Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السواتر الترابية... هل تطيح بحكومة الوحدة الوطنية؟

تحذيرات من "فراغ سياسي قد يملؤه السلاح"

قوات تابعة لحكومة الوحدة في طرابلس (أ ف ب)

ملخص

يرى متخصصون أن إقامة السواتر الترابية وإغلاق الطرق في ليبيا لا يمكن قراءته بوصفه مجرد احتجاج خدمي أو تحرك محلي محدود، بل هو مؤشر على انتقال بعض أدوات الضغط من المجال السياسي التقليدي إلى المجال الميداني. 

الاحتجاجات الشعبية في غرب ليبيا تعدت المطالب الخدمية كتحسين الظروف المعيشية ووضع حد لانقطاعات التيار الكهربائي، إلى إغلاقات الوزارات بالسواتر الترابية، آخرها وزارة الثروة البحرية ووزارة التخطيط وديوان المحاسبة فجر الخميس.

واليوم، أعلن حراك "سوق الجمعة" إغلاق مقر المجلس الرئاسي في العاصمة الليبية. وكان الحراك حذر مساء الخميس أي وزير أو وكيل وزارة من مباشرة أعماله في الوزارات والجهات الحكومية التي تم إغلاقها، تطورات تطرح تساؤلات حول إذا ما كانت السواتر الترابية ستتحول إلى أداة قادرة على تقويض حكومة الوحدة الوطنية أم أن تغيير السلطة التنفيذية لا يزال رهين التوافقات الداخلية والدولية؟

أداة ضغط

يقول المتخصص بالعلوم السياسية إلياس الباروني إن إقامة السواتر الترابية وإغلاق الطرق في ليبيا لا يمكن قراءته بوصفه مجرد احتجاج خدمي أو تحرك محلي محدود، بل هو مؤشر على انتقال بعض أدوات الضغط من المجال السياسي التقليدي إلى المجال الميداني.

وعن إمكان تحول السواتر الترابية إلى ورقة تفاوض سياسي، يرى الباروني أنه من الناحية السياسية، تمثل السواتر الترابية وسيلة لفرض وقائع جديدة على الأرض، لأنها تؤثر في حركة المواطنين والتجارة والإمدادات، وبالتالي ترفع كلفة استمرار الوضع القائم على السلطة.

ويضيف أنه في علم السياسة كلما امتلك طرف ما القدرة على التأثير في المجال العام من دون اللجوء إلى المواجهة العسكرية المباشرة، فإنه يكتسب ورقة تفاوض إضافية، لكن هذه الورقة لا تصبح مؤثرة إلا إذا حققت ثلاثة شروط، أولها أن تتحول إلى ضغط شعبي واسع وليس تحركاً محلياً محدوداً، وثانيها أن تربك حسابات القوى السياسية القائمة، أما الشرط الثالث فهو وجود قبول أو استثمار من القوى الدولية الفاعلة في الملف الليبي، مؤكداً أنه بغير ذلك تبقى السواتر الترابية مجرد وسيلة احتجاج ذات تأثير موقت.

تغيير سياسي

بخصوص إمكان فرض حكومة جديدة تحت ضغط الشارع، يقول عميد كلية العلوم الاقتصادية والسياسية بجامعة نالوت إلياس الباروني، إن التجربة الليبية منذ عام 2011 تشير إلى أن الحكومات لم تتغير بسبب الاحتجاجات وحدها، وإنما نتيجة تلاقي ثلاثة مستويات، ويرى مراقبون أن قدرة هذه التحركات على إحداث تغيير سياسي لا ترتبط بحجم الاحتجاجات وحدها، بل تتوقف على توافر ثلاثة مستويات متداخلة من الضغط.

يبدأ المستوى الأول بالضغط الداخلي، المتمثل في اتساع رقعة الاحتجاجات أو تعمق الانقسامات السياسية، لكنه لا يكون كافياً بمفرده، ففي حال تطور المشهد ينتقل إلى المستوى الثاني، القائم على توافق بين المؤسسات الليبية المؤثرة، وعلى رأسها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، أو بين القوى العسكرية الفاعلة.

أما المستوى الثالث، والأكثر حسماً، وفق ما جاء على لسان الباروني، فيتمثل في قبول أو دعم إقليمي ودولي لأية صيغة سياسية جديدة، باعتبار أن أي تغيير في السلطة الليبية غالباً ما يظل مرتبطاً بتوازنات الداخل والخارج معاً، منوهاً إلى أن الاحتجاجات والسواتر الترابية قد تسرع النقاش حول تغيير الحكومة، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج سلطة تنفيذية جديدة.

رهين التوافقات

أما في شأن محددات تغيير الحكومة، ينوه الباروني إلى أن الأزمة الليبية لم تعد أزمة حكومة فقط، بل أزمة بنية سياسية كاملة، فالحكومة ترتبط بمنظومة واسعة تشمل، التوازنات العسكرية وتوزيع الموارد النفطية والمناصب السيادية، وشكل المرحلة الانتقالية، إضافة إلى القاعدة الدستورية والضمانات الدولية لتنفيذ أي اتفاق، وشدد على أن استبدال الحكومة من دون معالجة هذه الملفات قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة جديدة.

وعن إمكانية استثمار الأطراف الدولية لهذه الاحتجاجات، يقول إن التاريخ السياسي الليبي يظهر أن الأطراف الدولية كثيراً ما تتعامل مع الاحتجاجات بوصفها مؤشراً على تآكل شرعية الواقع القائم، لكنها لا تعتبرها وحدها أساساً لبناء سلطة جديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوضح أنه إذا تزامنت الاحتجاجات مع؛ توافق بين المؤسسات السياسية، وحراك عسكري منظم نحو توحيد المؤسسة العسكرية، وضغط دولي لإعادة ترتيب السلطة، فقد تتحول إلى عنصر داعم لمسار التغيير، أما إذا بقيت الاحتجاجات منفصلة عن هذه المسارات، فمن المرجح أن تدار آثارها أمنياً أو سياسياً من دون أن تحدث تغييراً جذرياً في السلطة التنفيذية.

حسابات دولية

الكاتب السياسي عبدالله الكبير يؤكد أن هذه التطورات لن تغير شيئاً في المشهد السياسي، فالحكومات لا تسقط بسبب إغلاق بعض المقار العامة بسواتر ترابية أو أكوام القمامة أو حرق عجلات السيارات، ويواصل حديثه قائلاً "يدرك عامة الناس أن هذا التخريب تقف خلفه أجندات سياسية وتشكيلات مسلحة مناهضة للحكومة، وليست انحيازاً لمعاناة الناس من انقطاع الكهرباء وسوء الخدمات".

وينوه عبدالكبير إلى أن حكومة الوحدة الوطنية تبدو في حالة ضعف، وينشد عامة الناس التغيير برحيل كل الأجسام وليس حكومة الدبيبة فقط، لافتاً إلى أن هذا التغيير ينبغي أن يتم عبر انتخابات حرة ونزيهة متكافئة الفرص، وليس عبر الفوضى التي قد تخلق فراغاً سياسياً سوف يملؤه حملة السلاح.

ويؤكد الباروني من جهته أن المؤشرات تشير إلى أن أي تغيير في الحكومة إذا حدث، لن يكون نتيجة مباشرة لإقامة السواتر الترابية، وإنما نتيجة تقاطع الضغوط الشعبية مع تفاهمات سياسية داخلية ورعاية دولية.

ويتابع أنه قد تستخدم هذه التحركات الميدانية لزيادة الضغط على الأطراف المتفاوضة وتسريع الوصول إلى تسوية، لكنها لن تكون بمفردها العامل الحاسم في إسقاط حكومة أو تشكيل أخرى.

ويقول المتخصص بالشؤون السياسية إن السواتر الترابية تمثل أداة ضغط سياسي أكثر منها أداة حسم سياسي، فهي قادرة على رفع كلفة بقاء الوضع القائم، وإرسال رسائل قوية إلى السلطة وإلى المجتمع الدولي، لكنها لا تمتلك وحدها القدرة على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية.

وفي الحالة الليبية، يرى الباروني أن تغيير الحكومة ما زال مرتبطاً بتوافقات مركبة تجمع بين الإرادة الداخلية، والتوازنات العسكرية، والتفاهمات الإقليمية والدولية، ولذلك فإن مستقبل السلطة لن تحسمه الطرق المغلقة وحدها، بل إن مصيره يبقى معلقاً بطاولة المفاوضات التي تلتقي فيها موازين القوة المحلية مع حسابات الفاعلين الدوليين. 

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير