Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"لون الوطن" للبريطاني ساجد جاويد: سيرة سياسي بلا سياسة

رصد في كتابه ذكريات طفولته داخل مجتمع يرفض المهاجرين فيما لم يتطرق إلى مسيرته البارزة في حزب "المحافظين"

لا يحجم جاويد عن عرض قسوة بريطانيا السبعينيات والثمانينيات على الأطفال من ذوي البشرة البنية والسوداء (اندبندنت عربية)

ملخص

"من النادر أن نقرأ سيرة سياسي فلا نكاد نجد فيها ذكراً للسياسة، وحسنا يفعل، فسرد ساجد جاويد لنشأته في بريطانيا السبعينيات يمثل إلى حد كبير صورة لبلد يتكيف بصعوبة مع الهجرة، ولأسرة تخوض صدامات ثقافية مصاحبة لذلك، وهو في الوقت نفسه سيرة ذاتية لرجل واحد، فوزير الداخلية والمالية السابق الذي هاجر أبواه إلى المملكة المتحدة خلال الستينيات من القرن الماضي يكتب بأمانة وطرافة وحساسية عن العنصرية التي عاناها وهو فتى".

عمل السياسي البريطاني ساجد جاويد وزيراً للداخلية والخزانة، ووزير دولة للصحة ووزير دولة للإسكان ووزير دولة للأعمال والابتكار والمهارات، ووزير دولة للثقافة والإعلام والرياضة في حكومات بريطانية مختلفة، فضلاً عن عضويته للبرلمان عن حزب المحافظين، فهو سياسي راسخ ذو سجل عريض، لكنه حينما أصدر سيرته الذاتية أخيراً جاء كتابه "لون الوطن: نشأتي في بريطانيا سبعينيات القرن العشرين" خالياً خلواً شبه تام من أي ذكر للسياسة.

يتساءل توميوا أوليد في مستهل استعراضه للكتاب ("ديلي تلغراف" 5 فبراير/ شباط 2026): ما الذي يجعل شخصاً أسود أو آسيوياً في بريطانيا يختار أن ينتمي إلى حزب المحافظين؟ "كثير من أبناء الأقليات العرقية محافظون على المستوى الاجتماعي، وذلك إلى حد كبير بسبب نزوعهم الديني، وكثر أيضاً محافظون اقتصادياً، فهم يعلون أولوية ادخار القرش الأبيض لليوم الأسود، ويقدرون قيمة روح المبادرة، لكن ذلك لا يجعلهم إلا قريبين من المحافظين، أما ما يجعلهم داخلين مع المحافظين ومتحالفين مع الحزب السياسي الذي يحمل اسم المحافظين، فأمر أقل وضوحاً".

يقول أوليدا "لقد حدث في خضم الهزيمة النكراء لحزب المحافظين في الانتخابات العامة عام 2024 أن حصد الحزب 20 في المئة من أصوات الأقلية العرقية، ولا تزال بعض أطراف اليسار ترى هذا غير مقبول، وأن ذوي البشرة السوداء والبنية الذين يصوتون للمحافظين إنما يخونون أقوامهم، ويرى أصحاب هذا الرأي أن اليسار هو المأوى الحقيقي لأنصار التنوع ومناهضي العنصرية، وأن اليمين مكرس للحفاظ على الوضع الراهن العنصري الرجعي في بريطانيا، فما الذي يجعل أي ملون يحترم نفسه داعماً للمحافظين بل راغباً في الانضمام إلى صفوف حزبهم؟".

يستدرك أوليدا "نجد إجابة من إجابات هذا السؤال في سيرة ساجد جاويد، فمن الخارج يبدو أنه عاش حياة هانئة، إذ قضى 20 سنة مصرفياً ناجحاً في لندن ونيويورك وسنغافورة، وكان عضواً في البرلمان عن دائرة برومزغروف وهذا مقعد آمن لـ14 عاماً، ووصل إلى منصب وزير الداخلية ثم وزير المالية لفترة وجيزة، ولو سارت الأمور على غير ما سارت فيه لكان يحتمل أن يتولى رئاسة الوزراء، غير أن سيرته تكشف أن الأعوام الـ20 الأولى في حياته لم تكن هانئة بحال، فالغربة والأزمات يطغيان على الكتاب فتجعلان منه حكاية لبريطانيا في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي تُذكرنا بروايات حنيف قريشي العاصفة، فمن الهند إلى باكستان إلى روتشديل التي ولد فيها ساجد عام 1969، تنقلت أسرته مراراً سعياً إلى الاستقرار ورغد العيش، ويكتب جاويد بصراحة عن العنصرية التي عاناها هو وأبواه وإخفاقات أبيه في المشاريع التجارية، ومقاومته هو نفسه لزواج مرتب من قريبة له، وعلاقته العابرة عرقياً مع المرأة التي أصبحت زوجة له".

ويتابع "ليس فريداً أن يحتل امرؤ ينتمي إلى أقلية عرقية مناصب كبرى في الدولة البريطانية، فالذين خلفوه في منصب وزير المالية الذي شغله خلال الفترة من يوليو (تموز) 2019 إلى فبراير 2020، يحملون أسماء من قبيل كواسي وناظم وريشي، لكن خلافاً لكثير من ساسة حزب المحافظين المنتمين إلى الأقليات، لم يتلق جاويد تعليماً في مدارس وجامعات خاصة، فهو يكتب قائلاً 'إنني لم أحظ بمكتسبات يسيرة، فما من ميراث أو صناديق ائتمانية'، وحينما التحق بالمدرسة وهو في الرابعة من العمر كان لا يكاد ينطق كلمة بالإنجليزية".

 

ويواصل "الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في 'لون الوطن' المكتوب عموماً بأسلوب بسيط ومباشر، هو قصة التقاء جاويد ثم زواجه في نهاية المطاف بزوجته لورا كينغ، فقبل التحاقه بالجامعة كان يتدرب في مكتب حينما وجد نفسه إلى جوارها، وسرعان ما اكتشف أن هذه 'البنت البيضاء الجميلة الثرية أبدت اهتماماً بي أنا الصبي الآسيوي ابن الطبقة العاملة'".

يكتب توميوا أوليد في استعراضه لكتاب جاويد "قد تبدو هذه الإشارة الفجة إلى العرق والطبقة خارجة عن سياق سيرة سياسي مرموق، لكن السياق الأساس أن جاويد عاش في سني نشأته معزولاً عن السكان البيض، إذ 'كانت شبكة الطرق التي نعيش عليها في روتشديل تضم نطاقاً من عائلات المهاجرين من مختلف أنحاء العالم، فبعضها كانت أسراً باكستانية مثلنا، لكن كان في الشارع أيضاً كثير من الأسر الأوكرانية والبولندية، وكنا مكتفين في الأساس بعلاقتنا بالأسر الباكستانية'".

وأخيراً يقترب أوليد من إجابة السؤال الأساس في مقالته "ما يبدو واضحاً من قراءة هذا الكتاب هو أن جاويد في معظم أعوام نشأته شعر بأنه غريب، ويخطر لي أن يكون هذا هو السبب في أن بعض أصحاب البشرة السوداء أو البنية يميلون إلى المحافظين، أي أنهم وأسرهم غرباء يحاولون العثور لأنفسهم على وطن، وليس الإحساس بالغربة ناجماً ببساطة عن العرق، فالنصف الثاني من القرن الـ 20 يشهد على أن الجدارة استولت على حزب المحافظين وكثير من جوانب الثقافة والسياسة في بريطانيا، فكان آخر ثلاثة رؤساء محافظين في ذلك القرن، أي تيد هيث ومارجريت تاتشر وجون ميجور، منتمين إلى الطبقة العاملة أو الطبقة الوسطى، وما اجتذب جاويد إلى حزب المحافظين بحسب ما يكتب هو هذه الروح على وجه التحديد، أي المبدأ الذي يرى أن 'الحكومة يجب أن تنشئ بلداً غنياً بالفرص وأن الأفراد مسئولون عن انتهازها، مع ضمان الدعم لمن لا يستطيعون ذلك'".

يأسف توميوا أوليد لانتهاء "لون الوطن" بسرعة عقب زواج جاويد بلورا بلا ذكر في الكتاب لسياسات حزب المحافظين أو شخصيات ساسته في ما بين عامي 2010 و2024، "وهذا عيب كبير لأن جاويد يبدي براعة كبيرة في تصوير الشخصيات ويثبت أن له عيناً لاقطة".

تستحسن رتشيل سلفستر في مقالتها عن الكتاب ("أوبزرفر" - 13 فبراير 2026) ما أخذه عليه أوليد، فتكتب أنه من النادر أن نقرأ سيرة سياسي فلا نكاد نجد فيها ذكراً للسياسة، "وحسناً يفعل، فسرد ساجد جاويد لنشأته في بريطانيا السبعينيات يمثل إلى حد كبير صورة لبلد يتكيف بصعوبة مع الهجرة، ولأسرة تخوض صدامات ثقافية مصاحبة لذلك، وهو في الوقت نفسه سيرة ذاتية لرجل واحد، فوزير الداخلية والمالية السابق الذي هاجر أبواه إلى المملكة المتحدة خلال الستينيات من القرن الماضي، يكتب بأمانة وطرافة وحساسية عن العنصرية التي عاناها وهو فتى، ويرسم دونما شفقة على الذات صورة للقوة والعزيمة الاستثنائيتين اللازمتين للهرب من طفولة يعتريها الفقر والعنف، وانخفاض سقف التوقعات ثم الصعود إلى أعلى مستويات الحكم".

تكتب سلفستر "يبدأ الكتاب بساجد وهو في الخامسة من العمر مع قريبته الصغيرة روزينا، حيث يطاردهما في نفق للمشاة بعض من حليقي الرؤوس وهم يصيحون 'اجرِ يا باكي اجرِ'"، وباكي اختصار لـ "باكستاني"، "وحتى في تلك السن الصغيرة كان ساجد يفهم دلالات ألوان أربطة الأحذية 'فالحمراء تشير إلى شخص عنصري محتمل يدعم حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف' والصفراء هي الأسوأ، فقد كانت تعني شخصاً يكره الباكستانيين بصفة خاصة".

وتضيف "كان ساجد هو الأوسط بين خمسة أخوة، وقد ولد في روتشيلد عام 1969 لأسرة انتقلت إلى بريستول وهو في الخامسة، وعلى رغم أن النص يحفل بالحنين إلى مذاقات السبعينيات وأصواتها لكن جاويد أكثر تركيزاً على شدة التمييز ضد الأقليات العرقية، فيتذكر ما كان يشعر به من 'غضب وإحساس بالظلم' كلما رأى هو وأخوه كلمات 'عد إلى بلدك أيها الباكي' مكتوبة على متجر الثياب النسائية الذي أسسه أبوهما، فكانا إن رأيا ذلك اقترعا على من يخبر أبويهما بالأمر 'كان الألم يعتري بطني إذ أقبل على المطبخ لأقول لأمي: فعلوها مرة أخرى'".

وكانت العنصرية تنتظره أيضاً في المدرسة "إذ كان له معلم يصف لغة والدته الإنجليزية بأنها 'دمدمة'، وآخر يدس له النقانق في البطاطس المهروسة ليرغم الصبي المسلم على أكل لحم الخنزير".

وثمة إشارات أيضاً إلى عنف الأب الذي "كان في بعض الأحيان يستعمل يده، لكنه غالباً كان يؤثر الاستعانة بأداة من قبل حذائه الجلدي أو ملعقة خشبية من المطبخ".

يحكي جاويد أنه أوشك بعد تخرجه أن يواجه رفضاً آخر، ففي "مقابلة توظيف في بنك روتشيلد أجرتها لجنة مؤلفة من خمسة رجال بيض متشابهين يرتدون سترات مقلمة، سئِل عن مهنة أبيه فقال إنه كان سائق حافلة ثم أصبح لديه متجر، فارتسمت ابتسامة صفراء على الوجوه وأدرك أنهم 'لن يسمحوا لي بدخول عالمهم، ولم أكن مقتنعاً بأنني أريد دخوله'، ثم حصل على وظيفة في بنك أميركي أكثر إيماناً بالمساواة وهو تشيز منهاتن وأصبح مليونيراً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بصراحة قاسية يعرض الكتاب "صدمة جاويد في انتحار أخيه طارق عام 2018 حينما كان وزيراً للداخلية: 'في الثقافة الإسلامية يعد قاتل نفسه في بعض الأحيان مقترفاً لذنب غير مغفور يجلب العار لأهله، وقلنا لماما إنها لا ينبغي أن تفكر في الأمر بهذه الطريقة'".

أما الروائي الشهير حنيف قريشي فيبرز في مستهل مقالته عن الكتاب ("غارديان" - 5 فبراير 2026) مفارقة عضوية ساجد في "حزب سياسي يهاجم أمثاله من الناس ويهمشهم"، لكن عين الروائي فيه لا تغفل عن أن السيرة تطرح "صورة عائلية  حميمية ومؤثرة في بعض الأحيان، وكذلك تاريخاً اجتماعياً لعرق وطبقة ومطامح في بريطانيا أواخر القرن الـ 20".

يقول قريشي "لا يحجم جاويد عن عرض قسوة بريطانيا السبعينيات والثمانينيات على الأطفال من ذوي البشرة البنية والسوداء، وفيما يساعد الجيران وزملاء العمل البيض أسرة جاويد في التأقلم في مكان يسكنه عنصريون، يوضح الكتاب بجلاء أن النظام معاد حتى لو أن الأفراد متعاطفون".

ويرى قريشي أن كتاب "لون الوطن" "دراسة مؤثرة لأبوي جاويد، وبخاصة والدته التي لا تعرف الكلل، وتبرز أميتها صارخة في مقابل التزامها الضاري بتعليم أبنائها: بأزياء مدرسية لا أثر فيها لقذارة، وانتظام في أداء الواجبات المدرسية، ورحلات إلى مكتبة روتشيلد، ويظهر والد جاويد رجلاً عظيم الطاقة قليل الحظ: سائق حافلة يؤسس بين حين وآخر تجارة صغيرة، لا تفتأ كل مرة أن تفشل".

وينقل قريشي عن جاويد قوله "أعتقد أن أبوي كانا يعتقدان أن من شأن التعليم أن يكون حماية لي، لأن بوسع العنصريين أن يشككوا في شخصي وهويتي، لكن لن يمكنهم التشكيك في درجاتي العلمية"، غير أن رتشيل سلفستر تشكك حتى في قدرة التعليم على تحقيق هذه الغاية "فقد نصح أحد المستشارين ساجداً الذي سيصبح وزيراً للمالية في المستقبل، بأنه يجب أن يطمح إلى أن يكون فني إصلاح تليفزيونات، كما أن مدرسته رفضت السماح له بدرس الرياضيات في المستوى العادي، فاستعان بمدرس خاص لمساعدته في اجتياز الامتحان، ثم انتقل إلى كلية تعليمية متقدمة ليدرس المستويات المتقدمة الثلاثة، وعلى رغم قول معلم قديم له 'إنك تضع نفسك في طريق الفشل'، حصل ساجد على درجتي امتياز وجيد، وبفضل قراءته لصحيفة 'فايننشال تايمز' التي كان يتركها الركاب في الحافلة، قرر الالتحاق بـ 'جامعة إكستر' لدرس الاقتصاد والسياسة".

يبرز قريشي من الكتاب لفتات صارخة من قبيل أن جاويد "لا يخفي قسوة العنصرية في فناء المدرسة، إذ تتجلى في ولد أسود يحاول أن يزيل سواد ذراعه بورق الصنفرة، كما لا يخفي جاويد إعراضه هو نفسه عن زميل أسود في الفصل كي يتناغم مع بقية التلاميذ".

ولا يخفي قريشي بدوره معاييره العالية للكتابة، فيكتب أن "جاويد ليس كاتباً بالسليقة، ففي نثره شيء من الطفولية، وكان لينفعه الخضوع لتحرير قوي، ويبلغ النثر ذروته في تصوير رقة حال الأسرة بمجيء المحضر القضائي والأسهم التي لا تباع والأطفال المأزومين، فهذه الفصول القصيرة المفعمة بالحيوية من قبيل فصلي 'ديتول والعزيمة' و'أخطر شارع في بريطانيا' تحمل سردية واضحة، فحجة السيرة المتعلقة بالجدارة أدق من شعارات جاويد السياسية".

يقول قريشي إن "المذكرات مقنعة من الناحية السياسية لأنها تأبى الإعراض عن التناقضات، فوالد جاويد ينتقل من التشكيك في مارغريت تاتشر إلى التصويت لها، على رغم أن حياته الخاصة مطحونة بين مقاولي العقارات والدين والأسواق المحررة من القيود، فمن الواضح أن جاويد تأثر بأبيه في صعوده داخل حزب المحافظين".

وأخيراً يرى قريشي أن انصباب تركيز جاويد على أعوامه الأولى وكتابته أقل القليل عن صعوده في الحزب يمثل غياباً غير هين، "فمن المؤكد أن لديه الكثير ليقوله عن العمل الداخلي في حزب المحافظين المنهار حالياً، لكن لعله يدخر ذلك لجزء تال من السيرة، وسيكون طريفاً أن نقرأ ونرى هل سيكون صريحاً في ذلك بمثل صراحته في الكتابة عن طفولته".

العنوان:  The Color of Home: Growing Up in 1970s Britain

تأليف: Sajid Javid

الناشر: Abacus

اقرأ المزيد

المزيد من كتب