ملخص
تتصاعد الشكوك حول قدرة أرسنال على حسم لقب الدوري الإنجليزي على رغم تصدره، بعدما تحولت فلسفة ميكيل أرتيتا القائمة على السيطرة المطلقة إلى عبء نفسي وتكتيكي.
كان مشهداً لا يفترض أن يحدث لفريق يتصدر الترتيب، كان أرسنال في طريقه للابتعاد بفارق سبع نقاط في الصدارة، متقدماً بنتيجة (2 - 0) على متذيل الدوري الإنجليزي الممتاز المحكوم عليه بالهبوط، قبل أن ينهي المباراة وهو يتجادل مع لاعبي ولفرهامبتون، عقب هدف تعادل متأخر وفوضوي، وفجأة بدا كفريق خرج عن السيطرة.
مفارقة أرتيتا بين التحكم المطلق وضغط اللقب المنتظر
هنا تكمن مفارقة عميقة، ظهرت بوضوح في المؤتمر الصحافي الذي أعقب المباراة، إذ بدا ميكيل أرتيتا مصدوماً. فهو مدرب يسعى إلى بسط سيطرة أكبر على فريقه من أي مدرب آخر، بما في ذلك بيب غوارديولا. وهذا هو سبب وجود أرسنال في موقعه الحالي، لكنه أيضاً قد يكون المشكلة التي يمكن أن تحول في النهاية دون وصوله إلى حيث يريد حقاً، بل حقاً جداً، لقد أصبحت الرغبة ذاتها قضية بحد ذاتها.
لقد حصل أرتيتا على الصلاحية الكاملة لإشباع نزعة كانت كامنة لديه أصلاً، وأوصلتهم إلى هذا الحد، لكنها قد تبدأ الآن في الانقلاب على نفسها في اللحظة الحاسمة التي بات فيها الفوز قريباً جداً.
المقربون من أرتيتا يقولون إنه رجل "الاحتمالات" بامتياز، إذ ينظر إلى كل تفصيل، وصولاً إلى درجة حرارة أحواض الثلج وعجلة القيادة في حافلة الفريق، ويقيم ما يمكن فعله لتحسين فرص النجاح إحصائياً.
تراجع فاعلية المهاجمين وأرقام الأهداف الحاسمة
وبدأ بعض المحيطين بالنادي يتساءلون بالفعل عن مدى انسجام ذلك مع التعاقد مع فيكتور غيوكيريس واختياره كمهاجم أساس، وهو لاعب يعاني حالياً وقد يتحول ظلماً إلى هدف للانتقادات إذا لم يحقق أرسنال ألقاباً.
مصادر أخرى تؤكد أن أرتيتا لم يعد يوظف مثل هؤلاء المهاجمين بما يتناسب مع نقاط قوتهم كما فعل بين عامي 2022 و2024، ويمكن ملاحظة ذلك في الأرقام المتواضعة نسبياً للأهداف التي يسجلها المهاجمون.
وهنا تحديداً، تبدأ هذه الرغبة في السيطرة بالتحول إلى قيد بدأ يمنع أرسنال من التقدم خطوة إضافية.
لقد أصبح أرتيتا مهووساً بزيادة الاحتمالات إلى درجة بدأت تجعل اللقب المنتظر منذ زمن أقل احتمالاً، فقد أصبح اللاعبون منضبطين إلى حد التقييد. والمباراتان الأخيرتان - التعادل 2-2 أمام وولفرهامبتون و1-1 أمام برنتفورد - مثالان نموذجيان على ذلك.
تقدم أرسنال في كلتا المباراتين، وكان بإمكانه الاستمرار بالأسلوب نفسه أمام خصوم أضعف، لكنه تجمد، ونتيجة لذلك فقد السيطرة.
لا يوجد ما يفرض حدوث ذلك، لكن تكراره يشير إلى أمر نفسي، إذ يبدو أن أكبر خصم لهم هو أنفسهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أسلوبهم ذكي أكثر مما ينبغي، ومشحون بالتوجيه الفني المفرط، مما يسلب اللاعبين قدراً من الحرية ويصبح مرهقاً.
ومن هنا يأتي هذا القلق من كل شيء، فالرغبة العميقة في اللقب تتداخل مع نزعة أرتيتا الفطرية إلى السيطرة، لتضاعف الأثر السلبي لكلتيهما. وهو ما يعني أن المدرب الباسكي عليه أن يضبط هذا الأمر، حتى لا يتحول إلى حلقة سلبية مفرغة.
مقارنة موسمي 2022-2023 و2023-2024 وتبدل الهوية الهجومية
أبلغ أرتيتا لاعبيه بالفعل أن شيئاً لم يحسم بعد، وعليهم الاستمتاع بالرحلة. لكنه قد يضطر إلى العودة أبعد في رحلته مع هذا الفريق، لموسم (2022 – 2023).
المقاربة مختلفة تماماً عما كانت عليه قبل أربعة أعوام وحتى قبل عامين، فلدينا الآن فريق أرسنال أفضل بلا شك من حيث العناصر وتعدد الصفات، لكنه لا يبدو قادراً على تعظيم ما يملكه بالطريقة نفسها.
في موسم (2022 - 2023) كان عدد من المدربين المنافسين يعبرون فعلاً عن دهشتهم من مدى صعوبة اللعب أمام أرسنال، كان الفريق يحاصر خصومه، مع دوامة الحركة حول مارتن أوديغارد وبوكايو ساكا، ثم يفككهم. كانت هناك حيوية حقيقية، وإن لم تكن هناك خبرة بعد.
كان الفريق في النهاية صغيراً أكثر من اللازم على اللقب، وغير جاهز بعد، ولا عيب في ذلك. كما كان يواجه مانشستر سيتي الذي أصبح أخيراً بطلاً لأوروبا وصاحب ثلاثية تاريخية. كان المطلوب كبيراً من فريق يخوض أول تحد حقيقي على اللقب، ليبلغ ذلك المستوى.
بلغ أرسنال ذلك المستوى في الموسم التالي، وكان تحقيق 16 انتصاراً في آخر 18 مباراة من موسم (2023 - 2024) على الأرجح أفضل فترات حقبة أرتيتا، إذ وصلوا إلى 89 نقطة. غير أن سيتي، المشروع الأكثر بذخاً في تاريخ كرة القدم، كان يملك المزيد، وحصد نقطتين إضافيتين.
لكن لهذا السبب أيضاً قد يكون الموسم الماضي لحظة مفصلية أخرى، فربما تكون قد دفعت الأمور في اتجاه خاطئ.
سياسة التعاقدات وغياب المهاجم الحاسم في لحظات اللقب
مر غوارديولا بأزمة غير مسبوقة، ارتبطت جزئياً بنفوذه داخل سيتي، وكانت الفرصة سانحة أمام أرسنال. لكن في تلك اللحظة تحديداً، تعرض الفريق لسلسلة من أزمات الإصابات. وطرحت بطبيعة الحال تساؤلات حول التدريبات ونهج أرتيتا فيها، ومرة أخرى كانت الأزمة في مسألة السيطرة.
غير أن حل المدرب كان تعميق دكة البدلاء بصورة كبيرة في الصيف الماضي، وهنا تم تطبيق تلك الرغبة في السيطرة - تلك الإرادة الدائمة لزيادة الاحتمالات - على سياسة التعاقدات أيضاً.
بات لدى أرسنال عدد أكبر من اللاعبين، لكن ليس بالضرورة جودة أعلى. اتسعت القائمة، لكن السقف لم يرتفع.
وبالتالي يفتقر الهجوم حالياً إلى تلك الحدة القاتلة التي يمتلكها معظم الأبطال، بل إن الفريق لا يملك حتى أرقام أهداف دييغو كوستا مع تشيلسي في موسمي (2014 - 2015) أو (2016 – 2017).
ويبقى السؤال مطروحاً عما إذا كان ينبغي استثمار الأموال التي دفعت لغيوكيريس ونوني مادويكي وربما حتى إيبيريتشي إيزي في صفقة أكبر لنجم مضمون، لاختبار مدى استعداد ناد للاحتفاظ بلاعب كما يفعل الأبطال، ويمكن ملاحظة آثار ذلك في أرقام الأهداف.
الإحصاء التالي يبدو بدائياً في عصر التحليلات المتقدمة، لكنها لا يزال ذا دلالة واضحة، فمن يسجل لأرسنال عندما يكون في أمس الحاجة إلى هدف؟ عندما يحتاج إلى هدف افتتاحي أو هدف تعادل أو هدف حاسم، في تلك اللحظات الفارقة التي تتطلب من الفرق أن تستخرج أقصى ما لديها؟
في ما يتعلق بالأهداف الافتتاحية أو أهداف التعادل أو الأهداف الحاسمة، يتصدر مارتن زوبيميندي وميكيل ميرينو وغابرييل ماغالهايس القائمة بثلاثة أهداف فقط لكل منهم.
أرقام الهجوم ببساطة ليست كافية، ولهذا تحديداً يبدو أن أرسنال يتراجع حالياً، ولا يحسم الأمور.
يتصدر لياندرو تروسارد وساكا هذا الإحصاء بهدفين فقط لكل منهما، أحد هدفي ساكا جاء الليلة الماضية. ولدى غيوكيريس هدفين أيضاً، لكن أحدهما كان من ركلة جزاء أمام إيفرتون بعد أن منحه أوديغارد الكرة.
بوجه عام، هذه ليست أرقام أبطال. إذ يحتاجون إلى مزيد، ويحتاجون إلى لاعبين يمنحونهم تلك اللحظات.
ويستحضر مثال كوستا لأنه سجل ثمانية من هذه الأهداف في (2014 - 2015)، و11 هدفاً في (2016 - 2017)، كما أحرز إريك كانتونا أربعة أهداف حاسمة في مباريات متتالية بموسم (1995 - 1996)، مساهماً في 11 هدفاً من هذا النوع، وفي الموسم ذاته سجل إيان رايت سبعة لأرسنال.
بين الحرية والانضباط… مفتاح استعادة الزخم نحو التتويج
قد تكون طرق بناء الهجمات تغيرت في كرة القدم الحديثة، لكن الحاجة إلى الإلهام الفردي لم تتغير. وهناك نقطة بدهية مفادها بأن مواهب مثل أوديغارد وساكا ينبغي أن تقدم أكثر الآن مع دخولهما ذروة عطائهما، في سن الـ27 والـ24 سنة على التوالي، لكننا نعود مجدداً لمسألة الأسلوب والسيطرة.
هل الفريق مهيأ لتعظيم مواهبهما؟ هل يحظيان بالتركيز نفسه الذي كان بين 2022 و2024؟ أم أن المقاربة باتت الآن أكثر تقشفاً من اللازم؟
لا يعني أياً من ذلك أن أرسنال لن يفوز بالدوري، فلا يزال في موقع جيد. ولا يزال على الأرجح أفضل فريق في البلاد - وربما في أوروبا - من حيث الإمكانات اللازمة لحسم الأمر.
لكن في مفارقة كلاسيكية، يبدو الآن وكأنه يقلص فرصه القوية بيده.
أرتيتا بحاجة إلى أن يمسك بزمام الأمور، لكن ذلك قد يتطلب منه أن يتعلم كيف يخفف سيطرته.
© The Independent