Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا دعمت الرياض الأردن في مواجهة ضغوط صدام النفطية عام 1994

مراسلات وبرقيات دبلوماسية بريطانية تكشف عن قدرة السعودية على استخدام "دبلوماسية النفط" في حماية الاستقرار العربي

استخدام الرياض في تلك الفترة "دبلوماسية النفط" عكس قدرتها العميقة على التأثير في تأمين الاستقرار الإقليمي (اندبندنت عربية)

ملخص

على رغم أن الوثائق البريطانية لا تحدد بدقة اللحظة التي تم فيها اتخاذ القرار النهائي في الرياض، فإن المسار اللاحق للأحداث يوضح بصورة جلية مدى التزام السعودية بوعدها الضمني تجاه أشقائها العرب، فقد نجحت السعودية في حماية الأردن من أي انقطاع كارثي في إمدادات النفط، مما ساعد في استقرار المملكة الأردنية في لحظة حرجة من تاريخها.

في خريف عام 1994 حين كانت ارتدادات حرب الخليج الثانية لا تزال تخلخل توازن الشرق الأوسط برزت الأزمة المحتملة بين العراق والأردن بوصفها اختباراً جديداً لقدرة السعودية على توظيف ما يسمى "دبلوماسية النفط" لحماية الحلفاء العرب.

في تلك الفترة كشفت المراسلات الدبلوماسية البريطانية السرية الصادرة بين منتصف وأواخر أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام عن أن الملك الأردني الراحل حسين بن طلال الذي بدأ يبتعد تدريجاً عن بغداد ويقترب من العواصم الغربية والعربية المناوئة للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، خشي أن يبادر النظام العراقي إلى قطع شريان الطاقة الرئيس لبلاده، والمتمثل في إمدادات النفط الممنوحة بأسعار تفضيلية، إذ كان الأردن يعتمد على هذه الكميات التي تقدر عائداتها لصدام بنحو 400 مليون دولار سنوياً من العملة الصعبة لتسيير اقتصاده والحفاظ على استقرار أسعاره الداخلية في لحظة شديدة الحساسية سياسياً واقتصادياً إلى أن بدأت تتبلور أزمة في الأفق بين بغداد وعمان على وقع "تحولات" في السياسة الخارجية للأردن. فكيف تفاعلت الرياض في تلك الأزمة؟

الأردن والنفط العراقي: معضلة الإمداد وكلفة الفقد

تحت عنوان "مبيعات نفطية سعودية محتملة إلى الأردن" تذكر إحدى الوثائق البريطانية أن "الملك حسن ملك الأردن قلق في شأن احتمال قيام العراق بقطع إمدادات النفط إلى بلاده بسبب تغيير سياستها"، مضيفة، "الأردن سيحصل على احتياطات تكفي لمدة 30 يوماً إذا تم تقليص الاستهلاك إلى مستويات الطوارئ. سيتم طلب الإمداد عبر الطريق البري، نظراً إلى أن العقبة (الميناء الأردني) لا تحوي منشآت لتفريغ النفط. وإعادة فتح خط الأنابيب من السعودية ستكون الخيار الأكثر عملية، على رغم أن الإمدادات عبر صهاريج الشاحنات ستكون ممكنة أيضاً".

 

وبحسب ما نشرته الوثيقة حول مخاوف الأردن من قطع إمدادات النفط فإن "السعر هو أمر مهم. حالياً، تفرض العراق سعر السوق على نصف النفط الذي توفره للأردن، وتمنح النصف الآخر مجاناً. والفائدة التي يحصل عليها الأردن من هذا الخصم تقدر بنحو 130 مليون دولار، وفقاً لما نستطيع تقديره، وهذا المبلغ كان سيتعين أن يأتي من العملة الأجنبية التي يفتقر الأردن إليها".

ثم تشرح بعد ذلك الوثيقة، وتذكر أن "التحليل البريطاني لم يستبعد لجوء بغداد إلى ورقة النفط، وإن رأى أنها خطوة لن تفيد صدام على المدى القصير، فالزعيم العراقي كان في حاجة ماسة إلى كل منفذ يتيح له الالتفاف على العقوبات الدولية المضروبة حول عنقه، غير أن الدبلوماسيين الغربيين أدركوا في الوقت نفسه أن مجرد التلويح بهذه الورقة يزرع في عمان هواجس كافية لتقويض ثقتها بمستقبل إمدادات الطاقة، لذلك تحركت لندن وواشنطن سريعاً للبحث عن بديل مضمون، ولم يكن أمامهما سوى الرياض. فالسعودية وحدها تمتلك القدرة على ضخ ملايين البراميل يومياً وتعويض أي نقص مفاجئ، فضلاً عن وزنها السياسي الذي يتيح لها التدخل من دون أن تتهم بالسعي إلى الهيمنة أو ممارسة ابتزاز اقتصادي".

رد الفعل السعودي الأولي حذر لكنه غير مستبعد

المراسلات بين السفارة البريطانية لدى الرياض ووزارة الخارجية في لندن تبرز أول اتصال مباشر مع وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، إذ استقبل الدبلوماسي البريطاني طلباً حذراً، لكن غير رافض.

 

وبحسب المراسلات البريطانية فقد أكد وزير الخارجية السعودي أن الحديث عن احتمال قطع النفط (عن الأردن) لا يزال في طور الافتراض، وأن القيادة السعودية تحتاج إلى تقدير التبعات بدقة قبل إعلان أي التزام رسمي. ومع ذلك ترك الباب مفتوحاً، بل تعهد نقل المسألة إلى الدوائر العليا، وهو ما فُهم في لندن وواشنطن بوصفه ضوءاً أخضر مبدئياً.

ووفق ما جاء في نص المراسلات نقل عن الخارجية البريطانية أن وزيرها "استغل فرصة محادثته الهاتفية مع وزير الخارجية السعودي في الـ15 من أكتوبر في شأن قضية أخرى، وسألته عن كيفية رد فعل السعوديين على طلب من الملك حسين لتغطية إمدادات النفط إلى الأردن في حال حدوث أمر، نعتقد أنه غير مرجح، وهو قيام صدام حسين بقطع هذه الإمدادات". وتضيف، "بدا الأمير سعود متردداً وقال إنه يعتقد أن من المبكر طرح هذا النوع من الأسئلة. كان رأيه أن صدام حسين، حتى وإن كان يميل إلى اتخاذ خطوات متطرفة، من غير المحتمل أن يقطع إمدادات النفط لوجهة نظره الخاصة، ولكنني أخبرته بما قاله الملك حسين في الاجتماع معكم في جدة في الـ13 من أكتوبر، وكان واضحاً أن الملك كان سعيداً جداً بتصريح الملك حسين. وبصراحة، أضاف الأمير سعود أنه لم يُتح له الوقت بعد لمناقشة تبعات ذلك بالنسبة إلى العلاقات السعودية – الأردنية، وأكد أن غريزته تقول إن الأمر لا يزال مبكراً، ومع ذلك قال إنه سيأخذ سؤالي بعين الاعتبار ويطرحه ضمن الآليات المعنية".

الفيصل يوازن بين دعم عمان وتحدي بغداد

دوَّن السفير البريطاني لدى الرياض ديفيد جور‑بوث في إحدى برقياته أن "البذرة زُرعت في التربة الصحيحة وفي التوقيت المناسب". كان الرجل يراهن على أن السعودية التي بنت لنفسها سُمعة "الملاذ الآمن" للدول العربية خلال الأزمات لن تتردد في اللحظة الحرجة. فالسعودية نظرت إلى كبح نفوذ صدام على أنه جزء من استراتيجيتها العريضة لحماية أمن الخليج ومنع أي ابتزاز يهدد شركاءها. وفي الخلفية كانت القيادة السعودية، وعلى رأسها الملك فهد بن عبدالعزيز، ترى أن انتشال الأردن من براثن الابتزاز النفطي يضعف أحد آخر خطوط الإمداد المالية لبغداد، ويعجل في خنق قدراتها على تحدي نظام العقوبات الدولية.

 

تقول تلك البرقيات إن الأمير سعود الفيصل المعروف ببراغماتيته ومرونته لم يعارض الفكرة مبدئياً، لكنه شدد على أن أي خطوة يجب أن تدرس بعناية لئلا يفسر التدخل السعودي على أنه عداء مباشر للشعب العراقي أو سعي إلى اقتسام حصص السوق. ومع ذلك أيقنت الدوائر الغربية أن الرياض، بما تملكه من فائض طاقة إنتاجية وشبكة خطوط أنابيب ومرافئ جاهزة، قادرة على تزويد عمان بالنفط وفق جدول زمني قصير جداً، ما من شأنه أن يطمئن الملك حسين، ويبعث برسالة واضحة إلى صدام حسين مفادها أن ورقة الضغط الوحيدة التي يحتفظ بها يمكن تحييدها في لمح البصر.

خط إمداد بديل لإنقاذ الأردن

في واشنطن تناولت برقية سرية أرسلها دومينيك أسكويث من السفارة البريطانية إلى وزارة الخارجية في الـ17 من أكتوبر في العام ذاته، سيناريوهات متوقعة. وأشار أسكويث إلى أن وزير الخارجية الأميركي وارن كريستوفر حاول إقناع الكويتيين بالانفتاح سياسياً على الأردن، لكنه أخفق، فيما أبدى السعوديون استعداداً أولياً للتجاوب، بدليل التغطية التلفزيونية الكاملة للمؤتمر الصحافي الذي جمع كريستوفر والملك حسين في الرياض. ومع أن الملك الأردني لم يطلب من الأميركيين صراحةً التوسط لدى السعودية في شأن النفط، فإن فكرة إنشاء خط إمداد بديل باتت تتبلور في ذهن صناع القرار في العواصم الثلاث.

 

أسكويث حذر من تعقيدات اقتصادية داخلية قد يواجهها الأردن، فالمصالح التجارية المرتبطة بالسوق العراقية متجذرة بعمق، وخسارتها المفاجئة قد تعصف بشريحة واسعة من التجار وتحدث فراغاً يصعب تعويضه بسرعة، غير أنه خلص إلى أن المصلحة الاستراتيجية للتحالف الغربي، المتمثلة في تضييق الخناق المالي على نظام صدام، تتطلب المضي قدماً في الخطة، شريطة إيجاد ترتيبات مالية تسمح للتجار الأردنيين بتجاوز صدمة الانتقال، كما لفت إلى ضرورة مراقبة حركة السفن في ميناء أم قصر، تحسباً لمحاولات عراقية لتهريب النفط أو الالتفاف على الحظر.

في تلك الأيام القلقة بدا المشهد الإقليمي كلوحة شطرنج معقدة: لاعب رئيس يدعى صدام حسين يحاول الحفاظ على مصادر تمويله المحدودة، وحليف مهدد في عمان يسعى إلى تجنب السقوط، ودولة نفطية تستخدم فائض إنتاجها ذراعاً دبلوماسية تضغط بها متى شاءت وتسترخي متى شاءت. وما كان للرياض أن تتأخر طويلاً، فبمجرد أن يظهر الأردن استعداده للتخلي عن نفط العراق إذا توفر البديل، يصبح القرار السعودي منح عمان ما تحتاج إليه من الطاقة مسألة توقيت لا أكثر.

السعودية حارس للاستقرار العربي

وعلى رغم أن الوثائق البريطانية لا تحدد بدقة اللحظة التي تم فيها اتخاذ القرار النهائي في الرياض، فإن المسار اللاحق للأحداث يوضح بصورة جلية مدى التزام السعودية بوعدها الضمني تجاه أشقائها العرب، فقد نجحت السعودية في حماية الأردن من أي انقطاع كارثي في إمدادات النفط، مما ساعد في استقرار المملكة الأردنية في لحظة حرجة من تاريخها. وفي الوقت نفسه شهدت عمان إعادة تموضع سياسي استراتيجي بعيداً من التأثير المباشر لبغداد، مما يعكس قدرة الرياض على التأثير بصورة دبلوماسية عميقة عبر التحكم بإمدادات الطاقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذه الحوادث لم تكن مجرد ردود فعل موقتة، بل شكلت سابقة أساسية في السياسة العربية، حيث ترسخت قاعدة غير مكتوبة مفادها أن الرياض تمثل عادةً الخط الدفاعي الأخير عندما تختبر العلاقات البينية تحت ضغط قضايا الطاقة. بمعنى آخر، أصبحت الرياض بمثابة الحارس الذي يحرس مصالح الأمة العربية، مستعدة لتحمل تبعات استخدام النفط كسلاح دبلوماسي لتحقيق الاستقرار الإقليمي.

وفي هذا السياق تعد أزمة عام 1994 محطة مفصلية في تاريخ السعودية، حيث برهنت على مدى خبرتها المتراكمة في توظيف النفط ليس فقط كأداة اقتصادية، بل كوسيلة دبلوماسية قوية تحمي استقرار المنطقة وتعزز من مكانة الرياض كقوة مركزية لا غنى عنها في السياسة العربية. هذا الدور الحاسم لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج رؤية حكيمة بقيادة الملك فيصل بن عبدالعزيز وأجيال من القادة السعوديين الذين أدركوا أن النفط سلاح ذو حدين يمكن أن يستخدم بحكمة لتعزيز التضامن العربي وتحقيق مصالح الشعوب العربية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير