ملخص
يتحدد مستقبل إيران بقدرة معارضتها المنقسمة، في الداخل والشتات، على توحيد صفوفها حول برنامج يقوم على حد أدنى من المفاهيم المشتركة وخطة انتقال عملية وشاملة، إذ إن استمرار تشرذمها سيبقي النظام قائماً لا لقوته الذاتية بل لغياب بديل منظم قادر على ملء الفراغ.
كلما عصفت الاحتجاجات بإيران وعمت البلاد كما حدث الشهر الماضي، يطرح محللون وناشطون سؤالين ثابتين: هل سيسقط نظام الحكم في البلاد بعد طول انتظار، وماذا سيحدث إن سقط فعلاً؟ أما الإجابات، فكثيرة. يعتقد بعض المحللين أن قيادة البلاد مستقرة بصورة مثيرة للدهشة وأن النظام قادر على الصمود في وجه مزيد من التظاهرات. ويرى بعض آخر أن النظام سينهار، ليحل محله نظام ديكتاتوري آخر يديره الحرس الثوري الإسلامي، الذي يعد الفرع الأقوى سياسياً في المؤسسة العسكرية الإيرانية. بينما يبدو آخرون أكثر تفاؤلاً، إذ يجادلون بأن النظام برمته سيسقط وأن إحدى شخصيات المعارضة الموجودة في الخارج، ربما ولي العهد الإيراني السابق رضا بهلوي، ستساعد البلاد على الانتقال نحو حكومة ديمقراطية أو أن بهلوي سيؤسس نظاماً ملكياً دستورياً. ولا يزال الأشخاص الأكثر تفاؤلاً يعتقدون أن إيران قد تشهد فترة انتقالية يجري التفاوض عليها من أجل الوصول إلى الديمقراطية، إذ تتخلى شخصيات النظام عن السلطة لصالح المعارضة.
يبدو أن إيران حقاً على أعتاب تغيير كبير. فالنظام منهك، والإيرانيون غاضبون بعد عقود من سوء الإدارة الاقتصادية. من ناحيته، يبلغ المرشد الأعلى علي خامنئي من العمر 86 سنة وكان أصيب بالسرطان وتعافى منه. وإن فشلت المباحثات المرتقبة في سلطنة عُمان بين طهران وواشنطن في كسر الجمود في شأن الملف النووي والبت في أنشطة إيران الأخرى المزعزعة للاستقرار، فقد تلجأ إدارة ترمب أيضاً إلى ضرب البلاد. لكن التكهنات الحالية حول ما سيحدث في إيران بعد ذلك (بما في ذلك بين المسؤولين الأميركيين الذين يناقشون الخطوات التي يجب اتخاذها) تتجاهل العامل الذي سيحدد ما إذا كان الإيرانيون سيحظون بمستقبل أفضل أم لا: وهو حال حركة المعارضة في البلاد. ولسوء الحظ، فإن هذه الحركة منقسمة بشدة. ويُقسم أعضاؤها إلى مجموعات عدة - طلاب جامعيون وأقليات عرقية ومناصرو النظام الملكي في الشتات، على سبيل المثال لا الحصر - غالباً ما تكون على خلاف مع بعضها بعضاً. فمثلاً، يلقي نشطاء المعارضة على بعضهم بعضاً بصورة مستمرة تهمة التعاون في السر مع النظام الإيراني أو مع حكومات أجنبية. ونتيجة لهذا الانقسام، فقد عانوا صعوبة في استغلال ضعف الجمهورية الإسلامية.
إذا أرادت جماعات المعارضة الإيرانية إطاحة النظام، فعليها أن تتعلم كيفية التعاون مع بعضها بعضاً. وعليها أن تعتمد برنامجاً أساساً مشتركاً يستند إلى مبادئ يتفق عليها الجميع، وأن تُرجئ النقاشات حول كل المسائل الأخرى. وعليها أن تضع خطة لإدارة البلاد في أعقاب انهيار النظام مباشرة. وأخيراً، يجب أن تكون أكثر احتواءً للمكونات الأخرى، بدلاً من محاولة إقصاء بعضها بعضاً باستمرار. وإلا، فستبقى الجمهورية الإسلامية، ليس لأنها تحظى بدعم شعبي، بل بسبب عدم وجود بديل لها.
لا حب ولا ود
على عكس بعض الدول الاستبدادية، مثل بيلاروس أو فنزويلا، لا تمتلك المعارضة الإيرانية بنية موحدة أو زعيماً واضحاً. بدلاً من ذلك، فإن أفضل طريقة لتصورها هي أنها أرخبيل من الجزر السياسية التي يفصل ما بينها الجغرافيا والأجيال والأيديولوجيات والتعرض للقمع. وتشمل هذه المجموعات الرابطات الأهلية والخلايا الطلابية ودوائر حقوق المرأة وحركات الأقليات العرقية والمنظمات العمالية. وقد شاركت جميعها في موجات الاحتجاجات التي هزت إيران منذ عام 2009. ولكن بسبب القمع الحاد من قبل الدولة وانعدام الثقة المتبادل، واجهت هذه المجموعات صعوبات في تنسيق عملها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لنأخذ على سبيل المثال النقابات العمالية في البلاد. قد يصح القول بأن هذه المنظمات، التي تضم معلمين وموظفين متقاعدين وموظفين في قطاع النقل وغيرهم من العمال، تشكل أكثر القوى المعارضة تنظيماً في البلاد. فهي تعبر بصورة منتظمة عن مظالم الإيرانيين في شأن التضخم وانعدام المساواة والفساد والخصخصة وغيرها من القضايا الاقتصادية. كذلك تشاطر هذه الجماعات الغضب الذي ينتاب معظم الإيرانيين إزاء السياسة الخارجية العقائدية والعدوانية والحربية التي ينتهجها النظام منذ عقود، والتي أدت إلى عزل إيران وإفقارها. كذلك فإن هذه الجماعات متجذرة بعمق في الطبقات العاملة والطبقات المتوسطة الدنيا في إيران. لكن الحكومة قيدت أنشطتها ومنعتها من التنسيق مع الجماعات الطلابية والجماعات النسائية ومجالس حقوق الإنسان.
وفي إيران أيضاً شبكات معارضة مكونة من أقليات عرقية، بما في ذلك مجموعات كردية وبلوشية وعربية من الأهواز وأذربيجانية، تتمتع بكفاءة تنظيمية كبيرة. ولا يطالب قادتها بإنهاء الحكم الديني فحسب، بل أيضاً بالاعتراف بحقوق الأقليات اللغوية والثقافية، ولا مركزية السلطة، والاستقلال الذاتي الحقيقي. لكن هذه المنظمات عادة ما تكون حذرة من الدخول في شراكات. تخشى الأولى أن تستبدل الثانية بالجمهورية الإسلامية حكومة مركزية أخرى يهيمن عليها الفرس وتقصي المكونات الأخرى، بينما تخشى الثانية أن تدعم الأولى الحركات الانفصالية أو تدعو إلى التدخل الأجنبي عبر حدود إيران التي تتسم بالهشاشة والمعرضة للصراعات.
يتهم نشطاء المعارضة بعضهم بعضاً بالتعاون مع الحكومة
ما زال شبح (وواقع) التدخل الأجنبي في إيران مصدر خلاف كبير. فقد اتهمت جميع فصائل المعارضة الإيرانية الكبرى تقريباً بعض منافسيها بالخضوع لتأثير دول أجنبية، سواء كانت دول الخليج أو إسرائيل أو روسيا أو تركيا أو الولايات المتحدة. وهذه الشكوك ليست بلا أساس تماماً. فالقوى الإقليمية والعالمية تتدخل بالفعل في السياسة الإيرانية، كذلك فإن جماعات المعارضة قد سعت بالفعل إلى نيل الدعم الخارجي. لكن هذه الادعاءات مبالغ فيها في الغالب، وتجعل بناء التحالفات أمراً بالغ الصعوبة.
حاولت بعض أطراف المعارضة جسر هذه الفجوات ورسم مسار للجميع. فعلى سبيل المثال، عملت منظمات المجتمع المدني والجماعات الحقوقية المكونة من محامين وصحافيين ونسويات وناشطين بيئيين وأقليات دينية على ربط الناشطين في الميدان بشخصيات معارضة في دوائر النخبة. وصاغوا بيانات مشتركة تدعو إلى التعددية السياسية والحكم العلماني والمساواة بين الجنسين وسيادة القانون وانتقال سلمي وديمقراطي. وقد قدمت هذه الجهات الدعم القانوني واللوجستي لمختلف منظمات المعارضة. لكن هذه الشخصيات غالباً ما تكون أول من يُسجن، وعادة ما تكون آخر من يُشرك في تنظيم صفوف المعارضة. ويؤدي هذا الاستبعاد إلى نتائج عكسية على جميع الأطراف المعنية. فهو يعني أن منظمات المجتمع المدني لا تستطيع حشد الاحتجاجات الجماهيرية بشكل مباشر، بينما يُحرم منظمو الاحتجاجات من الدعم المؤسسي القيم والخبرة القانونية وقنوات التفاوض.
وإلى جانب ذلك، لدينا شخصيات إما تنتمي الآن أو انتمت في السابق إلى المعارضة الداخلية للحكومة، التي عادة ما تقابل بالتسامح. ومن بين هذه المجموعة من الشخصيات المختلطة من داخل النظام الرئيس السابق حسن روحاني، الذي دعا إلى إصلاحات دستورية وتفسير أقل تشدداً للقيود الدينية، والرئيس السابق محمد خاتمي، الذي دعا إلى إصلاح جذري للنظام الحالي. كذلك تضم هذه المجموعة رئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي، الذي أسهم في قيادة احتجاجات الحركة الخضراء الإيرانية عام 2009، ومصطفى تاج زاده، المستشار السابق لخاتمي الذي يتمتع بشرعية محدودة متبقية بين الموالين المحبطين والمسؤولين من الرتب المتوسطة على رغم أنه طالب صراحة بالانتقال إلى الديمقراطية. في الواقع، لا يزال كثير من التكنوقراط من فترة رئاسة خاتمي من 1997 إلى 2005 يعملون في أجهزة الدولة، بما في ذلك في حكومة الرئيس مسعود بزشكيان. لكن روحاني وخاتمي وموسوي وتاج زاده وأقرانهم يواجهون جميعاً قيوداً مضاعفة. فمن ناحية، فرضت الدولة قيوداً صارمة تحد من قدرتهم على التنظيم لمنعهم من تهديد سلطة النظام. (فعلى سبيل المثال، يقبع تاج زاده حالياً في السجن، بينما يخضع موسوي للإقامة الجبرية منذ عام 2009). ومن ناحية أخرى، يعتبرهم المتظاهرون الأصغر سناً غير موثوقين بسبب مشاركتهم السابقة في نظام الجمهورية الإسلامية. ونتيجة لذلك، لا يستطيعون حشد دعم قاعدة عريضة من الإيرانيين ضد الحكومة.
صراع على السلطة
لدى النظام الإيراني منتقدون لا يستطيع قمعهم بسهولة: وهم أبناء الشتات. هؤلاء كثيرون ويمتلكون قوة حقيقية. يتمتع قادة الجاليات الإيرانية في الخارج مثلاً بموارد مالية هائلة، ولديهم صلات مع صانعي السياسة الغربيين، ويحظون بدعم شعبي كبير داخل إيران بفضل قوتهم الإعلامية. تساعد القنوات الفضائية وبرامج "يوتيوب" وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي التي تديرها هذه الشخصيات في تشكيل الرأي العام داخل إيران، وتنسيق الاحتجاجات في البلاد، وتوفير منابر لناشطين كان النظام سيقوم بإسكاتهم لولا ذلك.
لكن الجالية الإيرانية في الخارج، شأنها شأن المعارضة داخل إيران، معرضة للاقتتال الداخلي. إذ يتنازع أعضاؤها علناً عبر تصريحات شخصية تحمل نبرة المؤامرات، فالصقور، على سبيل المثال، يتهمون باستمرار المغتربين الذين يعارضون مهاجمة البلاد بأنهم عملاء للنظام. في المقابل، غالباً ما يزعم الحمائم أن الصقور هم دعاة حرب. وتؤدي مثل هذه الصراعات إلى إضعاف الثقة بين الناشطين والمواطنين العاديين داخل إيران، وتغذي الانطباع بأن القادة الإيرانيين في الخارج مهتمون أكثر باكتساب الشهرة من إطاحة الحكومة فعلياً.
