Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشفير الفلسفي الذي يجمع بين العقل والميتافيزيقا

كتاب وليد الخوري ينطلق من سؤال مركزي يرافق تاريخ الفكر العربي

الفلسفة العربية والعقل (موقع "تراث عربي")

ملخص

"كلام على شفير الميتافيزيقا"، كتاب للباحث الأكاديمي وليد كميل الخوري، يضم مجموعة مقالات فلسفية متعددة، قوامها منذ نشأته، عنيت سؤال العلاقة بين العقل والدين وسائر الموضوعات الميتافيزيقية، أو بتعبير أدق، بين إمكانات العقل التساؤلية أو بنية المعرفة وحدود النص.

الكتاب الفلسفي، الصادر من "مركز دراسات فلسفة الدين" في بغداد و"دار التنوير" في بيروت (2025)، يضم قرابة 20 مقالة، فضلاً عن التمهيد والخاتمة، تتوزع بين دراسات نقدية وقراءات في التراث ومقاربات لفلاسفة قدماء وحديثين، يشدها إلى بعضها اشتغالها المتواصل على مفهوم "العقلنة" ومساراته المتعثرة في الثقافة العربية الإسلامية في عصورها المختلفة.

يتتبع الكتاب إذا المسار المعرفي في تاريخ الثقافة العربية من خلال دراسة بعض نماذج من خطاباتها الكاشفة عن سمات النظام الإبستيمي الذي أسهم في إنتاجها، مشيراً، في الوقت عينه، إلى بنية هذا النظام الذي حمل في طياته ما يعوق مواكبة التطور الإبداعي. من هذه الزاوية تتوقف الدراسات عند مفاهيم تراثية مثل الاعتبار، والاقتداء، والقياس على أصول عصية على المراجعة، تخضع لضوابط اللغة وتقاوم كل تجديد دلالي أو معرفي يزعزع الركود الفكري.

يبدأ الكتاب بعنوان يشير إلى موقع إشكالي: "الشفير"، أي الجانب والحرف أو الحافة التي يتجاور عندها العقل والميتافيزيقا، من دون أن يذوب أحدهما في الآخر. فالخوري لا يكتب من داخل خطاب لاهوتي، ولا يتبنى عقلانية صارمة تقصي البعد الديني الماورائي، بل يقف في منطقة توتر خصبة، حيث تتكاثر الأسئلة وتختبر المفاهيم.

 

 

في التمهيد ينطلق المؤلف من التمييز بين ثلاثة أفعال عقلية: العقلانية، والعقلنة، والتبرير العقلاني. فالعقلانية التي تنامت أولاً في الثقافة العربية "على وقع الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي" وتنامت لاحقاً على وقع احتكاك العرب بالحداثة الأوروبية هي بحسبه رؤية شاملة للعالم تقوم على التناسق والنظام، وقد تميل إلى إقصاء ما لا يخضع لمنطقها وبنيتها المعرفية المرتكزة "إلى الاستدلال بمعطيات الحس والتجربة وقواعد العقل الصارمة، وبين الاستنارة بالمعارف المتعالية في أصلها على شروط التفكير العقلاني المنتج للمعاني والأفكار". أما العقلنة فهي فعل ذهني يربط بين التجربة وتفسيرها المعقول المنهم "بإقامة معادلة بين المنطق الذي يحكم وصف أو تفسير ظاهرة من الظواهر وواقع الظاهرة نفسها"، بينما يشير تعبير التبرير العقلاني إلى بناء منظومات فكرية انطلاقاً من مقدمات جزئية أو وهمية، غالباً ما تتحول إلى أيديولوجيا مغلقة. ليس هذا التمييز نظرياً، لعله يشكل مفتاحاً لقراءة التراث والواقع معاً.

الخطاب التراثي

في تتبعه لمسار الفكر العربي يؤكد الخوري أن العقلنة كانت حاضرة بقوة في الخطاب التراثي، لا سيما في النصوص الفقهية وفي أصول التشريع. فالقياس، والاستقراء، والاستحسان، والاستصلاح، كلها أدوات عقلية هدفت إلى إضفاء المعقولية على الأحكام الشرعية. غير أن هذا المسار تعرض لاحقاً للتضييق، مع صعود التيارات التي أعادت مركزية النص على حساب العقل، وأعادت تعريف العقل نفسه بوصفه "غريزة" أو وظيفة أخلاقية خاضعة للوحي، كما يظهر بوضوح في مشروع الغزالي، لا سيما في كتابه "تهافت الفلاسفة" الذي سعى بحسب الخوري إلى "تقبيح الفلسفة وأهلها وتهفيت أفكارهم، بعد رميهم بالبدعة والكفر".

في قراءته الدقيقة للغزالي، يبين الخوري كيف جرى "تفريغ" العقل من طاقته النقدية، وحصره في إطار الطاعة والإيمان، مما أدى إلى إنتاج نموذج إنساني يطيع أكثر مما يسأل، ويتلقى أكثر مما يفكر. وعلى الضفة الأخرى، يستعيد المؤلف العقلانية الرشدية بوصفها محاولة جريئة للتوفيق بين الحكمة والشريعة، معترفاً في الوقت عينه بحدود هذا المشروع، الذي لم يبلغ الفصل الكامل بين الفلسفة واللاهوت أو الحكمة والشريعة، مشيراً إلى النكبة التي حلت بالعقلانية على يد الأشاعرة بعد إقصاء المعتزلة، الذين ركنوا إلى أصالة العقل وحرية التفكير.

تلفت القارئ المقالة المعنونة "مناظرة السيرافي – متى، حوار على شفير الميتافيزيقا" والتي دارت في مجلس الوزير الفضل بن جعفر بن الفرات في القرن العاشر للميلاد بين السيرافي القاضي والنحوي وأبي بشر متى المترجم والفيلسوف والمنطقي المسيحي، والتي بين الخوري في تحليلها كيف أنها "شوهت معنى الحوار" العقلاني وأظهرت "تفوق العصبانية ومشاعر العداء للآخر المختلف" في انشغال صريح من قبل السيرافي بعلم النحو على حساب قواعد المنطق والعقلانية، مؤكداً أن هذه المناظرة انتهت "إلى نتيجة تُعلي من شأن اللغة على حساب المنطق، وترفع الأصيل والموروث وتحط من قدر الوافد الدخيل"، أي العقل والمنطق، بمعنى أن هناك "فجوة عميقة تفصل بين علمين (النحو والمنطق) عززت تطوراً على شفير مرجعيتين (العقل والنص) تختلفان عند الأفق الميتافيزيقي لكل منهما". ويقول الخوري إن إشكاليات هذه المناظرة لم تغب عن الخطاب العربي المعاصر، مورداً أسماء مناصري متى كمحمد عابد الجابري، والمدافعين عن السيرافي كطه عبدالرحمن.

ولا يتوقف الكتاب عند العصور الوسطى، بل ينتقل إلى الفكر العربي الحديث، متناولاً بالدرس والتحليل مشاريع النهضة وإخفاقاتها. فمن فرح أنطون وشبلي الشميل ويعقوب صروف وغيرهم من العلمانيين المجددين، مروراً بالإصلاحيين كالطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده، وصولاً إلى طه حسين ومحمد عابد الجابري وكمال يوسف الحاج ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد، يرصد الخوري في دراساته محاولات متكررة لإعادة الاعتبار للعقل والحرية، والتي غالباً ما اصطدمت برأيه ببيئة ثقافية واجتماعية معادية، جعلت من الخطاب النقدي "زرعاً في تربة مالحة" في وقت "ازداد فيه الاطمئنان إلى الدين" من منظور الإسلام السياسي والأيديولوجيا الدينية في حضور طاغٍ للنص الديني وتغلغله في طبقات الثقافة العربية الإسلامية، مما جعل من تفكيك هذه البنى المعرفية مسألة بالغة التعقيد تحتاج "إلى كثير من الجهود الفكرية المخلصة والسياسات المتنورة". من هذه الزاوية يعرج الخوري في مقالة بعنوان "حول التفكير في زمن التفكيك" على القراءات والمنهجيات المستلهمة من تفكيكية دريدا والألسنية السوسورية، والتي يقول إنها في العلوم الإسلامية تشبه "اللعب بالنار" و"تقف وراء العدائية التي تطبع خطاب الإسلام السياسي" المستميت "في الدفاع عن الثقافة "الجمودية".

ويفرد المؤلف كذلك مساحة مهمة لطه حسين في مقالة بعنوان "طه حسين، سمات العقلانية المتوسطية"، بوصفه ممثلاً لـ"العقلانية المتوسطية"، تلك التي دعت إلى الانفتاح على التراث الإنساني واعتماد الشك المنهجي أو الديكارتي في قراءة النصوص، لكن هذا المشروع التنويري، شأنه شأن غيره من المشاريع التنويرية، تعرض للإجهاض تحت ضغط القراءات الدينية المتشددة والأيديولوجيات القومية.

من الجزئي إلى الكلي

ويتناول الخوري مفهوم "الاعتبار" في الثقافة العربية، بوصفه أحد وجوه العقلانية الأصيلة، إذ يدل على العبور من الظاهر إلى الباطن، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن التجربة إلى المعنى. وهو مفهوم يتقاطع مع القياس الفقهي، والتجربة العلمية، والتأويل العرفاني، مما يجعله شاهداً على إمكان عقلانية منفتحة لم تستثمر بما يكفي.

في خلفية كل هذه القراءات والمقالات الدسمة، والتي يصعب حصرها في مقالة صحافية، تبرز أطروحة أساسية قوامها أن العقل العربي يعيش حال "اعتقال"، نتيجة تضافر عوامل تاريخية ولاهوتية وأيديولوجية جعلته يخشى أن يكون ذاته. وقد أدى هذا الوضع إلى تهميش رموز النقد، وتجريم السؤال، وتحويل الدين إلى سلطة معرفية مغلقة، تقصي كل محاولة للتجديد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا تقدم مقالات الدكتور وليد الخوري حلولاً جاهزة لهذه المسألة ولكل القضايا التي يطرحها، لكنها تدعو بوضوح إلى تجديد النظر في المفاهيم وشبكة المعرفيات التي تحكم الثقافة العربية، وإلى قراءة معاصرة للنصوص الدينية تقدم المعاني الإنسانية الجامعة على التفسيرات الإقصائية، وتشدد على ضرورة إصلاح تربوي وثقافي يعيد الاعتبار للفلسفة والعلوم، ويؤسس لنهضة جديدة قوامها العقل والحرية والديمقراطية، بُغية كسر الجمود. وهذا ما تنضوي عليه مقالته الختامية، وهي بعنوان "الكلام منازل".

إن الدراسات التي يقدمها كتاب "كلام على شفير الميتافيزيقا" ليست إذا دراسات في الميتافيزيقا بالمعنى التقليدي للكلمة. هي عبارة عن مساءلة جذرية لشروط التفكير العقلاني في الثقافة العربية من خلال خطابات فكرية مختلفة قديمة ومعاصرة. إنها دعوة إلى استعادة السؤال، وإلى كسر يقينيات موروثة، وإلى إعادة وصل ما انقطع بين العقل والواقع. لعلها دراسات تضع القارئ أمام مرآة فكرية صعبة، لكنها ضرورية لكل من لا يزال يراهن على إمكان يقظة عقلانية في عالم عربي مثقل بالتكرار والجمود. ولأن الكتاب لا يشتغل فقط على أزمة العقل، بل على الخوف بوصفه بنية ثقافية، فإنه عبر تتبعه لمصائر الفلاسفة والمجددين من المعتزلة إلى نصر حامد أبو زيد، يكشف عن أن ما يعطل التفكير في العالم العربي ليس ضعف الأدوات المعرفية بقدر ما هو الخوف الوجودي من السؤال، والخوف من التكفير ومن النبذ الاجتماعي، ومن انهيار اليقين وفقدان الهوية.

ختاماً، يبقى أن اشير إلى أن وليد الخوري يكتب تشريحاً عميقاً لاقتصاد الخوف الذي يحكم هذا العقل، والذي يصبح السؤال فيه مخاطرة وجودية، ويغدو اليقين ملاذاً نفسياً قبل أن يكون موقفاً معرفياً. ولعل "الميتافيزيقا" التي يقف كلامه على شفيرها، تتبدى ههنا كأداة ضبط اجتماعي، تُدار عبرها الطاعة، ويعاد من خلالها إنتاج السلطة التي تربط المصير الأخروي بالامتثال السياسي، في لعبة قديمة يتماهى فيها المقدس والزمني.

وليد كميل الخوري أستاذ جامعي وباحث في قضايا الفكر الفلسفي. حائز دكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون، ودكتوراه في الإسلاميات من جامعة ستراسبورغ. له عديد من الأبحاث والمقالات.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة