Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من تداعيات توقيف أندرو: أخطر أزمة دستورية في بريطانيا منذ عقود

أول فرد في العائلة الملكية يعتقل منذ 380 عاماً وتساؤلات حول بقائه في قائمة ورثة العرش

الأمير السابق أندرو بعد خروجه من الحجز أمس (رويترز) 

ملخص

تواجه المملكة المتحدة اليوم أزمة دستورية بعد اعتقال الأمير السابق أندرو، واحتمال توجيه اتهامات له يمكن أن تودعه السجن مدى الحياة، الأمر الذي قد يفرض على العائلة الملكية والبرلمان تغيير تسلسل العرش الذي يحتل فيه الأمير السابق المرتبة الثامنة، ناهيك عن ذلك الحرج الكبير الذي يعيشه الملك وبقية أفراد أسرته اليوم من حادثة لا أحد يعرف كيف ومتى ستنتهي، وما هو تأثيرها على ورثة التاج البريطاني؟ 

محنة المملكة المتحدة في ملفات جيفري إبستين لا تشبه غيرها من دول الغرب، فقد شملت الفضائح رجال أعمال وموظفين حكوميين ومشاهير، ثم وضعت بريطانيا أمام أزمة دستورية بعد اعتقال الأمير السابق أندرو، على خلفية اتهامه بتسريب وثائق حكومية للمجرم الأميركي خلال تأديته مهمة رسمية بين 2001 و2011. 

في الأمس قضى "أندرو مونتباتن- ويندسور" كما أسماه بيان العائلة الملكية، 11 ساعة في الحجز تزامن مع عيد ميلاده السادس والستين، كان موظفوه قد انتهوا للتو من تنظيف طاولة الإفطار حين وصلت الشرطة إلى مقر إقامته في مزرعة بمنطقة "ساندرينغهام" شرق إنجلترا واقتادوه بعيداً قبل الساعة التاسعة صباحاً بقليل.

لم يتم إخطار الملك أو قصر باكنغهام قبل وصول قافلة من سيارات الشرطة لإحضار أندرو، لكن تقارير صحافية محلية تقول إن مكالمة أجريت مع العائلة المالكة بعد وقت قصير من باب المجاملة لا أكثر، وقد سارع تشارلز الثالث بعدها إلى إصدار بيان يدعم فيه عمل الشرطة، ويؤيد تطبيق القانون على الجميع من دون استثناءات.

ونشرت صحف بريطانية عدة اليوم الجمعة صوراً لأندرو يغادر مركز الشرطة في سيارة، فيما تبدو عليه علامات الإرهاق الشديد والذهول، وبحسب صحيفة "ذا صن" سيخضع أندرو، كأي شخص يتم توقيفه، إلى فحص الحمض النووي عن طريق مسحة من اللعاب، إضافة إلى أخذ بصمات أصابعه والتقاط صورة فوتوغرافية.

"سقوط أندرو"

شغل أندرو منصب المبعوث التجاري للدولة بين 2001 و2011، وهي الفترة التي يُشتبه في ارتكابه التهم التي توجه إليه اليوم، أُفرج عنه "على ذمة التحقيق" مساء أمس الخميس، ولكن الشرطة واصلت اليوم الجمعة عمليات تفتيش منزله السابق في وندسور، مقر إقامة العائلة الملكية إلى الغرب من العاصمة البريطانية لندن.

صحيح أن أندرو جرد من ألقابه لكنه لا يزال الثامن في ترتيب ولاية العرش، من الناحية النظرية، على رغم أنه ليس عضواً فعالاً في العائلة المالكة منذ 2019، لا يزال مستشاراً للدولة، ومؤهلاً لتمثيل الملك، لذلك سيطرح اعتقاله أسئلة على الحكومة والقصر حول قرار تعيينه مبعوثاً تجارياً أولاً، ثم مستقبله الملكي، إن جاز التعبير.

في الأمس احتجز أندرو، الذي كان يحمل سابقاً لقب دوق يورك، على خلفية اتهامه بتسريب معلومات قد تكون سرية خلال فترة توليه منصب المبعوث الخاص للمملكة المتحدة للتجارة الدولية، إذ تظهر رسالة إلكترونية بتاريخ نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، أن أندرو أرسل للمجرم الأميركي تقارير عن زياراته لعدة دول آسيوية.

توجه إلى أندرو اليوم تهمة إساءة السلوك في منصب عام، عقب نشر وزارة العدل الأميركية الشهر الماضي ملايين الملفات من تحقيقها في قضية إبستين، وتصل عقوبة هذه الجريمة إلى السجن المؤبد، وفقاً لهيئة الادعاء الملكي، ليس هذا كل شيء، فقد أكدت 9 وحدات في الشرطة على الأقل أنها تنظر في المستندات التي صدرت في الدفعة الأخيرة من ملفات إبستين، وقد توجه بناء عليها اتهامات جديدة للأمير والدوق السابق.

احتلت ‌صورة ⁠الرجل، ​الذي كان ⁠يوماً ضابطاً أنيقاً في البحرية والابن المفضل للملكة إليزابيث الراحلة، الصفحة الأولى للصحف في بريطانيا وحول العالم مصحوبة بعناوين مثل "السقوط"، حتى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب علق أمس على اعتقال الأمير السابق أندرو، بالقول إنه أمر "محزن جداً" بالنسبة للعائلة الملكية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عثرات ملكية

ولي العهد ويليام وزوجته كيت، أمير وأميرة ويلز، أيدا البيان الملكي بشأن اعتقال أندرو، لكن ذلك لا يلغي أن قصر باكنغهام يواجه أزمة حقيقية اليوم، فأندرو أول فرد من العائلة الملكية يعتقل منذ 380 عاماً، حين سجن تشارلز الأول على يد أوليفر كرومويل، ووُضع في الإقامة الجبرية بقصر "هامبتون كورت" خلال عام 1647.

حينها خسر تشارلز الحرب الأهلية، وسلم نفسه إلى الاسكتلنديين في 1646 بعدما هرب من مدينة أكسفورد المحاصرة، أعتقد أنهم سيساعدونه لكنهم سلموه إلى البرلمان، فر مجدداً بمساعدة مؤيدين له، لكن أُعيد القبض عليه وقدم للمحاكمة في قاعة ويستمنستر، فأدين بتهمة الخيانة العظمى وأعدم بالسيف في مطلع عام 1649.

قديماً أيضاً، في عهد أسرة تيودور، وجهت مجموعة من التهم إلى اثنتين من زوجات الملك هنري الثامن، فقُطعت رأس آن بولين عام 1536، وكاثرين هوارد في 1542، بتهمة الخيانة والزنا، أما ماري ملكة إسكتلندا، فقد سجنت 19 عاماً بين 1568 و1587، قبل أن توقع ابنة عمها، إليزابيث الأولى، على قرار إعدامها.

في التاريخ الحديث، آخر فرد من العائلة الملكية البريطانية تعرض لمشكلة مع القانون، كانت الأميرة آن، عندما عض كلبها، وهو من فصيلة "بول تيرير الإنجليزي دوتي"، صبيين في حديقة وندسور عام 2002، حينها أقرت الأميرة بالذنب، وحكم عليها وفق القانون المختص بدفع غرامة مالية قدرها 500 جنيه استرليني. 

الجرائم القليلة الأخرى التي ارتكبها أفراد عائلة وندسور كانت متعلقة بالقيادة، في عام 2001 تم ضبط آن نفسها وهي تقود سيارتها "بنتلي" بسرعة تتجاوز الحد المسموح به، وتكرر الأمر مع ابنتها زارا تيندال في 2020، كذلك أُجبر الأمير فيليب على تسليم رخصة قيادته في سن 97 سنة بعد تسببه بحادث مروري عام 2019.

في 2021، أفادت التقارير بأن تشارلز، الذي كان آنذاك أمير ويلز، تم استجوابه عام 2005 كشاهد بشأن مزاعم حول تآمره لقتل زوجته السابقة ديانا، أميرة ويلز، وقال مفوض الشرطة حينها لصحيفة "ديلي ميل"، إنه استجوب تشارلز كجزء من تحقيق استمر 3 سنوات بعد وفاة ديانا بحادث سيارة في باريس الفرنسية عام 1997.

والحرج الذي تعيشه العائلة الملكية حالياً بسبب أندرو، يتجاوز بكثير ما عرفته في عام 1936 عندما تنازل الملك إدوارد الثامن عن العرش ليتزوج من الأميركية المطلقة واليس سيمبسون، عرضت حينها وثيقة تنازله في معرض لـ"رسائل الحب" في الأرشيف الوطني، لكن الأمر كان وقعه سلبياً جداً وأثر كثيراً على شعبية العائلة بأكملها.

 

التعامل مع الأزمة

العام الماضي، جرّد الملك تشارلز الثالث شقيقه من ألقابه وأمره بمغادرة قصره في وندسور، عقب ادعاء إحدى ضحايا إبستين في مذكراتها، فيرجينيا جوفريه، بأنها تعرضت للاتجار بالبشر ثلاث مرات لممارسة الجنس مع أندرو، الذي نفى أندرو ذلك وسوّى الدعوى المدنية في الولايات المتحدة عام 2022 من دون أن يُقرّ بالمسؤولية.

بدا إجراء تشارلز الثالث حينها كافياً، ولكن الاتهامات الجديدة لأندرو قد تفرض تغيير تسلسل ورثة العرش البريطاني، لا يؤثر اعتقال الأمير السابق مباشرة على ترتيب المرشحين للتاج، ولا يمكن إزالة أندرو من دون سن تشريع جديد، لكن بحسب موجز أعده برلمان المملكة المتحدة يمكن إقصاء أفراد العائلة المالكة من ترتيب الخلافة أو تجريدهم من ألقابهم، إذا اعتُبروا غير كفوئين في الحكم، وهناك سابقة لذلك عرفتها البلاد حين أزيل الملك السابق إدوارد الثامن وأحفاده من قائمة الورثة بموجب قانون صدر عام 1936.

يسعى الملك تشارلز وبقية أفراد عائلته إلى ممارسة حياتهم اليومية وواجباتهم كالمعتاد، لكن المختصين في الشؤون الملكية رأوا أن عرش بريطانيا يواجه أخطر أزمة منذ عقود، وبحسب المؤرخة آنا وايتلوك "عادة ما يكون الرد المعتاد للعائلة هو الحفاظ على الهدوء، ومواصلة العمل، لكن الأمر سيكون بالغ الصعوبة في هذه الظروف".

من وجهة نظر الخبير في الشؤون الملكية إد أوينز، "هي لحظة بالغة الأهمية بالنسبة للعرش البريطاني"، مشيراً إلى أن الكثير لا يزال غامضاً، بما في ذلك احتمال توجيه اتهامات جنائية للأمير السابق أندرو، وأضاف "أعتقد أن العناصر المجهولة في هذه القضية تحديداً هي التي تثير قلقاً بالغاً، وربما تشكل تهديداً حقيقاً للعرش".

قال بيتر هانت، المراسل الملكي السابق في هيئة الإذاعة البريطانية: "إن اعتقال الثامن في ترتيب ولاية العرش هو حدث جلل، أفراد العائلة الملكية يجدون أنفسهم الآن في مياه مجهولة لا يملكون أدوات التعامل معها، سيتعين عليهم الإجابة على أسئلة وتحمل المسؤولية، وهو أمر يبدو حتى الآن مفهوماً غامضاً بالنسبة لهم".

في المقابل يرى فيرنون بوغدانور، مؤلف كتاب "الملكية والدستور"، وأستاذ العلوم السياسية في "كينغز كوليدج" بلندن: "أن اعتقال أندرو لا يثير أية مشكلة دستورية، وإنما يجب على البريطانيين اليوم إظهار التعاطف مع الملك والملكة وبقية أفراد العائلة الملكية، الذين يكرسون أنفسهم بلا كلل للخدمة العامة، على حد تعبيره.

النائبة العمالية راشيل ماسكل، والنائب المحافظ كريس فيلب، قالا إن دوق يورك السابق يجب ألا يستمر في قائمة الخلافة على العرش، لافتين إلى وجود جيل جديد من أفراد العائلة المالكة يمكن أن يكونوا الملوك القادمين، صحيح أن بعضهم غير معروف نسبياً للجمهور العام، لكن غياب أندرو لن يشكل أزمة في هذا الصدد، بخاصة وأن وصوله إلى العرش أصلاً كان أمراً شبه مستحيل لأن 7 أشخاص يسبقونه في الترتيب.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير