Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هندسة جديدة لأراضي "الضفة" يرسمها مستوطنون برعاية عسكرية

مُنع أهلها منذ 3 أعوام من حراثة 100 مليون متر مربع وسط عمليات تجريف وتخريب مصادر المياه واقتلاع الأشجار

صدرت أوامر عسكرية بإغلاق المنطقة بهدف وقف الحراثة واستُخدمت إجراءات مكافحة الشغب لطرد المزارعين (أ ف ب)

ملخص

بعد أيامٍ قليلة خرج الشاب فجراً في محاولة جديدة، لكنه صعق حين وجد مستوطنين قد سبقوه لحراثة الأرض، وأن الجيش أعلنها منطقة يحظر فيها ممارسة الحراثة على رغم أنه يملك كل الوثائق التي تُثبت ملكيته لها.

أملاً بزراعةٍ خصبة ومحصول وفير خرج منصور سليمان (40 سنة) بأدواته التقليدية وبعض البذور لحراثة أرضه في منطقة الشيخ عمار في قرية دير دبوان شمال رام لله، وبعد وصوله إلى أرضه بدقائق، حضر إلى الموقع عدد من المستوطنين الذين لم يكتفوا بشتمه واستفزازه وسرقة أدواته فقط، بل منعوه من حراثة الأرض بحجة أنها "أملاك لدولة إسرائيل"، وبعدها حضر الجيش وتم إجباره على التنحي جانباً ومصادرة جراره الزراعي ونقله إلى معسكرٍ قريب في المنطقة.

وبعد أيامٍ قليلة خرج الشاب فجراً في محاولة جديدة، لكنه صعق حين وجد مستوطنين قد سبقوه لحراثة الأرض، وأن الجيش أعلنها منطقة يحظر فيها ممارسة الحراثة على رغم أنه يملك كل الوثائق التي تُثبت ملكيته لها.

تشويش الحراثة

وعادةً ما يتم منع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية لوقوعها خلف جدار الضم والتوسع أو قرب الطرق الالتفافية أو لاعتباراتٍ أمنية وعسكرية، لكن أخيراً لجأ الجيش الإسرائيلي تحت ضغط من المستوطنين لأسلوب بات يعرف إسرائيلياً بـ"تشويش الحراثة" لمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم.

ووفقاً لتقديرات منظمة "كرَم نابوت" الإسرائيلية التي تُكرِّس جهودها لمراقبة وبحث سياسات الأراضي التي تنتهجها السُلطات الإسرائيليّة في الضفة الغربيّة، مُنع الفلسطينيون خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من حراثة أكثر من 100 مليون متر مربع في أنحاء الضفة الغربية، وسيطر على معظمها مزارع استيطانية، يبلغ عددها اليوم نحو 140 مزرعة، وتصل مساحة مراعيها إلى نحو 900 مليون متر مربع.

 

وبينت وزارة الزراعة الفلسطينية أن الفترة بين الـ5 والـ11 من فبراير (شباط) الجاري وحدها شهدت تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية بحق القطاع الزراعي في محافظات الضفة الغربية، تمثلت في عمليات تجريف وهدم للبنية التحتية الزراعية، وتخريب مصادر المياه، واعتداءاتٍ واسعة على الأشجار المثمرة، إلى جانب اعتداءات المستوطنين التي طاولت المحاصيل والممتلكات الزراعية ومنعت المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، مما يقوض من مقومات الصمود الزراعي الفلسطيني عبر استنزاف الموارد الإنتاجية وإضعاف القدرة على استثمار الأرض، لا سيما في المناطق المصنفة (ج)، من خلال أدوات إدارية وقانونية تشمل أوامر وقف البناء والهدم ومنع الاستصلاح.

أوامر عسكرية

وإلى جانب منع الفلسطينيين من العمل في أراضيهم، أكدت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية مطلع فبراير الجاري أن جنوداً تلقوا الأوامر بمنع الفلسطينيين من حراثة أراضيهم في منطقة جبل الخليل جنوب الضفة الغربية بناءً على طلب من المستوطنين، وصدرت أوامر عسكرية بإغلاق المنطقة بهدف وقف الحراثة، واستُخدمت إجراءات مكافحة الشغب لطرد المزارعين، واحتجاز مَن يحاولون حرث أراضيهم.

في حين يؤكد مزارعون من مناطق متفرقة في الضفة الغربية أن المستوطنين يرصدون تحركاتهم أثناء أيام الحراثة ويصعدون من اعتداءاتهم لمنعهم من استصلاح الأراضي أو حراثتها.

ويرى مراقبون أن أسلوب "تشويش الحراثة" المتبع الذي يمارسه المستوطنون أخيراً، تصاعد بصورة ملحوظة بعدما صادقت الحكومة الإسرائيلية في الـ15 من فبراير (شباط) الجاري، على خطة شاملة لـتسوية أراضي الضفة الغربية وبدء تسجيلها رسمياً، تمهيداً لتحويلها إلى ما يُعرف بـ"أملاك دولة"، إذ إن الإضرار بالإنتاج الزراعي الفلسطيني واقتلاع المزروعات وتعطيل الحراثة سيؤدي في المدى البعيد إلى فقدان الملكية الفلسطينية للأرض، على اعتبار أن الأراضي مهجورة، لذا ستتمكن السلطات الإسرائيلية من إعلانها "أراضي دولة" والاستيلاء عليها بسهولة أكبر مستقبلاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشهد عام 2025 تصاعداً كبيراً وغير مسبوق في أعداد الأشجار الفلسطينية التي تم اقتلاعها وتدميرها بالكامل، وتشير الأرقام الميدانية الخاصة بمعهد الأبحاث التطبيقية – القدس (أريج) إلى اقتلاع ما يزيد على 33 ألف شجرة، من بينها مثمرة وأخرى حديثة الزراعة خلال هذا العام. ويعكس هذا الرقم حجم الاستهداف الممنهج للأراضي الزراعية والأشجار الفلسطينية.

وأكدت وزارة الزراعة الفلسطينية أنه خلال أسبوعٍ واحدٍ فقط من ديسمبر (كانون الأول) 2025، جرى اقتلاع 8 آلاف شجرة في الضفة الغربية قدرت خسائرها بنحو 7 ملايين دولار.

ووثقت خلال الفترة الممتدة بين الـ5 والـ11 من فبراير الجاري إتلاف المستوطنين والجيش 777 شجرة غالبيتها من شجر الزيتون، ومنعِ المزارعين من استصلاح أراضيهم.

في حين أشارت منظمة "كرَم نابوت"، إلى أنه منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى اليوم أعلنت إسرائيل أن أكثر من 800 مليون متر مربع في الضفة الغربية هي "أراضي دولة"، استناداً إلى الادعاء أن هذه المناطق غير مزروعة، أو ليست مزروعة بما يكفي.

منع كلي

تكمن المفارقة المؤلمة بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين، في أن المنطقة المصنفة (ج) التي تقع تحت السيطرة الأمنية والمدنية الإسرائيلية المطلقة ضمن اتفاقيات أوسلو التي وقعت في تسعينيات القرن الماضي، تستحوذ على أكثر من ثلثي موارد الضفة الغربية الزراعية وأخصب أراضيها وأفضلها جودة للرعي، وهم ممنوعون بأوامر إسرائيلية من استخدامها بسبب التوسع الاستيطاني والمناطق العسكرية وجدار الضم، ومعظم تلك المساحات مخصصة إما للمستوطنات أو للمناطق العسكرية والتدريبات و"للمحميات الطبيعية" التي غالباً ما تشكل غطاء للنشاطات الاستيطانية والعسكرية الإسرائيلية.

وعلى رغم أن المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة في شأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب (1949) تحظر على قوة الاحتلال تدمير الممتلكات الخاصة إلا للضرورة العسكرية القصوى، أقدمت وزارة الاستيطان على مصادرة مئات الأراضي من أجل مشاريع استيطانية. وخلال العام الماضي، جرى طرح ما مجموعه 251 مخططاً استيطانياً تضمّنت مشاريع لبناء ما يزيد على 31 ألف وحدة استيطانية جديدة في مختلف مستوطنات الضفة الغربية مع مصادرة أكثر من 33 مليون متر مربع من الأراضي الفلسطينية لأغراض عدة مثل إنشاء مستوطنات صناعية وغيرها من مخططات المباني العامة والحدائق وشق الطرق.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، أقدمت السلطات الإسرائيلية على مصادرة ما يزيد على 267 ألف متر مربع من أراضي بلدة حوارة جنوب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، من ضمنها 63 في المئة مزروعة بأكثر من 3400 شجرة زيتون، لشق "طريق التفافي حوارة" بطول 4.5 كيلومتر تقريباً لخدمة المستوطنين، على اعتبار أن معظم الأراضي في المنطقة لم تتم تسويتها، وأن غالبية السكان لا يملكون وثائق ملكية لأراضيهم.

مرحلة أولى

بعد عام 1967، جُمدت تسوية الأراضي في الضفة الغربية، حين كان نحو 30 في المئة من الأراضي فقط خاضعاً للتسوية، ونتيجةً لذلك فإن مالكي الأراضي الزراعية، في معظمهم، غير مسجلين رسمياً، وهو ما خول "شعبة الاستيطان" بمهمة الحفاظ على الأراضي من الفلسطينيين على اعتبار أنها ملك الدولة، غير أن الشعبة وفقاً لما ذكرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية كثيراً ما خصصت أراضي فلسطينية خاصة للمستوطنين، حيث يُستخدم التخصيص الأولّي كذريعة قانونية للاستيلاء على هذه الأراضي.

وبحسب التفسير الإسرائيلي، تُعتبر جميع الأراضي في الضفة الغربية "أراضي دولة" ما لم يتمكن المالكون الخصوصيون من إثبات العكس، ويتطلب مستوى الإثبات معايير عالية للغاية، تشمل وثائق من العهد العثماني والبريطاني والأردني، وسجلات الإرث، وسلاسل ملكية كاملة، وخرائط مساحية، وآراء قانونية تفسر كل هذه الوثائق، مما يعني أن احتمالات فقدان الفلسطينيين للملكية قائمة على نطاق واسع.

وبموجب قرار الحكومة الإسرائيلية بخطة "تسوية الأراضي" في المناطق المصنفة (ج) بالضفة الغربية حديثاً، ستخضع مساحات تقدّر بـ510 مليون متر مربع، أي نحو 9 في المئة من إجمال مساحة الضفة البالغة حوالى 5655 كيلومتراً مربعاً، وهي وفقاً لخبراء تشكل 15 في المئة من مساحة المنطقة (ج) المقدّرة بنحو 3400 كيلومتر مربع.

 

إلى جانب ذلك تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى توسيع نطاق الإجراء ليشمل نحو 55 في المئة من أراضي مناطق (ج)، أي حوالى 1870 كيلومتراً مربعاً عبر إعادة تصنيفها كأراضٍ "أميرية" تمهيداً لإدخالها ضمن منظومة "أراضي الدولة"، وهي النوع الثاني من أنواع الأراضي في قانون الأراضي العثماني التي أولى لها تنظيماً واهتماماً خاصاً، إذ تعتبر الأراضي الأميرية الأكثر انتشاراً في فلسطين عبر المراحل التاريخية التي مرت بها منذ العهد العثماني وحتى أيامنا هذه، وبلغت نسبتها في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة ما يقارب 69 في المئة من إجمال مساحة الضفة والقطاع.

وقد تمكن مستوطنون من تخصيص نحو 400 مليون متر مربع من أصل 1.3 مليار متر مربع مصنفة كأراضٍ "أميرية" لمصلحة المستوطنات وبنيتها التحتية.

ووفقاً لقرار الحكومة الإسرائيلية، فإن على قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي تحديد سقف زمني لإنهاء المرحلة قبل نهاية عام 2030.

تهجير الفلسطينيين

تجريد الفلسطينيين من أراضيهم بسبب صعوبة إثبات الملكية وإقصاؤهم من إجراءات التسجيل ضمن المعايير الجديدة، وبخاصة الغائبون منهم، مدمج بمطالبةٍ إسرائيلية أساسية بإثبات أن الأرض قد زُرعت بصورة مستمرة منذ عام 1967، وهو ما يعتبره الفلسطينيون معياراً "تعجيزياً" لا يقوى على إثباته سوى قلة قليلة منهم، كيف لا وقد بينت المعطيات أن نسبة الأراضي المسجلة رسمياً بأسماء فلسطينيين في مناطق (ج)، لا تتجاوز اثنين في المئة فقط.

وفي أعقاب إعلان مشروع "تسوية الأراضي"، وما لقيه من إداناتٍ محلية وعربية ودولية واسعة، صرح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش خلال أمسية أقامها حزب "الصهيونية الدينية"، قبل أيام في مستوطنة "بسيجوت" المقامة على أراضي رام الله والبيرة، بأن الحكومة الإسرائيلية القادمة يجب أن تعمل بجدّيّة على "تشجيع هجرة الفلسطينيين من الضفة الغربية لإحياء ما وُصفه بـ"ثورة الاستيطان".

وخلال كلمته، عرض سموتريتش خطة الاستيطان حتى عام 2030، وكشف عن أنه في الرابع من نيسان (بحسب التقويم العبري)، ستسكن 17 عائلة في مستوطنة "صانور" في شمال الضفة الغربية التي كانت قد أخليت ضمن خطة "فك الارتباط" عام 2005.

وتابع "نحن نتحدث منذ أعوام عن أرض إسرائيل ووصية الاستيطان فيها، ونحن لا نعتذر عن ذلك للحظة"، معتبراً أن الاستيطان يعزز "أمن إسرائيل". 

المزيد من تقارير