Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"استهلاكي"... رؤية تشكيلية لعلاقة الإنسان بأشيائه

معرض فني يعكس الشره الشرائي الذي أصبح يعانيه العالم بمنظور معاصر وتدفع  اللوحات المتلقي إلى تأمل علاقتنا بما نمتلكه

أصبح الاستهلاك المبالغ فيه سمة عامة تنتشر في كل المجتمعات (من لوحات جعيصة)

ملخص

الاستهلاك وحال الشره الشرائي المبالغ فيه أصبحا ظاهرة يعانيها العالم كله مما دفع فناناً مصرياً إلى التعبير عنها بصورة تشكيلية في طرح يدفع المتلقي إلى التساؤل والتأمل في مفهوم الاقتناء وهدفه. "استهلاكي" طرح تساؤل ودعوة للتأمل حول علاقتنا بالأشياء وهل نملك ما نستهلكه أم أن الأشياء صارت هي ما يمتلكنا في هذا العصر؟

ضمن قيم عدة انتشرت في المجتمع بصورة كبيرة في الأعوام الأخيرة تأتي فكرة الاستهلاك المبالغ فيه الناتج من عوامل مختلفة من بينها السوشيال ميديا وملاحقة التريند في كل مناحي الحياة، دفعت هذه الظاهرة الفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة إلى محاولة التعبير عنها برؤية بصرية معاصرة تعكس هذا الواقع الذي أصبح طاغياً على أغلب المجتمعات.

المعرض الذي يستضيفه غاليري ياسين بالقاهرة يضم 28 لوحة تشكيلية بخامات الزيت والأكوريل تهدف إلى الاشتباك مع ظاهرة يعانيها العالم كله في الأعوام الأخيرة، وهي الشراء المبالغ فيه، والشره الشرائي الذي أصبح سائداً عند قطاع كبير من الناس وسلوك محموم بشكل مبالغ فيه، ويطرح الفنان من خلال هذه المجموعة من اللوحات تساؤلات ودعوة للتأمل حول علاقتنا بالأشياء وهل نملك ما نستهلكه أم أن الأشياء صارت هي ما يمتلكنا في هذا العصر؟

الاستهلاك انتقل من المفهوم الاقتصادي المتعارف عليه إلى نطاق أوسع يرتبط بالصورة الذهنية التي يرغب الأفراد بالظهور عليها في مجتمعاتهم وبالرغبة في مواكبة كل جديد من دون احتياج فعلي، لكن فقط بغرض ملاحقة التريند في كل شيء، بخاصة مع التدفق الكبير للمؤثرات الخارجية التي تدفع الناس إلى الشراء.

واللوحات تمثل حالاً من التكدس للمفردات المتنوعة التي تشكل أنماطاً مختلفة من الاستهلاك من بينها الأطعمة، والأحذية، والأجهزة، ولعب الأطفال، وصناديق التخزين، والجرائد، والسيارات، فالاستهلاك أصبح سمة تجمع كل فئات المجتمع، لكنها تتفاوت بحسب الأولويات والمستويات الاقتصادية، وبعض من اللوحات تظهر فيه الفوضى من خلال التكوين الذي اعتمده الفنان، لكنها فوضى جمالية تدفعنا إلى التفكر والتأمل في علاقتنا بكل هذه الأشياء التي نقتنيها ونكدسها.

 

لم يفت جعيصة الإشارة إلى الأثر المتراكم لكل هذا القدر من الاستهلاك في المخلفات الناتجة منه التي تتكدس هي الأخري بشكل مبالغ فيه كنتاج لهذا السلوك الاستهلاكي غير المحسوب، فمن النوادر أن تظهر أكياس المخلفات والقمامة في لوحات تشكيلية باعتبارها مفردة تفتقر في ذاتها إلى الحس الجمالي إلا أن الفنان وظّفها برؤية بصرية جمالية منحت المتلقي بعداً للتفكير والتأمل في الوجه الآخر للاستهلاك المبالغ فيه ورؤيته من منظور مختلف.

حضور الأشخاص في اللوحات كان خافتاً للغاية مع تزاحم كبير للأشياء لتحقق المغزى الذي يصبو إليه الفنان من الفكرة، وهو التركيز على نتاج فعل الإنسان وتأثيراته، ووضع المتلقي في مواجهة مباشرة مع واحدة من أهم ظواهر العصر الحديث التي تلقي بظلالها على حياته بأشكال مختلفة مادياً واجتماعياً ونفسياً.

لكن الفنان حرص على التعبير عن العلاقات الإنسانية في عدد من اللوحات باعتبار أن بعضها أصبح يمثل نمطاً من أنماط الاستهلاك بصورة أو بأخرى وتجاوز مفهوم العلاقات الإنسانية الطبيعية القائمة على قيم إنسانية عالية .

الفن التشكيلي وقضايا المجتمع

في مخيلة قطاع كبير من الناس أن الفنون التشكيلية بصورة عامة تعتمد على الاستلهام من مفردات ذات قيم جمالية وتقديمها بصورة بصرية تمنح لها بعداً إضافياً من الجمال، إلا أن هناك نماذج مغايرة تعمد إلى التعبير عن فكرة أو قضية تمثل ظاهرة أو تشغل المجتمع، وهنا يكون التحدي أمام الفنان هو كيف يمكن تحويل هذه الفكرة إلى صورة بصرية تطرح الفكرة بصورة جمالية تلفت انتباه الجمهور، ومن بينها هذا المعرض الذي كان التحدي فيه أمام الفنان كيف يمكن تقديم فكرة الاستهلاك بصورة تشكيلية معاصرة.

 

عن اختيار الفكرة يوضح الفنان التشكيلي ياسر جعيصة "الفن التشكيلي بشكل عام حالياً أصبح مشتبكاً مع قضايا المجتمع بدرجة أكبر من السابق يستلهم منها ويعبر عنها، باعتبار أن لها أهمية عند الناس وعند الفنان ذاته، في العصر الحالي قضية الاستهلاك المبالغ فيه أصبحت واحدة من أهم القضايا التي تعانيها المجتمعات كافة في العالم كله، فهناك حال من الشره للشراء تغذيها عوامل عدة من بينها السوشيال ميديا وحال الحشد والدفع اليومي المستمر للناس للشراء والاستهلاك في كل شيء في الملابس والديكورات والطعام والأجهزة، وكل شيء بشكل مبالغ فيه، فالناس تشتري أشياء في كثير من الأوقات لا تحتاج إليها وليس لها أهمية لمجرد مجاراة الواقع المحيط".

ويضيف "الكم المبالغ فيه من الأشياء التي يقتنيها الناس بهذا الشكل الاستهلاكي جعل قيمة الأشياء ذاتها تقل فالوفرة والإتاحة الكبيرة للأشياء أفقدتاها قيمتها، بخاصة عند الأطفال والأجيال الجديدة التي لا تزال غير مدركة قيمة الأشياء، فقد عكست ذلك في واحدة من اللوحات التي تضم كماً كبيراً من لعب الأطفال معروضاً بشكل مكثف، فبعض الأسر أصبحت تشتري لأطفالها ألعاباً بدرجة مفرطة لدرجة أن الطفل أصبح لا يقدر قيمتها، وبالنسبة إلى الكبار فبعضهم أصبح يشتري بغرض وهدف الاقتناء ذاته وليس الاحتياج الفعلي".

غواية الاستهلاك

ثراء وزخم لوني وألوان براقة تتوافق مع الطرح البصري، الذي يقدمه الفنان لمفهوم الاستهلاك، فهذا هو ما تظهر عليه المنتجات والبضائع عبر السوشيال ميديا وفي المواقع الإلكترونية المختلفة، وفي واجهات المتاجر بشكل يمثل صورة من صور الإغواء تدفع الناس إلى الشراء بفعل شهوة الامتلاك والرغبة في الاقتناء أحياناً من دون حاجة حقيقية، إضافة إلى ما يتعرض له الناس من سيل من الإعلانات وكم البضائع والدعوات للاستهلاك التي تلاحقه بشكل مستمر ومتلاحق عبر كل الوسائل والوسائط الحقيقية والافتراضية.

بعض اللوحات طغى عليها لون أوحد للدلالة على تكرار نمط معين من الاستهلاك والشراء مع تشابه المنتجات وعدم وجود فروق جوهرية مثل طغيان اللون الأزرق بدرجاته على لوحة تمثل سراويل الجينز على سبيل المثال التي يكدس الناس أعداداً كبيرة منها في خزائنهم على رغم عدم وجود فارق يذكر بينها.

التجربة الفنية لياسر جعيصة من خلال هذا المعرض أو في تجارب سابقة كثيراً ما كانت ترتكز على إثارة فكر المتلقي ودفعه إلى التأمل أو التفكير في الفكرة أو المغزى الذي يتناوله المعرض، كما ترتكز في جانب كبير منها على اعتماد ألوان صريحة ومباشرة.

كذلك فإنها تعتمد تيمة معالجة تسعى إلى خلق لغة مشتركة بين الفنان والجمهور يمكن أن تثير تساؤلات أو تدفعه إلى التفكير في قضية معينة ورؤيتها من منظور آخر، وهذا هو أحد الأدوار المنوطة بالفنون عموماً ومن بينها الفن التشكيلي.

 

يشير جعيصة إلى أن "الشراء الإلكتروني والمواقع المختلفة والتطبيقات التي أصبح يتوافر عليها كل شيء من المواد الغذائية للملابس والأحذية للأجهزة الالكترونية لكل ما يخطر وربما لا يخطر على البال، جعلت عملية الشراء سهلة، فيشتري الناس كل شيء يحتاجون إليه ولا يحتاجون إليه وهم جالسون في غرفة المعيشة بمنزلهم من خلال أجهزة الموبايل بمنتهى السهولة، سهولة العملية جعلت الناس تشترى أشياء كثيرة هم ليسوا في حاجة إليها نتيجة تكرار تعرضهم لها على السوشيال ميديا وغيرها، الشراء سابقاً كان يحتاج إلى إجراءات وانتقال للمتاجر والأسواق، ولم يكن كل هذا الكم من البضائع متاحاً فكان الشراء ليس بالسهل بعكس الآن، ويحتاج إلى شيء من التفكير قبل الشراء".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابع "حالياً هوس الشراء بشكل عام والأونلاين في مصر أصبح كبيراً ولا يقتصر على القاهرة ولا المدن الكبري إنما امتد إلى كل المحافظات، من بينها ذات الطابع الريفي، فأصبح ظاهرة جديرة بالملاحظة لكن مع حال الاستهلاك التي تجتاح العالم كله، فالأمر أصبح مفهوماً في ظل كثرة المعروض من كل شيء بشكل مبالغ فيه، فالشخص الواحد في بعض المجتمعات حالياً قد يكون استهلاكه يعادل استهلاك أسرة كاملة في زمن مضى".

حياة مكدسة

بتأمل اللوحات فإن واحدة من الملاحظات الجديرة بالاهتمام هي عدم وجود مركز للوحة كما هو سائد في غالب الأعمال التشكيلية عادة، لكن المفردات التي جرى اعتمادها في اللوحات كمظاهر للاستهلاك ظهرت مكدسة بشكل غير مألوف نسبياً في عالم الفن التشكيلي، وفي حال من الفوضي مثلما أصبح يطغى على حياتنا.

يوضح جعيصة "حرصت على تكديس الأشياء في اللوحة كما نشاهدها على السوشيال ميديا أو في المتاجر، وبالفعل لا يوجد بطل بعينه في اللوحة لدفع المتلقي إلى التأمل في التفاصيل الكثيرة التي أصبحت جزءاً رئيساً من حياتهم، فالمنازل أصبحت مكدّسة بالمشتريات وخزائن الملابس مكدسة بكم كبير من الملابس قد لا يكون لها احتياج فعلي، لكن يشتريها الناس ليكونوا مواكبين لكل جديد، حتى عقول الناس أصبحت مكدّسة بأشياء وتفاصيل نتيجة كم المؤثرات التي يتعرضون لها بشكل يومي مستمر وبصورة متواصلة".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة