ملخص
العلاقات بين القاهرة وعمّان تأثرت باستبعاد المصريين من مسار مفاوضات معاهدة السلام الأردنية مع إسرائيل، وهو ما أثار انزعاجاً مصرياً من الطريقة التي أبرم بها السلام السريع بين الأردن وإسرائيل، ومع ذلك يبدو أن الجانب الأردني بات مستعداً لإصلاح علاقة طال اضطرابها
تمثل هذه البرقيات الدبلوماسية الصادرة عام 1995 مادة أرشيفية مهمة تكشف طبيعة العلاقات بين مصر ودول الشرق الأوسط في مرحلة دقيقة أعقبت توقيع معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية، وشهدت تحركات مكثفة لإعادة ترتيب المواقف العربية.
وتسلط الوثائق الضوء على مساعي تطبيع العلاقات الأردنية - المصرية، وتفاعلات القمة المصرية - السورية - السعودية في الإسكندرية، إضافة إلى التنسيق المرتبط بملف القدس وعملية السلام، وتعكس هذه البرقيات كيف سعت العواصم العربية إلى تحقيق توازن بين متطلبات السلام والحفاظ على التضامن العربي في سياق إقليمي متحول.
وتندرج هذه الوثائق ضمن ملف أرشيفي بعنوان: "العلاقات بين مصر ودول الشرق الأوسط"، مصنف تحت الرقم FCO 93/8274، ويغطي الفترة الزمنية من الأول من يناير (كانون الثاني) 1995 حتى الـ31 من ديسمبر (كانون الأول) 1995، وقد رفع الطابع السري عن هذا الملف، وأصبح متاحاً للعموم في المحفوظات الوطنية البريطانية (The National Archives) في كيو – لندن خلال الـ23 من يناير 2026.
مساعٍ لإعادة تطبيع العلاقات الأردنية – المصرية
خلال الـ15 من يناير عام 1995 صدرت من عمان برقية سرية تكشف عن تحرك دبلوماسي بارز عنوانه عودة الدفء إلى العلاقات الأردنية - المصرية، بعد فترة من التوتر الذي خيم على مسار البلدين.
جاء في ملخص البرقية أن الرئيس حسني مبارك يعتزم زيارة الأردن، ضمن خطوة تعكس تقدماً ملموساً في جهود إعادة تطبيع العلاقات، وقد سبقت هذه الزيارة المرتقبة تحركات دبلوماسية تمثلت في زيارة وزير الخارجية الأردني عبدالكريم كباريتي إلى القاهرة خلال الـ12 من يناير، إذ أجرى محادثات مع الرئيس مبارك ووزير الخارجية المصري عمرو موسى.
وأفادت الصحافة الأردنية بأن هذه اللقاءات أسهمت في إزالة العقبات المتبقية أمام استعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي، ووفق الرواية الأردنية، قبل الجانب المصري باستمرار وصاية الأردن على الأماكن المقدسة في القدس، إلى حين حسم هذا الملف ضمن مفاوضات الوضع النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كذلك هدفت زيارة القاهرة إلى تنسيق موقف مشترك في شأن القدس قبيل انعقاد اجتماع لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي في إفران بالمغرب في وقت لاحق من ذلك الأسبوع.
وفي سياق هذه التفاهمات، جرى ترتيب زيارة للرئيس مبارك إلى الأردن في الأول من فبراير (شباط)، كذلك أجرى مبارك والملك حسين اتصالاً هاتفياً اتفقا خلاله على عقد اجتماع اللجنة العليا الأردنية - المصرية في أوائل مارس (آذار).
وتشير البرقية في تعليقها إلى أن زيارة مبارك ستكون الأولى له إلى الأردن منذ توتر العلاقات بين البلدين خلال أزمة الخليج، وتأتي بعد لقائهما في الإسكندرية خلال يوليو (تموز) من العام السابق، أما اجتماع اللجنة العليا المرتقب فسيكون الأول منذ المبادرة المصرية تجاه الأردن أوائل مايو (أيار) من العام الماضي، وهي المبادرة التي لم تحقق نتائج آنذاك.
وتوضح البرقية أن العلاقات بين البلدين تأثرت أيضاً باستبعاد المصريين من مسار مفاوضات معاهدة السلام الأردنية مع إسرائيل، وهو ما أثار انزعاجاً مصرياً من الطريقة التي أبرم بها السلام السريع بين الأردن وإسرائيل، ومع ذلك يبدو أن الجانب الأردني بات مستعداً لإصلاح علاقة طال اضطرابها، في خطوة وصفت بأنها بداية واعدة لعبدالكريم كباريتي في منصبه الجديد وزيراً للخارجية.
ملف القدس والسلام مع إسرائيل
خلال الـ15 من يناير 1995 صدرت برقية من القاهرة موجهة إلى وزارة الخارجية البريطانية وشؤون الكومنولث، تناولت زيارة وزير الخارجية الأردني الجديد عبدالكريم الكباريتي إلى مصر، في أول جولة خارجية له منذ توليه منصبه، وسط مؤشرات إلى زيارة مرتقبة للرئيس حسني مبارك إلى عمان في الأول من فبراير.
تفيد البرقية أن الكباريتي زار القاهرة خلال الـ12 من الشهر ذاته، إذ التقى الرئيس مبارك ووزير الخارجية المصري عمرو موسى، وأعلن موسى للصحافة أن اللجنة العليا المشتركة المصرية - الأردنية ستجتمع في فبراير، فيما أفادت وكالة "رويترز" بأن مبارك سيقوم بزيارة إلى الأردن في الأول من فبراير.
وخلال تصريحاته للصحافة، أعرب الكباريتي عن أمله في عقد لقاء قريب يجمع الملك حسين وياسر عرفات، على رغم عدم تحديد موعد لذلك، وأقر بوجود اختلافات كبيرة، خصوصاً في ما يتعلق بقضية القدس، وأشارت "رويترز" إلى أن توقيت زيارة الكباريتي جاء قبيل اجتماع لجنة القدس خلال الـ16 والـ17 من يناير، وأن الدافع وراء الزيارة تمثل في مخاوف من أن منظمة التحرير الفلسطينية، بدعم من مصر، التي شاركت في أول اجتماع لها ضمن اللجنة، إلى جانب سوريا والسعودية ودول المغرب العربي، قد تؤيد إنشاء هيئة تتولى الإشراف على الأماكن المقدسة.
وفي سياق آخر، انتقد الكباريتي تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في شأن ضرورة استعداد إسرائيل لحرب على المدى المتوسط إلى الطويل، معتبراً أن مثل هذه التصريحات لا تشكل مؤشراً إيجاباً، كذلك نفى التقارير التي تحدثت عن أن الأردن اقترح اتحاداً يضم إسرائيل والأردن والفلسطينيين.
وفي تعليق البرقية، أفادت اتصالات في وزارة الخارجية المصرية خلال الـ15 من يناير بأن القاهرة رحبت بكون زيارة الكباريتي إلى مصر هي أولى رحلاته الخارجية كوزير للخارجية، ضمن خطوة يُفهم منها أنها بداية لعملية تلطيف الأجواء بين البلدين، لا سيما في ظل انزعاج مصري سابق من الطريقة التي أبرم بها الأردن اتفاق السلام السريع مع إسرائيل.
لقاء العقبة 1995
خلال الـ22 من يناير 1995، صدرت برقية من عمان إلى وزارة الخارجية البريطانية وشؤون الكومنولث، تناولت الاجتماع الذي جمع الرئيس المصري حسني مبارك بالملك حسين في مدينة العقبة خلال الـ21 من يناير.
شكل اللقاء محطة لافتة، إذ كان مبارك أول رئيس دولة عربي يزور الأردن منذ توقيع معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية خلال الـ26 من أكتوبر (تشرين الأول) 1994. وكانت أول زيارة يقوم بها مبارك شخصياً إلى الأردن منذ حرب الخليج. وأعقب الاجتماع القصير مؤتمر صحافي مقتضب، عكس بدوره محدودية ما جرى التوصل إليه.
تشير البرقية إلى أن المحادثات لم تتناول قضايا جوهرية بقدر ما ركزت على التزام عام بتحسين العلاقات الثنائية والعمل من أجل المصالحة العربية. وأكد مبارك خلال المؤتمر الصحافي أنه من "الحتمي" أن تحل الدول العربية خلافاتها، معتبراً أن الوضع الراهن ليس سوى مرحلة "موقتة". ودافع مبارك عن قمة الإسكندرية الثلاثية، مؤكداً أنها عقدت بهدف تعزيز الوحدة العربية، ومعتبراً أن من انتقدها قبل الاطلاع على بيانها الختامي إنما كانت لديهم "نيات سيئة".
وضمن تعليق البرقية، ينقل عن الملك حسين أنه لم يكن يعلق آمالاً كبيرة على الاجتماع، الذي كان مقرراً في الأصل خلال الـ30 من يناير. فقد ساءت العلاقة الشخصية بينه ومبارك منذ أزمة الخليج، ووصفت "الكيمياء" بينهما بأنها لم تكن ناجحة قط. وعلى رغم حرص الملك على تطبيع العلاقات على المستوى الرسمي، فإنه لم يتوقع أن تتسم العلاقة الشخصية بينهما بالدفء.
وتضيف البرقية أن أوساطاً أردنية أخرى أشارت إلى شعور المؤسسة الأردنية بعزلة متزايدة بعد توقيع معاهدة السلام، وبخاصة في ظل ما اعتبر عداءً لدور الأردن في القدس خلال اجتماع منظمة التعاون الإسلامي في الدار البيضاء. وفسرت قمة الإسكندرية في بعض الأوساط الأردنية على أنها مؤشر إضافي إلى سوء نية بعض الدول العربية تجاه الأردن، وهو ما كان الملك أبدى قلقه حياله.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبينما بقيت أولويات الملك متمثلة في ملف القدس ومسار عملية السلام، قيل إن المهمة الأولى للحكومة الأردنية الجديدة هي إحداث تحسن واضح في العلاقات مع العالم العربي، حتى لو ظلت القضايا الجوهرية عالقة. وضمن هذا السياق، بدا أن وزير الخارجية الجديد عبدالكريم الكباريتي يحقق تقدماً معقولاً في هذا الاتجاه.
وتشير البرقية في ختامها إلى أن اعتبارات مشابهة قد تنطبق على الزيارة المتوقعة لياسر عرفات، على رغم أن الموقف الرسمي الأردني ظل يؤكد أن عرفات لن يكون موضع ترحيب ما لم يكن مستعداً لإبرام تفاهمات واضحة.
قمة الإسكندرية الثلاثية
خلال الـ21 من يناير 1995 صدرت برقية من الرياض إلى وزارة الخارجية البريطانية وشؤون الكومنولث، تناولت القمة المصرية – السورية - السعودية التي عقدت داخل الإسكندرية خلال الـ28 و29 من ديسمبر (كانون الأول) 2025، ضمن حدث حظي بترحيب واسع وتغطية إعلامية مكثفة.
انعقدت القمة بحضور الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس السوري حافظ الأسد والملك السعودي فهد بن عبدالعزيز. وذكرت الصحافة المصرية أن الإعداد لهذا اللقاء استمر نحو شهرين. وعقد مبارك لقاءات منفصلة مع كل من الأسد والملك فهد. وكان من المتوقع حضور العقيد معمر القذافي، وفق ما تداولته الصحف المصرية، إلا أنه لم يظهر في القمة.
صدر البيان الختامي خلال الـ30 من يناير، متضمناً جملة من المواقف السياسية الواضحة. فقد دعا العراق إلى البناء على اعترافه بالكويت من خلال الامتثال الكامل لجميع قرارات مجلس الأمن الدولي. وأكد دعم النهج السوري في عملية السلام في الشرق الأوسط، على أن يستند إلى مبدأ الأرض مقابل السلام وقرارات مجلس الأمن 242 و338 و425. وطالب إسرائيل بالانسحاب الكامل من هضبة الجولان حتى خط الرابع من يونيو (حزيران) 1967، ومن جنوب لبنان، ومن الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك القدس العربية.
ودعا البيان الرعاة المشاركين في عملية السلام إلى العمل إلى إنهاء الانتهاكات والعقبات الإسرائيلية التي تعترض مسارها، وطالب بإقامة منطقة شرق أوسطية خالية من أسلحة الدمار الشامل، لا سيما الأسلحة النووية. وشدد كذلك على ضرورة تعزيز التضامن العربي، وتسوية الخلافات بين الدول العربية بالطرق السلمية، وتقوية دور جامعة الدول العربية.
وضمن هذا السياق، تلقى الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور عصمت عبدالمجيد إحاطة من وزير الخارجية المصري عمرو موسى، قبل أن يغادر خلال الثاني من ديسمبر ضمن جولة خليجية شملت الكويت والسعودية والإمارات.
ووعد البيان بعقد اجتماع لاحق للقادة الثلاثة، من دون تحديد زمان أو مكان، في حين أشارت صحيفة "الأهرام" إلى أن اللقاء قد يعقد قريباً، وربما في السعودية. ولم يتطرق البيان إلى اجتماع "إعلان دمشق" المقرر عقده في القاهرة خلال الأسبوع الأول من فبراير.
وضمن سياق متصل، كان من المقرر أن يصل وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز إلى القاهرة خلال الثالث من ديسمبر لحضور اجتماع لجنة التنسيق الفلسطينية - الإسرائيلية، مع توقعات بلقائه الرئيس مبارك ووزير الخارجية عمرو موسى.
وتشير البرقية إلى احتمال قلق الجانب الإسرائيلي من مظاهر التضامن العربي التي عكستها القمة. غير أنها ترى أن تعزيز التنسيق العربي قد يخدم عملية السلام إذا ما شعر الرئيس السوري بأنه أقل عزلة. وتؤكد أن التركيز على تسوية عادلة ودائمة للصراع العربي - الإسرائيلي ينسجم مع السياسات القائمة، وأن انقسام الدول العربية في الأشهر السابقة لم يكن في مصلحة السلام أو في مصلحة إسرائيل نفسها. ومن ثم، فإن من المهم أن تعمل الدول العربية الرئيسة في تحالف الخليج معاً، وأن تظهر بمظهر المنسق والمتضامن.
وتختم البرقية بالإشارة إلى أن الرئيس مبارك سيكون راضياً شخصياً عن هذه القمة، التي قد تمثل خطوة أولى نحو هدف مصري يتمثل في إعادة تنشيط جامعة الدول العربية تحت قيادتها.