ملخص
تكشف قضية جيفري إبستين عن فجوة صادمة بين بريطانيا والولايات المتحدة: بينما أطاحت المعلومات وجوهاً ملكية وسياسية في لندن، تواصل النخبة الأميركية الإفلات من المساءلة. اعتقال أندرو ماونتباتن-وندسور ينعش آمال الناجيات، لكنه يفضح تست المؤسسات الأميركية على شخصيات نافذة ارتبطت بإبستين وشبكته.
بالنيابة عن الناجيات الـ11 من ضحايا جيفري إبستين، اللاتي أمثلهن، نثمن الموقف المبدئي والرصين الذي اتخذته المملكة المتحدة دفاعاً عن سيادة القانون، والمتمثل في توقيف أندرو ماونتباتن-وندسور، الذي كان يعرف سابقاً بالأمير أندرو. وقد جاء توقيفه على خلفية الاشتباه بإفشائه أسراراً تجارية لصديقه إبستين. وفي حين أن حماية الأسرار التجارية مهمة، إلا أن الأهم منها هو صون حياة النساء.
تجدر الإشارة إلى أن توقيف ماونتباتن-وندسور هذا الأسبوع، ليس مرتبطاً بالادعاءات التي ساقها ضحايا إبستين ضده، فقد سبق له أن نفى ارتكاب أي مخالفة تتصل برجل الأعمال المدان. غير أن ما يثير استغرابي من الضفة الأخرى للمحيط هو الآتي: في المملكة المتحدة أدت المعلومات المتكشفة الواردة في ملفات جيفري إبستين، إلى سقوط أمير وأحد اللوردات - أو في الأقل تجريدهما من لقبيهما - أما هنا في الولايات المتحدة، فلا تتوقع الناجيات من إبستين أي محاسبة، أقلها ليس في ظل هذه الإدارة الأميركية.
الإفراج الأخير عن ملايين الصفحات من وثائق جيفري إبستين كشف ما كانت قد رددته الناجيات منه لعقود من الزمن، وهو أن قطب الأعمال الراحل كان مندمجاً بسهولة داخل شبكة من رجال نافذين بارزين (وقلة من النساء)، من الذين صب اهتمامهم على الوصول إلى المال ونسج العلاقات، وليس الإبلاغ عن سلوكيات مثيرة للشبهة. وكانت صور بعض هؤلاء الرجال تزين أماكن سكن جيفري إبستين. وكان الأخير يقول للفتيات إنه إذا تحدثن [عما فعله معهن]، فإن أحداً لن يصدقهن، وإن أصدقاءه النافذين سيقدمون له الحماية.
الفتيات اللاتي ينتمين في غالبيتهن إلى الطبقة العاملة، والمثقلات بالصدمات التي تعرضن لها على يد إبستين، أجبرن على التزام الصمت. وعشن أعواماً طويلة مثقلات بآثار الاعتداء الجنسي وما خلفه من تداعيات قاسية عليهن، إن لجهة تدمير حياتهن المهنية، أو اضطراب علاقاتهن الجنسية، أو تصدع علاقاتهن الشخصية. فعندما تشعر ضحايا الاستغلال الجنسي بالإهانة والانتقاص من قيمتهن، كثيراً ما تتسلل إليهن أفكار انتحارية. وللأسف، فقدنا فرجينيا جوفر - وهي إحدى الناجيات الأكثر جرأة في كشف الحقيقة - نتيجة هذه المأساة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما القلة من النساء الشجاعات اللاتي قصدن السلطات المتخصصة في مرحلة مبكرة تعود إلى عام 1996، فقد أدركن سريعاً أن ما قاله لهن إبستين كان صائباً. إذ لم يكن هناك من يهتم لأمرهن، ولا من سيأتي لإنقاذهن، كما أن السلطات التي يفترض بها أن تؤمن الحماية لهن، لم تبد استعداداً للقيام بواجبها.
بعد صفقة التسوية المخففة التي أبرمت عام 2008، والتي انتهت بحكم شديد التراخي في حق إبستين على تهمة واحدة تتعلق باستدراج قاصر بغرض ممارسة الدعارة - مع تأكيد أنها لم تكن عاملة جنس، بل ضحية اعتداء - واصلت الطبقة الحاكمة مسارها كالمعتاد، من دون تغيير في النهج الذي اعتمدته من قبل. ويتضح ذلك بجلاء اليوم، إذ تظهر الأدلة ان أفراداً من تلك النخبة كانوا يجالسونه في الولائم والمناسبات، ويسافرون على متن طائرته الخاصة، ويزورون جزيرته، ويخضعون لنفوذه المدعوم بثروته وشبكة علاقاته. أتحدث هنا عن أشخاص أمثال [المخرج] وودي آلن، و[المدعي العام السابق في الولايات المتحدة] كينيث ستار، و[كبير مستشاري ترمب في بداية ولايته الرئاسية الأولى]، ستيف بانون، و[الكاتب الأميركي من أصل هندي] ديباك شوبرا، و[وزير الخزانة الأميركي السابق] لاري سامرز، و[المصرفي] جيس ستالي، وبنك "جي بي مورغان"، وكثيرين غيرهم.
أما وزارة العدل الأميركية في ظل دونالد ترمب - التي تبدو وكأنها تعمل كمكتب قانوني خاص به، يسعى إلى ملاحقة خصومه وحماية حلفائه - فقد اختارت حجب أسماء أشخاص آخرين تحيط بهم الشبهات، من بينهم صديق لجيفري إبستين كتب إليه في عام 2014 يقول: "شكراً لك على ليلة ممتعة... كانت أصغر فتياتك شقية بعض الشيء". في الواقع، لا يوجد أي مسوغ قانوني يبرر إخفاء اسم ذلك الشخص. وتعد حماية هويته وصمة عار على وزارة العدل.
كذلك كتب أحد مساعدي إبستين في رسالة إلكترونية بعث بها عام 2011، عن فتيات شبههن بـ"جوز الهند الصغيرات الجميلات" Sweet Young Coconuts، وصلن للتو من تايلاند. وتشير الملفات إلى أن أعمار الفتيات كانت بين 9 و10 سنوات فقط.
لا ينبغي التستر على أي من تلك الأسماء، بل يتعين إخضاع كل فرد من أصحابها للتحقيق، كما يحدث في أي نظام قضائي نزيه. ومع ذلك أعلن تود بلانش نائب المدعي العام في الولايات المتحدة، أنه لن يكون هناك أي تحقيق إضافي، وذلك على ما يبدو، لأن دونالد ترمب قال إنه يريد "طي الصفحة والمضي قدماً".
كذلك قالت مارجوري تايلور غرين عضو الكونغرس علناً إن ترمب أبلغها بأنه يعارض نشر ملفات إبستين لأن "أصدقاءه سيتضررون". لا شك في أنهم سيتضررون، وبحق، لو قامت وزارة العدل بالتحقيق مع المعتدين من دون خوف أو محاباة. لم يعد ذلك وطني الذي أعرفه، في الأقل ليس في عهد دونالد ترمب.
هذا يعيدنا مجدداً إلى أندرو ماونتباتن-وندسور. فعندما يساق شقيق الملك نفسه إلى قوس العدالة، حتى في تهم بقضايا لا ترتبط مباشرة بادعاءات الضحايا، تشعر الناجيات ببارقة أمل، ولو كانت ضئيلة. وقد أصدرت عائلة فرجينيا جوفر منذ أيام بياناً مؤثراً جاء فيه: "أخيراً، انفرجت اليوم قلوبنا المكلومة بخبر يؤكد أن أحداً ليس فوق القانون، ولا حتى أفراد العائلة المالكة".
وفيما واجهت شخصيات سياسية في فرنسا والنرويج وسلوفاكيا عواقب وخيمة بسبب ارتباطاتها بجيفري إبستين المثير للاشمئزاز، غير أن الأمير البريطاني السابق يظل حتى الآن الاسم الأبرز والأكثر شهرة على مستوى العالم. إضافة إلى أن تمسك المملكة المتحدة بسيادة القانون وبمبدأ ألا أحد فوقه، يمثل نموذجاً يحتذى أمام العالم. وسنظل نترقب ما ستكشف عنه هذه الخطوة من حقائق.
ليزا بلوم هي محامية تعمل في مجال الحقوق المدنية في ولاية كاليفورنيا، متخصصة في تمثيل ضحايا التحرش الجنسي
© The Independent