ويمثل الموالون للملكية مثالاً على ذلك. فهم أكثر جماعة بارزة في الشتات، نظراً إلى شهرة اسم بهلوي، ويتألفون من كوكبة من الأطراف والمؤثرين الذين يرون أن إعادة إحياء نظام الملكية بقيادته هي أفضل طريقة للتخلص من النظام الحالي في إيران. وتتمثل قاعدة الدعم الجماهيري الأساسية لبهلوي تاريخياً في بعض شرائح الطبقة الوسطى الأكبر سناً في المدن الإيرانية، غير أنها نمت في الأعوام الأخيرة مع تزايد إخفاقات الجمهورية الإسلامية. لكن حركته تعتمد بشكل كبير على مؤيديه عبر الإنترنت والقنوات الفضائية، ولا تتمتع إلا بوجود منظم ضعيف داخل إيران.
علاوة على ذلك، فقد أبعد مؤيدو ولي العهد شخصيات معارضة أخرى عن طريق هجومهم المتكرر عليها. ويخاطر الدعم الإسرائيلي لبهلوي بتعزيز روايات النظام حول أن المعارضة مدعومة من الخارج. وأعرب محللون عن قلقهم من أن يكون بهلوي مثل أحمد الجلبي، المعارض العراقي البارز الذي كان في المنفى ونجح في حشد التأييد لغزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 وتعهد بقيادة البلاد، لكنه فشل في توجيه العراق في مرحلة ما بعد صدام حسين. وبالنسبة إلى الأقليات العرقية وكثير من الجمهوريين الإيرانيين، يثير اسم بهلوي الخوف من عودة المركزية والسلطة غير الخاضعة للمحاسبة. فهم لا يريدون استبدال بالديكتاتورية الإيرانية الحالية ديكتاتورية جديدة.
إن الجالية الإيرانية في الشتات تميل للاقتتال الداخلي
وفي الشتات جماعات معارضة أخرى أكثر إثارة للانقسام. وقد تكون منظمة مجاهدي خلق، وهي منظمة مسلحة سابقاً تنشط بشكل أساس في المنفى وتقودها مريم رجوي، أكثر القوى المعارضة للبلاد تنظيماً. لكنها مثيرة للجدل الشديد بسبب تحالفها مع العراق خلال الحرب الإيرانية-العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، والادعاءات الموثوقة من قبل أعضاء سابقين ومراقبين لحقوق الإنسان بوجود نظام داخلي شبيه بتنظيم طائفي. وتحظى هذه المنظمة بدعم كثير من السياسيين الغربيين البارزين، بمن فيهم وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو. ومع ذلك، ينظر معظم الإيرانيين إليها بعين الريبة الشديدة، إن لم نقل بعداء صريح.
حاول بعض ناشطي الشتات، مثل نظرائهم في إيران، سد هذه الفجوات. في فبراير (شباط) 2023، على سبيل المثال، وضع ثمانية إيرانيين في المنفى "ميثاق مهسا" لتوحيد أصوات الجمهوريين والملكيين وغيرهم حول مبادئ مشتركة تتمثل في الديمقراطية والحكم العلماني والمساواة بين الجنسين وعملية انتقال تشمل الجميع. حاول واضعو الميثاق تجنب مسألة من سيتولى قيادة تحالفهم. لكن جهودهم انتهت بالفشل في أبريل (نيسان) 2023 نتيجة الاختلافات الأيديولوجية العميقة والخلافات الاستراتيجية.
حتى لو تمكنت جماعات الشتات الإيرانية من تجاوز خلافاتها، فستحتاج إلى التوحد مع المعارضة الداخلية بغية إحداث تغيير حقيقي في البلاد. وسيكون ذلك مهمة أكثر صعوبة في الواقع. فمجتمع الشتات في النهاية بعيد عن إيران بطبيعة الحال. وهو بعيد بصورة خاصة عن الصعوبات الاقتصادية اليومية التي يعانيها الإيرانيون، وعن حال الفوضى والحرمان الأشد التي سيواجهها الإيرانيون في حال شن هجمات أميركية وإسرائيلية واسعة النطاق. ولذلك، يعتبر كثير من الناشطين في إيران أن دعوة الجالية الإيرانية في الخارج إلى التصعيد هي دعوة متهورة. فالدعوات إلى اتخاذ إجراءات عنيفة تبدو مختلفة عندما تصدر من برلين أو لوس أنجليس عنها حين تصدر من كرج أو كرمانشاه.
توحيد الصفوف
بصراحة، لا يمكن لأي مجموعة، سواء داخل إيران أو خارجها، أن تحقق التغيير بمفردها. وإن أرادت هذه المجموعة المتنوعة من قوى المعارضة أن تنجح، فعليها أن تشكل ائتلافاً، وهو عملية تبدأ باعتماد برنامج موحد محدود النطاق. وهذا أمر يمكن تحقيقه. على رغم كل اختلافاتهم، يتفق معارضو الجمهورية الإسلامية على ضرورة إنهاء هيمنة رجال الدين على الحياة السياسية والعامة، وأنه يجب على الدولة أن تكفل الحريات المدنية والسياسية الأساسية، وأنه يجب حماية وحدة أراضي إيران، وأنه على إيران أن تتبنى عملية انتقالية من النظام الحالي تنفذ في إطار زمني محدد وتحت إشراف دولي. ومن ثم يمكن لقادة المعارضة وأتباعهم أن يتحدوا حول هذه المبادئ الأربعة بدلاً من الجدال على مسألة إن كان يجدر بإيران أن تصبح ملكية أم جمهورية، وإن كان عليها أن تعتمد اللامركزية في السلطة، وأي اتجاه يجب أن تسلكه سياستها الخارجية. من الأفضل ترك هذه الأسئلة لمجلس تأسيسي منتخب في المستقبل، يمكنه أن يعكس آراء جميع الإيرانيين بشكل أفضل.
وبالطبع، فإن التوافق على برنامج مشترك هو مجرد الخطوة الأولى نحو التوحد. على مختلف جماعات المعارضة الإيرانية أن تبني روابط مؤسسية في ما بينها. ولغاية التغلب على قمع الدولة ومراقبة أجهزتها، يجب أن تنسق الجماعات الداخلية عملها من خلال شبكات لا مركزية يصعب القضاء عليها. عليها أن تنشئ منظمات مجتمعية مشتركة تقدم الخدمات الاجتماعية وتدافع عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية المحلية، مما قد يزيد من شعبيتها بين عامة الشعب الإيراني. وسيتعين على الجالية الإيرانية في الشتات من جانبها أن تنشئ آلية تنسيق فعالة لأعضائها. ويجب ألا تكون هذه الآلية حكومة في المنفى، بل منتدى للنقاش يلتزم قواعد شفافة، وآليات لتسوية النزاعات، وربما حتى قيادة دورية. يجب على جماعات الشتات أيضاً الاستثمار في اتصالات آمنة تساعدها على التنسيق مع الجهات الفاعلة في الداخل. لكن سيكون عليها كسب ثقة المعارضين داخل إيران وبناء توقعات واقعية. يجب أن تقبل بأن الذين يدفعون الثمن داخل إيران يجب أن يؤثروا بشكل أكبر في الخيارات الاستراتيجية.
لا يمكن للمعارضة الإيرانية أن تعمل على المستوى النظري فقط. سيحتاج أعضاؤها إلى الاتفاق على برنامج ملموس لما سيحدث فور سقوط النظام لمنع انهيار الدولة. لكن ينبغي أن يكون هذا البرنامج غير عقائدي وتقني، ويركز على استقرار عملة البلاد، والحفاظ على الخدمات الأساسية، ومنع النهب والعنف. يجب أن تضع المعارضة جدولاً زمنياً واضحاً لإجراء الانتخابات وعقد مؤتمر دستوري. إذ إنه من دون مثل هذا التخطيط، سيظل الخوف من الفوضى أقوى سلاح يملكه النظام. وسيبقى كثير من أعضاء النظام الذين كان من الممكن أن ينشقوا عنه على ولائهم له تجنباً للحرب الأهلية ودورات الانتقام وتفكك البلاد.
تتمتع كل مجموعة معارضة بإمكانات هائلة
وأخيراً، يجب أن يكون أي إطار انتقالي جامعاً بشكل واضح. خلال ثورة 1979، اتحد تحالف متنوع من العلمانيين واليساريين والقوميين والإسلاميين لإطاحة الملكية. لكن الحركة اختطفت بعد ذلك من قبل حراك ديني طموح ومنظم قام بتصفية خصومه وتوطيد سلطته. ومن شأن أي مرحلة انتقالية مستقبلية تقودها مجموعة تهمش الأقليات والناشطين العلمانيين والتقاليد الدينية أو السياسية المنافسة أن تخاطر بتكرار تلك الدورة تحت راية مختلفة.
سيكون بناء حركة ناجحة وجامعة أمراً بالغ الصعوبة. فإضافة إلى قمع السلطات والريبة المتبادلة، يلاحق المعارضة الإيرانية هاجس ماضي البلاد الطويل والمؤلم. فقد تركت ثورة 1979، وحملات التطهير في ثمانينيات القرن الماضي، والمظاهرات التي سُحقت في الأعوام التي تلت ذلك، ندوباً عميقة في نفسها.
ومع ذلك، هناك أسباب تدعو إلى الأمل في أن تنجح هذه الجماعات. فكل واحدة منها، في نهاية المطاف، تتمتع بقدرات هائلة. قد لا يمتلك نشطاء المجتمع المدني في البلاد، مثل تاجزاده ونرجس محمدي (الحائزة الآن على جائزة نوبل للسلام) المسجونين، نفوذاً مؤسسياً كبيراً، لكن كتاباتهم وتصريحاتهم توفر إرشادات عملية وأخلاقية بالغة الأهمية. وقد أظهر قادة النقابات العمالية والمنظمون الطلابيون مراراً وتكراراً قدرتهم على حشد آلاف الأشخاص. وتتمتع حركات الأقليات العرقية، لا سيما بين الأكراد والبلوش في إيران، بخبرة عقود طويلة في التعبئة. ويمكن للشبكات المحلية في مدن مثل الأهواز ومشهد وسنندج وزاهدان أن توفر الثقة الاجتماعية التي غالباً ما يفتقر إليها الإيرانيون. ويمكن للإصلاحيين الذين يقفون على هامش النظام، بمن فيهم بعض رجال الدين والتكنوقراط المعارضين، أن يتصدوا للجمهورية الإسلامية من الداخل ويساعدوا في تسيير أي انتقال للسلطة خلال فترة الاضطرابات. وفي الوقت نفسه، قد تتمكن الولايات المتحدة من المساعدة من خلال تقييم نقاط قوة المعارضة ونقاط ضعفها وتشرذمها الداخلي واحتياجاتها التنظيمية، ثم تزويدها بالأدوات والدعم اللازمين لتحويلها إلى جهة فاعلة متماسكة.
ولكن مهما فعلت واشنطن، فإن هذه الجماعات بحاجة إلى البدء في العمل معاً وبسرعة. لقد وصل النظام الإيراني إلى طريق مسدود. فهي ترفض تلبية المطالب الاجتماعية الشعبية فيما تعجز عن حل المشكلات الاقتصادية العديدة التي تعانيها البلاد. لذا لن يكون أمامها من خيار سوى الاعتماد بشكل أكبر على التخويف للبقاء في السلطة، مما يجعل اندلاع مزيد من الاحتجاجات أمراً لا مفر منه. والسؤال المطروح إذاً ليس ما إذا كانت إيران ستواجه أزمات جديدة، بل ما إذا كانت المعارضة ستكون جاهزة عندما تحصل تلك الأزمات.
سنام وكيل هي مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز أبحاث "تشاتام هاوس".
أليكس فاتانكا هو زميل بارز في معهد الشرق الأوسط.
مترجم عن "فورين أفيرز"، 13 فبراير (شباط) 2026