم لاتزال هذه الهواجس تقض مضجعي ولكن انضم إليها قلق أحدث: أن يحل الذكاء الاصطناعي محلي.
إضافة إلى عملي في الكتابة أعطي دروساً في مادة الأدب الواقعي في "كلية لندن الجامعية" UCL، وأحاول أن أقنع طلابي بأن الإصرار على أن يصبح المرء كاتباً في زمن "تشات جي بي تي" ليس ضرباً من الجنون، وعلى رغم التحذيرات القاتمة في شأن تهديدات الذكاء الاصطناعي، فكثيراً ما كنت أؤمن بأنه عاجز حتى الآن عن مضاهاة ما يجعل الكتابة العظيمة عظيمة، ولا حتى ما يمنح الكتابة المتفردة فرادتها.
أردت أن أثبت صواب وجهة نظري لطلابي فابتكرت تجربة كنت آمل أن تكشف قصور الذكاء الاصطناعي، وطلبت إليهم قراءة نصين: الأول كان عموداً صحافياً أتأمل فيه كيف أنني، في عام 2026 شديد التقلب، أجد السكينة في الأمور المألوفة والثابتة، أما النص الآخر فكان من إنتاج "تشات جي بي تي" بعدما سألته أن يكتب 700 كلمة تتبنى الفكرة ذاتها، "مستخدماً أسلوبي أنا سرفراز مانزور".
طبعت النصين بالخط نفسه والتنسيق، وكانت غايتي بسيطة وهي تبيان أن النصوص التي يكتبها الذكاء الاصطناعي، على رغم سهولة إنتاجها المغرية، تكون متقنة في صياغتها وإنما خالية من الروح، وأردت من طلابي أن يقارنوا خصوصية كتابتي وخفة ظلها وروح الدعابة فيها وانسياب إيقاعها بالكتابة التي أنتجها روبوت الدردشة، وافترضت أن أي قارئ يمتلك حداً أدنى من الفطنة سيلاحظ تفوق نصي من النواحي كافة، وأقله كانت هذه الخطة.
منحت الطلاب وقتاً كافياً لقراءة النصين ثم طلبت منهم الإدلاء بآرائهم، ولكنني فوجئت بحق عندما فضّل معظمهم نسخة الذكاء الاصطناعي، معتبرين أنها أقوى في الحجة وأكثر تماسكاً وأوسع أفقاً، أما الطعنة الحقيقية فكانت حين أخبرني بعضهم أن نسخة الآلة "أكثر صدقاً في التعبير عن النفس" من نصي أنا!
شعرت بخيبة موجعة أن يبدو نص صاغته خوارزميات أكثر "بوحاً وذاتية وأقرب إلى الوجدان" من نص كتبه إنسان، وعندما كشفت لهم أن النص الأول لي بينما الثاني من صنع الذكاء الاصطناعي، خيّم صمت وجيز فيما كانوا يحاولون استيعاب الأمر، وبدت الصدمة واضحة على وجوه كثير منهم، وربما تساءل بعضهم في قرارة نفسه "هل يمكنني استرداد الرسوم التي دفعتها لقاء دراستي في هذه الجامعة؟"، ثم شرحوا وجهة نظرهم لمّا كان معظمهم طلاباً دوليين وغالبيتهم صينيون، وكانت الإشارات الثقافية التي أدرجتها في نصي غريبة تماماً عن عالمهم، فلم يسمعوا قط بأغنية "ديسكو 2000" لفرقة "بولب" Pulp البريطانية، ولا بالمؤثرة بوني بلو، ولا حتى بالسياسي نايجل فاراج، وهكذا فإن التفاصيل التي استعنت بها آملاً بأن يلامس نصي القرّاء، شكّلت الحاجز الذي حال دون تفاعلهم معه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أعترف أنني في البداية شعرت بإحباط وخيبة لأن الطلاب آثروا نسخة الذكاء الاصطناعي التي تحاول تقليد أسلوبي على نصي الحقيقي، ولكن حين تحققت من أسباب تفضيلهم النص الثاني بدأ الأمل يتسلل إليّ، واتضح أنهم تعلموا أن يثمّنوا الكتابة التي تُرشد القارئ بإشارات واضحة وتتحرك بسلاسة من نقطة إلى أخرى، وتكون منزوعة من الشخصية أو الحدّة، كتابة تشبه المقالة الأكاديمية.
أما نصي، فعلى النقيض، كان يرتكز على ذاكرة جمعية ومرجعيات ثقافية مشتركة ولم يخلُ من روح الدعابة، وكان الطلاب من ذوي الثقافة الإعلامية، أولئك الذين أخبروني أنهم يواظبون على قراءة الصحف، الأقل اقتناعاً بنسخة الذكاء الاصطناعي، إذ وصفها أحدهم بأنها باردة، ورآها آخرون باهتة لا تترك أثراً في النفس، بينما لاحظ كثر أنه من المستحيل التكهن بزمن كتابتها، وفي المقابل اقتبس أحد الطلاب جملة من نصي واصفاً إياها بأنها عصية على النسيان، وحفزت كلماتي طالباً آخر على الاستماع إلى أغنية "ديسكو 2000" للمرة الأولى.
بكلمات أخرى كان نص الذكاء الاصطناعي متقناً لكنه عابر، بينما تطلب نصي جهداً أكبر من القارئ ولكنه منحه تجربة أكثر متعة، فقدّم الذكاء الاصطناعي وهم العمق مغلفاً ببديهيات باهتة تظهر بمظهر رؤى عميقة، وبالنسبة إلى بعض الطلاب كان هذا التظاهر بالمعرفة كافياً.
ولكن، تماماً كما أخبرت طلابي، حتى لو أن نص الذكاء الاصطناعي انطلى عليهم فأنا أشك كثيراً في أنه كان ليخدع المحرر الذي كلفني بكتابة المقالة، ولو كنت قدمت النسخة الثانية فلربما قيل لي إنها تحتاج إلى مزيد من الصقل وإلى صبغة شخصية وحضور ذاتي أوضح، وإنها تفتقر إلى صوت مؤلف حقيقي.
هل يحل الذكاء الاصطناعي محلي يوماً ما؟ احتمال قائم ولكن ليس حتمياً، أما مهمتي لما بقي من الفصل الدراسي فهي أن أعلم طلابي ليس فقط كيف يكونون كتّاباً أفضل، بل كيف يتعرفون إلى الكتابة الإنسانية حقاً ويقدرونها، بدلاً من محاكاتها الرقيقة الهشة.
الميزتان اللتان طالما آمنت بأنهما تمثلان جوهر الكتابة الجيدة، بصمة الكاتب الخاصة وتفرده، لم يلتقط بعض طلابي قيمتهما من اللحظة الأولى، ولكن ربما لهذا السبب تحديداً لم تفقدا مكانتهما حتى الآن.
© The Independent