ملخص
حمل خطاب "الخماسية" نبرة تحذيرية تستند إلى خبرة تراكمية في قراءة أنماط الانزلاق نحو الفظائع الجماعية، خصوصاً في ضوء ما شهدته الفاشر من وقائع سبقتها إشارات إنذار مبكرة لم تجد استجابة كافية، ونبه إلى الرابط بين الإفلات من المساءلة واتساع دائرة العنف. وقدرة "الخماسية" الحقيقية تكمن في إعادة تشكيل بيئة القرار بحيث تصبح كلفة استمرار الحرب أعلى من كلفة الدخول في تسوية سياسية، وعند تلك النقطة يبدأ التحول الاستراتيجي الذي يرسم ملامح السودان في المرحلة التالية.
تتكاثف المبادرات الدولية لاستعادة التوازن المفقود في معادلة القوة والشرعية بسبب الحرب في السودان التي شارفت على بلوغ عامها الثالث. ظلت المؤسسات الإقليمية والدولية تتقدم تارة وتتأخر تارة أخرى إلى مسرح الأزمة قبل أن يصل النزاع إلى هذا الحد المهدد لكيان الدولة وبنيتها السياسية. تحول العنف من أداة صراع إلى قوة تفكيك شامل للدولة والمجتمع، ويقف السودان اليوم عند هذا المنعطف، إذ لم يعد النزاع مجرد تنازع على السلطة، بل اختبار لصلابة الإقليم، ولمدى قدرة النظام الدولي على صون الحد الأدنى من الاستقرار الإنساني والسياسي.
في هذا السياق أتى بيان "المجموعة الخماسية" التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، محذرة من تسارع التدهور في إقليمي كردفان والنيل الأزرق، ومن توظيف أدوات قتال متزايدة التدمير تمس المدنيين والبنية الحيوية. فقد كشفت التقارير الميدانية عن تصاعد نمط قتالي يتسم بحدة متزايدة، يتجلى في غارات الطائرات المسيرة ذات الأثر القاتل، وإحكام الطوق حول التجمعات السكانية، واستهداف البنية المدنية الحيوية بما يشمل المستشفيات والمدارس ومنشآت الإغاثة. ويترافق ذلك مع موجات نزوح قسري واسعة، وقيود صارمة تعوق وصول المساعدات، في ظل تهديدات متكررة لممرات الإمداد الحيوية واعتداءات على قوافل الإغاثة الإنسانية، مما يرسخ قناعة متنامية بضرورة تحرك عاجل وحاسم للحيلولة دون انزلاق الأوضاع نحو فظائع واسعة النطاق.
حمل خطاب "المجموعة الخماسية" نبرة تحذيرية تستند إلى خبرة تراكمية في قراءة أنماط الانزلاق نحو الفظائع الجماعية، خصوصاً في ضوء ما شهدته الفاشر من وقائع سبقتها إشارات إنذار مبكرة لم تجد استجابة كافية، ونبه إلى الرابط بين الإفلات من المساءلة واتساع دائرة العنف، وشددت "الخماسية" على وقف تدفق السلاح والمقاتلين، وعلى إطلاق هدنة إنسانية مع اقتراب شهر رمضان، ضمن ترتيبات منسجمة مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، بما في ذلك القرار 2736 الصادر في الـ13 من يونيو (حزيران) عام 2024. هذا الربط بين الشرعية القانونية والاعتبارات الإنسانية يعكس تصوراً يعتبر أن حماية المدنيين مدخل لإعادة بناء المجال السياسي، فالرهان يتجاوز إدارة الأزمة إلى منع تفكك الدولة، وتهيئة شروط انتقال سياسي سوداني جامع، ويعيد تعريف السلطة بوصفها عقداً وطنياً، لا غلبة عسكرية عابرة.
منطق استنزاف
تشهد الساحة السودانية طوراً جديداً من التشابك العسكري والإنساني في مواقع عدة في الوقت ذاته، إذ يتقدم منطق الاستنزاف كإطار حاكم لمسار الحرب، التي تشهد تحول الجغرافيا الطرفية إلى مركز ثقل للصراع، فقبل أن يخمد الصراع الناشئ في إقليم النيل الأزرق، برزت مدينة كادوقلي في ولاية جنوب كردفان إلى واجهة الأحداث.
تعكس الضربات بالطائرات المسيرة التي تتهم بتنفيذها قوات "الدعم السريع" انتقال العمليات نحو نمط حرب منخفضة الكلفة مرتفعة الأثر، إذ تتسع مساحة الاستهداف داخل الأحياء المدنية والبنية الخدمية. هذا التطور يخلق معادلة جديدة تضعف القدرة المحلية على الصمود، وتعيد تشكيل ميزان السيطرة عبر إنهاك المدنيين وتحويلهم إلى خطوط قتال. في المقابل تسعى القوات المسلحة إلى تثبيت مكاسب ميدانية عقب إعلان رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان فك الحصار عن المدينة ما منح الجيش زخماً سياسياً.
أخذ الموقف الدولي طابعاً أكثر كثافة مع تصاعد التقارير الإنسانية، فقد قدم المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك وصفاً يعكس اتساع دائرة الخطر، مع تكرار استهداف المدارس ودور العبادة والمخازن الإغاثية. وضرب مستودع تابع لبرنامج الأغذية العالمي، وقصف مسجد في الرهد ومدرسة في الدلنج، وضعا العمليات العسكرية تحت مجهر القانون الدولي الإنساني، وأضفيا على البيانات الأممية طابع التحذير الاستراتيجي أكثر من مجرد الإدانة السياسية.
في السياق ذاته حذرت منظمة الصحة العالمية من تعرض النظام الصحي لهجمات متتابعة، وهو مؤشر إلى تآكل القدرة المؤسسية للدولة. وشارك الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الإقليمية في موجة إدانات متزامنة، مما مهد لصدور بيان "اللجنة الخماسية" الداعي إلى هدنة إنسانية وخفض التصعيد، في محاولة لفتح ممرات إغاثية وسط بيئة عملياتية شديدة السيولة.
أما الأزمة الغذائية فتضيف تعقيداً أعمق ومزمناً، فقد حذرت مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي من تمدد خطر المجاعة في مناطق واسعة من شمال دارفور، إذ يقود النزوح المطول وانهيار شبكات المياه والرعاية الصحية إلى تسارع معدلات سوء التغذية. وتشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى موجات نزوح جديدة داخل إقليم كردفان، بما يعيد رسم الخريطة الديموغرافية للصراع.
وانطلقت قوافل المساعدات من الأبيض نحو كادوقلي تحمل إمدادات غذائية، ولكن يحيط بها انعكاس الصراع الموازي باستهدافها. ومع استمرار الضربات قرب طرق الإمداد الممتدة نحو الدلنج والرهد، تتبلور صورة حرب طويلة الأمد، يتراجع فيها الحسم العسكري لمصلحة إدارة الإنهاك، إذ يتحول المدنيون إلى مركز المعادلة الاستراتيجية التي تحدد اتجاهات المرحلة المقبلة.
تسوية مشروطة
حمل بيان "الخماسية" في طياته حزمة أوراق سياسية وقانونية يمكن التلويح بها مع تزايد كلفة الحرب داخلياً وإقليمياً ودولياً. الورقة الأولى تتمثل في إعادة تأطير الصراع قانونياً، والإشارة الصريحة إلى قرارات مجلس الأمن تمنح اللجنة قدرة على نقل الأزمة من نطاق النزاع الداخلي إلى مجال المساءلة الدولية، وهذا التحول يضع طرفي النزاع تحت مظلة نظام عقوبات محتمل يشمل تجميد الأصول، وتقييد الحركة الدولية، وتوسيع قوائم الحظر الفردي، واللغة المستخدمة حول "آليات المحاسبة" تعكس استعداداً لفتح مسارات تحقيق دولية قد تنتهي بإجراءات قضائية عابرة للحدود، بما يحول المسؤولية العسكرية إلى عبء سياسي طويل الأمد.
الورقة الثانية ذات طبيعة إنسانية - استراتيجية، إذ يجرى توظيف ملف حماية المدنيين بوصفه أداة ضغط مركبة، والتشديد على استهداف البنية التحتية والمرافق الطبية ومخازن الإغاثة يمنح المجتمع الدولي أساساً قانونياً لتوسيع الرقابة على العمليات العسكرية، وهذا المسار يسمح بربط شرعية أي طرف بمدى التزامه بالقانون الدولي الإنساني، وهو معيار يمكن أن يستخدم لتحديد من يملك حق التعامل الدبلوماسي والاقتصادي مستقبلاً.
أما الورقة الثالثة فتتعلق بالتحكم في شرعية الوصول الإنساني، والدعوة إلى ضمان مرور المساعدات من دون عوائق تحمل دلالة تتجاوز البعد الإغاثي، إذ تفتح الباب أمام آليات إشراف دولي على طرق الإمداد والمناطق المتأثرة بالحرب، ومع توسع دور الوكالات الأممية، يصبح التحكم في المساعدات مدخلاً لإعادة رسم خرائط النفوذ المحلي، إذ تتحول الممرات الإنسانية إلى خطوط تأثير سياسي.
الورقة الرابعة ترتبط بالعزلة الدبلوماسية التدريجية، وصدور البيان في تنسيق مع تجمعات إقليمية ودولية يمنح "الخماسية" قدرة على تشكيل إجماع سياسي متدرج، يبدأ بالإدانة الجماعية وينتهي بإعادة تعريف العلاقة مع طرفي النزاع وفق سلوكها الميداني، وهذا النمط من الضغط يراكم أثراً بطيئاً لكنه عميق، إذ يحد من القدرة على اكتساب الاعتراف الخارجي أو الوصول إلى الموارد المالية.
الورقة الخامسة والأكثر حساسية تتمثل في تهيئة أرضية تسوية مشروطة، والخطاب القانوني والإنساني يصوغ إطاراً تفاوضياً مسبقاً، تربط فيه أي عملية سياسية لاحقة بوقف الانتهاكات والانخراط في ترتيبات مراقبة دولية، وبذلك تتحول المحاسبة إلى أداة هندسة للمستقبل السياسي، إذ يعاد تعريف ميزان القوة عبر الشرعية الدولية أكثر من الحسم العسكري.
حسابات متباينة
مع أن بيان "الخماسية" يبدو موحداً في الصياغة، متماسكاً في خطاب حماية المدنيين ووقف التصعيد، غير أن وحدة اللغة تخفي تعددية في مصادر القوة والرؤية الاستراتيجية لكل عضو، وهذا النمط من التوافق يعكس ما يمكن وصفه بـ"الانسجام الوظيفي"، وهو إطار مشترك يسمح بالتحرك الجماعي مع احتفاظ كل طرف بأولوياته الخاصة.
بعض أعضاء "الخماسية" ينظر إلى الأزمة من زاوية الاستقرار الإقليمي ومنع تمدد الفوضى نحو الممرات الحيوية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بينما يركز آخرون على إعادة بناء مسار سياسي مدني يحد من عسكرة الدولة السودانية. في المقابل تحضر لدى أطراف أخرى اعتبارات تتصل بأمن الحدود، والهجرة غير النظامية، وأسواق الطاقة والتجارة العابرة للإقليم. هذه التباينات لا تترجم إلى صراع داخل اللجنة، بل إلى توزيع أدوار غير معلن، أحدها يمارس الضغط السياسي، وآخر يوفر قنوات الاتصال، وثالث يفعل أدوات المساعدة الإنسانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ينبع التماسك الحالي من إدراك مشترك بأن انهيار السودان يخلق فراغاً جيوسياسياً واسعاً، وهو عامل يدفع الأعضاء إلى الحفاظ على حد أدنى من التناغم. مع ذلك يظل هذا التوازن هشاً، إذ ترتبط فاعليته بقدرة اللجنة على تحويل الإجماع الخطابي إلى أدوات تنفيذية. وكلما اقتربت المبادرات من ملفات حساسة مثل العقوبات أو إعادة ترتيب السلطة الانتقالية، تبرز فروق الرؤية حول سرعة الضغط وحدوده.
أما موقف طرفي النزاع فيعكس قراءة براغماتية لهذا التعدد، فالقوات المسلحة تنظر إلى بعض أعضاء "الخماسية" باعتبارهم شركاء محتملين في تثبيت مفهوم الدولة المركزية واستعادة المؤسسات، وتتعامل مع المبادرات الدولية بوصفها وسيلة لتعزيز شرعية السلطة السيادية. في المقابل تسعى قوات "الدعم السريع" إلى الحفاظ على قنوات مفتوحة مع أطراف داخل اللجنة تظهر حساسية أكبر تجاه الترتيبات التفاوضية وتوازنات القوة على الأرض، بما يسمح لها بتجنب العزلة السياسية الكاملة.
الطرفان يدركان أن "الخماسية" لا تمثل كتلة صلبة بالمعنى التقليدي، بل شبكة تأثير متعددة المستويات، لذلك يجرى توظيف الخطاب الدبلوماسي تجاهها بصورة انتقائية، إشارات إيجابية عند الحاجة إلى الوساطة، وتصعيد سياسي عندما تقترب الضغوط من آليات المحاسبة الدولية، وهذه العلاقة المركبة تمنح اللجنة قدرة على البقاء داخل المشهد، لكنها في الوقت ذاته تحد من قدرتها على فرض تسوية سريعة.
مسارات محتملة
تتحدد فاعلية "اللجنة الخماسية" بقدرتها على مرافقة التحولات وتوجيه مسار الأزمة عبر أدوات الضغط التدريجي وإدارة التوازنات الإقليمية. المسار الأول يتمثل في نشوء هدنة إنسانية ممتدة تتحول تدريجاً إلى وقف نار فعلي من دون إعلان رسمي، والمؤشرات الميدانية تفيد باحتمال تراجع المعارك الواسعة بعد صعود الضربات المحدودة ما يوحي بإرهاق جراء العمليات القتالية، وهو ما يمنح "الخماسية" مساحة تأثير ملموسة، وقدرتها هنا كبيرة نسبياً، إذ تمتلك أدوات إنسانية ودبلوماسية قادرة على تثبيت خطوط التهدئة عبر تنظيم الممرات الإغاثية، وتأمين قوافل المساعدات، وربط الدعم الدولي بدرجة الالتزام الميداني، غير أن إمكاناتها تبقى مرتبطة بقبول الطرفين، مما يجعل دورها أقرب إلى تثبيت واقع قائم منه إلى صناعة اتفاق سياسي شامل.
المسار الثاني يقوم على استمرار حرب الاستنزاف وتآكل مؤسسات الدولة مع توسع الاقتصاد الموازي. في هذا السيناريو تتقلص قدرة "الخماسية" على التأثير المباشر، لأن الصراع يتحول إلى شبكة مصالح اقتصادية محلية عابرة للحدود يصعب ضبطها بالوسائل الدبلوماسية التقليدية. وتمتلك اللجنة أدوات تخفيف الانهيار الإنساني ومنع انتقال الفوضى إلى الإقليم، لكنها تواجه حدوداً واضحة في تغيير سلوك أطراف تستفيد من اقتصاد الحرب. وتصبح إمكاناتها هنا وقائية أكثر منها حاسمة، إذ يتركز دورها في منع الانزلاق إلى انهيار شامل عبر دعم الاستجابة الإنسانية والحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة.
أما المسار الثالث فينشأ عندما تتقاطع الضغوط القانونية الدولية مع أزمة موارد حادة لدى أحد الطرفين. في هذه اللحظة ترتفع فاعلية "الخماسية" إلى أقصى مستوياتها، لأنها تجمع بين النفوذ السياسي والغطاء الدولي والقدرة على تنسيق العقوبات والحوافز في آن واحد. وتستطيع اللجنة استخدام أدوات متعددة، دعم مسارات المساءلة الدولية، وتنسيق الضغوط الاقتصادية، وتقديم ضمانات سياسية لأي تسوية انتقالية، وإمكاناتها هنا كبيرة، لأن طرفي النزاع يصبحان أكثر حساسية للشرعية الدولية وأكثر استعداداً للبحث عن مخرج تفاوضي يحفظ موقعها داخل النظام السياسي القادم.
تحدد قوة "الخماسية"، وفق هذه السيناريوهات، بمرونتها في الانتقال بين أدوار مختلفة، وسيط إنساني في مرحلة التهدئة، ومدير أزمة في زمن الاستنزاف، ومهندس تسوية عندما تبلغ الحرب حدودها القصوى، وقدرتها الحقيقية تكمن في إعادة تشكيل بيئة القرار بحيث تصبح كلفة استمرار الحرب أعلى من كلفة الدخول في تسوية سياسية، وعند تلك النقطة يبدأ التحول الاستراتيجي الذي يرسم ملامح السودان في المرحلة التالية.