ملخص
التدرج في استخدام الأوراق والزج بها في سياق المعركة يهدف إلى حماية العمق الاستراتيجي الذي يضمن في المرحلة التالية وما بعد انتهاء الحرب بقاء إيران داخل المعادلات الإقليمية والدولية
عندما وضعت إيران الجبهة اللبنانية كشرط من شروط وقف إطلاق النار ومدخل لإنهاء الحرب على الطاولة أمام الوفد الأميركي في المفاوضات التي استضافتها ورعتها الحكومة الباكستانية، كانت تريد إيصال رسالة واضحة بأن نظرتها إلى المعادلات الأمنية في الإقليم ليست محصورة أو مقتصرة على بعدها الجغرافي الضيق الذي يتعلق بحدودها، بل تنطلق من رؤيتها الخاصة باعتبار هذه الجبهة تشكل جزءاً لا ينفصل عن استراتيجيتها للردع أمام أي أخطار قد تتعرض لها.
بالتالي فإن نظرتها لـ"حزب الله" والدور الذي يقوم به على الساحة اللبنانية وفي المواجهة مع إسرائيل لا تنحصر في اعتباره ذراعاً أو وكيلاً لها على هذه الجبهة أو الساحة، بل من منطلق الحليف الذي يتحمل عبء ومهمة تثبيت معادلة الردع الاستراتيجي الخاصة بالأمن الإسرائيلي. ولهذا فإن الإصرار والتمسك بمطلب وقف إطلاق النار الشامل على هذه الجبهة لا يعني نهاية التصعيد، بل هو جزء من لعبة أكثر تعقيداً ترتبط بإدارة المعركة الكبرى والصورة الأخيرة لمعادلة التوازن والردع والأهداف الاستراتيجية للصراع.
من هذا المنطلق، يشكل لبنان الحلقة الأبرز والأهم في مفهوم العمق الاستراتجي للنظام الإيراني في سياق تثبيت نفوذه ودوره في المعادلات الاقليمية، ومنصة يمسك بها في حواره وتفاوضه مع الإدارة الأميركية من جهة، وصياغة المنظومة الإقليمية السياسية والأمنية في التعامل مع دول المنطقة المعنية.
وإذا ما كان بالإمكان وصف العراق بأنه مكمل للنسق الأول لمنظومة الردع التي عمل على بنائها النظام الإيراني في الإقليم، أي لا يمكن وضعه أو وصفه كنسق منفصل عن النسق الإيراني الأول في معادلة الردع، انطلاقاً من الجوار الجغرافي والتداخل الديمغرافي والعقائدي والثقافي ووصولاً إلى التلازم الأمني والعسكري. من هنا يمكن توصيف ما قامت به الفصائل والميليشيات العراقية من عمليات عسكرية ومشاركة في الحرب إلى جانب إيران في مواجهة الضربات الأميركية والإسرائيلية، وأيضاً في المشاركة بالضربات التي استهدفت الدول الخليجية، بأنه يدخل في سياق هذا النسق الإيراني المباشر. وما يعزز هذه الفرضية أن دور هذه الفصائل واستهدافاتها توقفت بناء على الإرادة الإيرانية المباشرة، والتزمت الفصائل الموالية لها بصورة كاملة بالأوامر والتوجيهات التي صدر عن طهران.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا التوصيف لدور الفصائل العراقية، ليس من باب التقليل من الدور الذي قامت به، ومدى ما أظهرته من ولاء للقرار الإيراني، من دون أن تأخذ في الاعتبار حجم التداعيات السلبية على موقع العراق في علاقته مع الجوار العربي أو الآثار التخريبة في موقف واشنطن من العملية السياسية العراقية. وهذه الفصائل لم تدخل أيضاً إلى جانب إيران من منطلق إيراني محض، بل أيضاً بناء على مصالحها الخاصة التي تعتقد بقدرتها على ضمان موقع ودور لها في المعادلات العراقية الداخلية.
والعلاقة العضوية بين هذه الفصائل والعمق الإيراني، والمخاوف التي تشعر بها حول مستقبلها، عززتها الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية على الحكومة العراقية قبل الحرب الأخيرة، ودفعها لاتخاذ قرار حاسم بالعمل على تفكيك منظومة هذه الفصائل وإخراجها من دائرة التأثير والإمساك بالقرار السياسي الرسمي والإداري للحكومة العراقية. وهذه الضغوط إن كانت تهدف إلى إنهاء النفوذ الذي تمارسه طهران على العملية السياسية في العراق، فهذا يعني حرمان إيران من أحد أوراق قوتها وتأثيرها.
لكن الدور الذي قامت به هذه الفصائل لا يمكن مقارنته بالأهمية التي تشكلها الجبهة اللبنانية نتيجة الدور الذي يلعبه ويقوم به "حزب الله"، بعد أن أثبت أن ارتباطه بطهران يتجاوز علاقة الولاء إلى مستوى الشراكة، وأنه يشكل واحداً من أركان المعادلة الإيرانية للردع على المستوى الإقليمي، إلى جانب النسق الثالث الذي يلعبه اليمن بقيادته الحوثية، الذي يمكن وصفه بأنه يشكل الاحتياط الاستراتيجي في حال عاد وسيطر خيار الحرب، التي من المتوقع أن تكون أكثر شراسة وشمولية واتساعاً في حال فشلت كل الجهود السياسية والدبلوماسية لإنهائها وعقد اتفاق واضح تضمن المصالح الاستراتيجية لكل الأطراف.
الاحتياط اليمني الاستراتيجي الذي لم يتدخل في حرب الـ40 يوماً على إيران ولبنان، بإرادة إيرانية، وهكذا أرادت طهران إيصال رسالة بأن النسقين الأول - الإيراني، والثاني - اللبناني، لم يصلا إلى مرحلة حرجة في المواجهة تفرض عليهما استخدام جميع الأوراق، وأن تطورات المعركة لم تصل إلى مستوى التهديد الوجودي لأي منهما، على رغم ارتفاع حجم الخسائر وشدة الضربات التي تعرضا لها. بالتالي فإن مبدأ عدم الثقة وإمكان الانقلاب الأميركي على المسار التفاوضي والسياسي يستدعي ويفرض عليهما الاحتفاظ بأحد أبرز أرواق القوة، التي قد تعيد قلب موازين المعركة في اللحظة المصيرية.
هذا التوازن الذي تمارسه القيادة الإيرانية في إدارة أنساق الردع التي عملت على بنائها في العقود الماضية، لا يفترض بها أن تنتقل من حال الضبط إلى الانفعال والوقوع في الفخ الذي قد يكون الأميركي والإسرائيلي قد نصباه، بالتالي فإن التدرج في استخدام الأوراق والزج بها في سياق المعركة يهدف إلى حماية العمق الاستراتيجي، الذي يضمن في المرحلة التالية وما بعد انتهاء الحرب بقاء إيران داخل المعادلات الإقليمية والدولية.
انطلاقاً من هذه الرؤية وهذا التوازن في إدارة مفاتيح وأنساق الردع التي تملكها طهران، يمكن فهم الإصرار الذي أظهره المفاوض الإيراني بأن تكون الجبهة اللبنانية جزءاً أساسياً من أي تفاهم لوقف إطلاق النار، وأن اشتراطها الالتزام الإسرائيلي بوقف عملياته العسكرية والانسحاب من الأراضي اللبنانية ربطته بوضوح بمسألة إلغاء إجراءاتها التي تعرقل حرية وانسابية الملاحة في مضيق هرمز، قبل أن يضاف إليه مطلب آخر يرتبط بإنهاء الحصار البحري الذي فرضته إدارة "البيت الأبيض" على الموانئ الإيرانية، بعد وقف إطلاق النار للضغط عليها للتخلي عن مطلبها على الجبهة اللبنانية.