ملخص
كشفت المعارضة البريطانية عن ثغرات قانونية في صفقة تسليم أرخبيل تشاغوس لحكومة موريشيوس، التي تصر حكومة العمال في لندن على المضي بها، رغم الاعتراضات الداخلية المتزايدة عليها، ورفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإتمامها.
قرار بريطانيا بالتخلي عن أرخبيل تشاغوس لمصلحة موريشيوس، تحول إلى محنة تعيشها حكومة حزب العمال على الصعيدين الداخلي والخارجي، ولا نذيع سراً بالقول إن رئيس الوزراء كير ستارمر وفريقه، لا يعيشون أفضل حالاتهم شعبياً وانتخابياً بعد مرور 18 شهراً على توليهم السلطة في لندن، وفق استطلاعات رأي مختلفة.
وأرخبيل تشاغوس مستعمرة بريطانية منذ 1814 وشيدت أميركا فيه قاعدة "دييغو غارسيا" العسكرية، يقع وسط المحيط الهندي على بعد نحو 2200 كيلومتر شمال شرقي موريشيوس، يضم أكثر من 55 جزيرة مرجانية تبلغ مساحتها الإجمالية ما يقارب من 60 كيلومتراً مربعاً، ويتميز بموقع استراتيجي بعيد من مسار العواصف والأعاصير.
خارجياً، يواصل رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب، رفضه تسليم تشاغوس ويعد الأمر خطوة "حمقاء" من الحكومة البريطانية، لكن الموقف الأميركي متذبذب بين القبول والرفض منذ وصول ترمب إلى السلطة، وهو غالباً ما يأتي في إطار ردود فعل خلافية أو توافقية بين واشنطن ولندن بشأن ملفات أخرى قد لا ترتبط بالأرخبيل أحياناً.
قبل أيام قليلة تسلمت الحكومة البريطانية وثيقة رسمية من الخارجية الأميركية تؤيد فيها قرار التخلي عن الأرخبيل لمصلحة موريشيوس، وفي مساء اليوم ذاته جدد ترمب على حسابه في منصته "تروث"، رفضه صفقة "تشاغوس" ووصفها مجدداً بالفعل "الغبي"، وفي اليوم التالي اتضح أن تبدل الموقف الأميركي جاء بسبب خلاف مع لندن.
رفضت المملكة المتحدة السماح لأميركا باستخدام قواعدها العسكرية لضرب إيران، كما يتوقع في حال فشل المفاوضات بين واشنطن وطهران، وقالت تقارير صحافية محلية، إن الرفض شمل قواعد داخل بريطانيا وخارجها، مما أغضب واشنطن ودفع بالرئيس ترمب إلى التغريد عبر "تروث"، والانقلاب مجدداً على صفقة تسليم تشاغوس.
الإشكال في الرفض الأميركي ليس في توتر علاقات البلدين فقط، وإنما في استغلاله من قبل أطراف بريطانية لحشد الرأي العام في المملكة المتحدة ضد الصفقة، وفي مقدمة الرافضين يأتي حزب المحافظين زعيم المعارضة، و"ريفورم" الذي يقوده نايجل فاراج، أما أسبابهما فهي تداعيات اقتصادية وسياسية محتملة لتسليم الأرخبيل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حتى الأمس القريب، كان حزب العمال الحاكم يرد حجج المعارضين بالقول إن احترام القانون الدولي يدفع بريطانيا إلى إتمام هذه الصفقة، ولكن تقارير حديثة تظهر أن المبرر الرسمي لا أساس له من الصحة، وقد ضللت الحكومة البرلمان من أجل إتمام صفقة تشاغوس، فتمكنت من تمريرها عبر مجلس العموم لتصل إلى "اللوردات".
الصفقة اليوم عالقة في مجلس اللوردات، سحبتها الحكومة الشهر الماضي من المناقشات بعد أن تصاعد اللغط حولها، وازدادت المطالب بتعديلها أو إلغائها. يصر المنزل رقم 10 وسط لندن، أن ستارمر وفريقه ماضون بها عندما يحين وقت تداولها مجدداً، لكن الثغرات القانونية التي أثارتها المعارضة بشأن الاتفاق اليوم قد تغير المسار.
يتهم المحافظون وزير الدفاع العمالي جون هيلي بتضليل البرلمان بشأن تشاغوس، حيث قال لمجلس العموم إنه "من دون الصفقة قد تواجه بريطانيا خلال أسابيع خسارة أحكام قضائية، وفي غضون أعوام قليلة ستصبح القاعدة غير صالحة للعمل، فالأمر إذاً لا يتعلق فقط بالقانون الدولي، بل بقدرتنا أيضاً على التحكم في القاعدة وتشغيلها".
الحكومة اعترفت اليوم بوجود استثناء في قوانين الأمم المتحدة البحرية لـ"النزاعات المتعلقة بالأنشطة العسكرية"، وقال جيمس كارتليدج، وزير الدفاع في حكومة الظل المحافظة، إن هذا الاعتراف يظهر أن الحجج القانونية التي ساقها حزب العمال الحاكم لتسليم الأرخبيل إلى موريشيوس قد انهارت تماماً، وجون هيلي ضلل البرلمان.
وأكدت وزارة الخارجية البريطانية، الأسبوع الماضي، أنها تلتزم بالمادة 298 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهذه المادة تستثني "النزاعات المتعلقة بالأنشطة العسكرية التي تقوم بها السفن والطائرات الحكومية المشاركة في خدمات غير تجارية"، ومن ثم لا يجبر القانون الدولي المملكة المتحدة على التخلي عن قاعدة دييغو غارسيا.
وقع ستارمر اتفاقية تسليم الأرخبيل مع حكومة موريشيوس في مايو (أيار) الماضي، وكجزء منها ستستأجر بريطانيا قاعدة "دييغو غارسيا" العسكرية بتكلفة تزيد على 30 مليار جنيه إسترليني لمدة 99 عاماً، لكن الترتيبات قد تتغير على ضوء المعطيات الجديدة التي لا تزال المعارضة المحافظة بانتظار رد وزارة الدفاع عليها حتى الآن.
كارتليدج كتب إلى هيلي يطالبه بتفسير شهادته أمام البرلمان العام الماضي، وبنشر المشورة القانونية التي تلقتها وزارة الدفاع بشأن الصفقة، فيما لفت عضو مجلس اللوردات جون ريدود إلى أن ادعاء الحكومة بأن محكمة العدل الدولية يمكنها أن تصدر قراراً لإلزام بريطانيا بتسليم الأرخبيل لا يستند إلى أسباب قانونية قوية وفق قانون البحار.
ريدود قال لإذاعة محلية، إن القانون يستثني بوضوح أي شيء يتعلق بمجموعة الكومنولث أو بقضايا الدفاع، مما يعني أن "العدل الدولية" لا يمكنها إلزام المملكة المتحدة بأي حكم يخص تشاغوس، فلماذا "نخاطر بإلحاق الضرر بالصيد والتجارة في هذا الموطن البحري المحمي جيداً؟ ونفتح الباب أمام إمكانية أن تحظر موريشيوس، بصفتها المالكة، استخدام قاعدة دييغو غارسيا لأي سفينة أو طائرة تعمل بالطاقة النووية أو مسلحة".