Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أنظمة عسكرية جديدة تمهد لانطلاق "حرب الفسيفساء"

شركات التسليح العالمية تستعرض أحدث التقنيات والصناعات في معرض "مستقبل التكامل الدفاعي" بالرياض

الأنظمة الحديثة تشمل طائرات مسيرة وقوارب غير مأهولة ومنصات ذاتية القيادة (اندبندنت عربية)

ملخص

في ظل تطور الصناعات العسكرية، باتت المسيرات والمركبات غير المأهولة تشكل رهاناً عملياً في ساحات القتال الحديثة.

تتبنى دول كبرى إنتاج وتطوير "الدرونات" لإدارة معاركها من فوق السحاب، ومن خلف شاشات صغيرة وغرف تحكم عن بعد ويكشف ذلك أن ما بدأ مجرد فكرة خيالية في زمن ليس ببعيد، أصبح اليوم إحدى الركائز الأساسية للقوى العسكرية الكبرى، التي تسعى إلى إعادة صياغة مفهوم القوة القتالية، عبر الاستثمار في الأنظمة غير المأهولة، التي باتت تحتل موقعاً متقدماً في معادلة الحروب الحديثة.

ومع انقضاء ربع القرن الماضي، شهد العالم أنظمة صغيرة الحجم ومنخفضة الكلفة، توزعت على منصات جوية وبرية وبحرية، في انعكاس واضح للتحول في طريقة تفكير الجيوش المعاصرة.

وأصبحت المسيرات والمركبات غير المأهولة رهاناً عملياً في ساحات القتال، ضمن معادلة جديدة تقوم على الكم والانتشار والمرونة بوصفها عناصر أساسية في إدارة المعركة.

حرب الفسيفساء… فلسفة القتال الجديدة

يبرز في خلفية هذا التحول مفهوم "فسيفساء الدفاع" أو ما يعرف بـ"حرب الفسيفساء" (Mosaic Warfare)، وهو طرح عسكري حديث طورته وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأميركية DARPA، ويقوم على استبدال المنظومات العسكرية التقليدية الكبيرة والمكلفة بشبكة واسعة من الأنظمة الصغيرة والرخيصة.

وتشمل هذه الأنظمة طائرات مسيرة وقوارب غير مأهولة ومنصات ذاتية القيادة، بدلاً من الاعتماد الكلي على الأصول الضخمة باهظة الثمن مثل حاملات الطائرات أو المقاتلات النفاثة، ويعتمد هذا النمط القتالي على دمج منصات مستقلة نسبياً تعمل ضمن شبكة واحدة لتشكل صورة عملياتية متكاملة، أشبه بقطع "الفسيفساء" التي لا تكتمل إلا باجتماعها، بما يهدف إلى إرباك الخصم واستنزاف دفاعاته وتعقيد قراراته الميدانية.

وجاء تشبيه هذا المفهوم بـ"الفسيفساء" لأن اللوحة النهائية، أي تحقيق التفوق أو النصر، تتشكل من تجميع قطع صغيرة ومتنوعة وغير متماثلة تعمل بتناغم ضمن منظومة واحدة، وفي حال فقدان قطعة واحدة أو تعطل نظام بعينه خلال المعركة، يمكن استبداله بسرعة أو إعادة تشكيل الشبكة القتالية بأسلوب مختلف من دون التأثير الجوهري في القدرة العملياتية الكلية.

هذا التوجه يتقاطع مع ما أظهرته النزاعات الأخيرة، لا سيما في الحرب الروسية الأوكرانية، إذ أصبحت المسيرات منخفضة الكلفة قادرة على استنزاف دفاعات أكثر كلفة بكثير، إذ تستخدم صواريخ باهظة لاعتراض أهداف رخيصة نسبياً.

جولة داخل الأجنحة

ما كان يختبر في ساحات أوكرانيا يعرض اليوم داخل الأجنحة، إذ تستعرض النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي، أحدث التطورات عبر المجالات الخمسة الجو والبر والبحر والفضاء والأمن، وأجرت "اندبندنت عربية" جولة داخل أروقة المعرض الذي تنظمه الهيئة العامة للصناعات العسكرية في البلاد.

وبين جناح وآخر داخل أروقة معرض الدفاع العالمي المقام في العاصمة السعودية الرياض، تبدو فلسفة المعارك القادمة واضحة، إذ تتراجع هيمنة المنصات الضخمة لصالح حلول أصغر وأرخص.

في أحد الأجنحة، تعرض شركة ديستينوس الأوروبية نظامها الاعتراضي "هورنت بلوك واحد"، وهو حل دفاعي صمم لسد الفجوة بين أنظمة الدفاع الجوي القصيرة جداً وقصيرة المدى، عبر توفير اعتراض منخفض الكلفة للتهديدات الجوية الحديثة، وعلى رأسها المسيرات الانتحارية والهجمات السربية.

ويبرز النظام بمدى يتجاوز 45 كيلومتراً وبحمولة تقارب 1.5 كيلوغرام، مع اعتماد توجيه راداري أولي وباحث نهائي مدعوم بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى قدرته على العمل في البيئات المحرومة من إشارات الملاحة بالأقمار الاصطناعية، مما يمنحه مرونة تشغيلية في ظل ظروف التشويش والحرب الإلكترونية.

وتوضح الشركة أن وحدات الاعتراض يمكن تشغيلها بصورة مستقلة أو ضمن شبكة دفاعية منسقة لحماية القواعد المتقدمة والبنى التحتية الحيوية، في انعكاس واضح لاتجاهات المعارض الدفاعية نحو أنظمة صغيرة وفعالة من حيث الكلفة.

طائرة هجومية سعودية

في جناح الهيئة العامة للتطوير الدفاعي، عرضت منظومة LTM-10 بوصفها طائرة سعودية الصنع ضمن فئة الأنظمة غير المأهولة، تجمع بين خصائص الطائرات من دون طيار والذخائر الموجهة، مع اعتمادها على التحكم الأرضي لتنفيذ مهمات دقيقة.

وبحسب المعلومات التعريفية، تطلق الطائرة باستخدام قاذف هوائي، وتعمل بأنماط تحكم متعددة تشمل إدخال إحداثيات مسبقة، والتحكم اليدوي، إضافة إلى التوجيه عبر الكاميرا، مع حزمة بصرية تعتمد على بث حي وكاميرا نهارية لدعم الرصد والاستهداف.

 

 

ويبلغ مدى الطيران 15 كيلومتراً، وتصل سرعتها إلى 100 كيلومتر في الساعة، وترتفع إلى 160 كيلومتراً عند الهجوم، مع مدة طيران تصل إلى 15 دقيقة وارتفاع يتراوح بين 100 و300 متر، أما الوزن عند الإقلاع فيبلغ 2.5 كيلوغرام، وتجهز برأس حربي متشظ يزن نحو 650 غراماً.

وأظهر المخطط التقني مكوناتها الداخلية، التي تشمل وحدة تحديد المواقع، وليدار، وحساس سرعة الهواء، وكاميرا أمامية، وبطارية، ووحدة تحكم إلكتروني بالسرعة، ومحركاً ووحدة تواصل، إضافة إلى عرض مراحل الاختبارات المختلفة للطائرة والرأس الحربي.

وفي عرض آخر، قدمت معلومات عن قنابل مضادة للتدريعات والأفراد تطلق جواً بالسقوط الحر ومتوافقة مع الطائرات غير المأهولة، لا يتجاوز وزن المقذوف فيها 10 كيلوغرامات، ويصل قطر التأثير إلى 50 متراً للرأس المتشظي، مع قدرة اختراق التحصينات الخرسانية في النسخ الاختراقية.

مسيرات تايوانية… منصات متعددة المهمات

وداخل أروقة المعرض الذي يحمل شعار "مستقبل التكامل الدفاعي"، تتوزع أجنحة تجمع حكومات ومصنعين وخبراء من مختلف أنحاء العالم، مع جلسات حوارية وعروض حية للأنظمة الدفاعية، ومساحات موسعة تهدف إلى تعزيز التعاون الدولي في صناعة الدفاع.

وعلى هامش المعرض، تحدثت "اندبندنت عربية" مع مساعد مدير المبيعات في شركة "رايفاتك" التايوانية، الذي أوضح أن الشركة تركز على تطوير منصات طائرات غير مأهولة متعددة المهمات، مصممة لتنفيذ عمليات الاستطلاع والمراقبة والمهمات التكتيكية، مع الاعتماد على أنظمة الإقلاع والهبوط العمودي والتشغيل الكهربائي الكامل.

وقال جيفري لاين إن منصة ISR eVTOL A2 صممت لمهمات المراقبة طويلة التحمل، مع قدرة على حمل حمولات تصل إلى أربعة كيلوغرامات، وزمن تحليق يصل إلى ساعتين ونصف ساعة، إضافة إلى مدى اتصالات يبلغ 60 كيلومتراً مع بث بيانات وفيديو عالي الدقة. وأضاف أن النسخة المطورة A2-C01 رفعت زمن الطيران إلى ثلاث ساعات، مع ارتفاع تشغيلي يصل إلى 4 آلاف متر، إلى جانب تصميم معياري يسمح بدمج مستشعرات متنوعة وفق متطلبات المهمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار لاين إلى أن الطائرة التكتيكية Kamikaze LM1 طورت للنشر السريع في البيئات المقيدة، ويمكن تشغيلها من دون الحاجة إلى مدرج، مع قدرة على نقل فيديو فوري ومدى اتصال آمن يصل إلى 30 كيلومتراً وزمن تحليق يقارب 60 دقيقة.

وتستعرض الشركة طائرات متعددة المراوح عالية الحمولة قادرة على نقل أوزان تصل إلى 100 كيلوغرام، مما يتيح استخدامها في مهمات النقل اللوجستي والعمليات الثقيلة.

التحول العقائدي في عصر الأنظمة غير المأهولة

ومن جانبه، أوضح المتخصص والباحث في أنظمة الطائرات من دون طيار خالد بن حمدان الحربي في حديثه مع "اندبدنت عربية" أن اهتمام الدول والقوات العسكرية بالأنظمة غير المأهولة يرتبط بتحولات تاريخية في طبيعة الحروب، إذ سعى القادة العسكريون دائماً إلى تحقيق التوازن بين إنجاز الهدف الاستراتيجي والحفاظ على العنصر البشري.

وأشار إلى أن الحروب تطورت من الالتحام المباشر إلى الرماية عن بعد ثم المركبات المصفحة، وصولاً إلى الأنظمة غير المأهولة التي تمثل قفزة نوعية في العقيدة العسكرية الحديثة.

وبين أن أهمية هذه الأنظمة تقوم على ثلاث ركائز رئيسة، تشمل حماية الأرواح عبر إخراج المقاتل من دائرة الخطر المباشر وتحويل دوره إلى مشغل من منطقة آمنة، إضافة إلى الكفاءة الاقتصادية نتيجة انخفاض تكاليف التصنيع والتشغيل والتدريب مقارنة بالمعدات المأهولة، فضلاً عن التفوق العملياتي الذي يمنحه القدرة على البقاء لفترات طويلة في الجو أو البحر وتوفير تدفق مستمر للمعلومات الاستخبارية وتنفيذ ضربات دقيقة.

وفي تعريفه للأنظمة غير المأهولة، أكد الحربي أن الأمر لا يقتصر على طائرة أو عربة، بل يتعلق بمنظومة متكاملة تتكون من المركبة سواء كانت طائرة مسيرة (UAV) أم قارباً مسيراً (USV) أم عربة أرضية (UGV)، إلى جانب محطة التحكم الأرضية التي يديرها المشغلون، إضافة إلى وصلة البيانات التي تنقل الأوامر والبيانات وتشكل شريان الحياة لهذه المنظومة، لافتاً إلى أن بعض هذه الأنظمة يعمل بالتحكم عن بعد بالكامل، بينما يتمتع بعضها الآخر بمستويات متقدمة من الذاتية لتنفيذ مهمات الاستطلاع والمراقبة وحتى الاشتباك.

وحول التحديات التقنية أشار الحربي إلى أن أبرزها يتمثل في تطوير الذكاء الاصطناعي والاستقلالية، موضحاً أن التحدي الحقيقي يكمن في اتخاذ القرار وكيفية برمجة الأنظمة للتعامل مع المواقف المفاجئة والمعقدة من دون الرجوع للبشر، وهو ما يتطلب خوارزميات تعلم عميق ومعالجة بيانات لحظية، كما نبه إلى تحديات الحرب الإلكترونية، إذ تعتمد هذه الأنظمة على الاتصال اللاسلكي، مما يجعلها عرضة للتشويش أو اختراق إشارات التحكم ونظام GPS، وهو ما يفرض تطوير اتصالات مشفرة ومحصنة ضد الهجمات السيبرانية، وأضاف أن مسألة الطاقة والتحمل تبقى تحدياً مستمراً لتحقيق التوازن بين الوزن وسعة الطاقة لضمان أطول فترة تشغيل ممكنة.

 

 

وفي قراءته لمستقبل الحروب يرى الحربي أن هناك سيناريوهات عدة بدأت ملامحها بالظهور نحو الحروب غير المتماثلة وعصر الدقة المتناهية، مشيراً إلى بروز تقنيات الأسراب التي تعتمد على عدد كبير من المسيرات الصغيرة المتصلة شبكياً بدلاً من منصة واحدة باهظة الثمن، إضافة إلى مفهوم الفريق المشترك الذي تعمل فيه الأنظمة غير المأهولة كمرافق ذكي للمقاتلات والدبابات المأهولة، كما أشار إلى أن إدارة المعارك ستتجه أكثر نحو غرف تحكم آمنة داخل حدود الدول بفضل الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، مما يمنح الدول المالكة لهذه التقنيات تفوقاً استراتيجياً مع تقليل الخسائر البشرية.

شراكات واتفاقات… توسع في منظومة الصناعة الدفاعية

وفي سياق مواز، أعلنت الشركة السعودية للصناعات العسكرية "سامي" إطلاق شركة سامي للأنظمة غير المأهولة، في إطار دعم الابتكار في الصناعات الدفاعية، ستتولى تطوير الأنظمة ذاتية القيادة وتقنيات التحكم المتقدمة، بما يسهم في تعزيز قدرات الدفاع والأمن المستقبلية عبر ابتكار أنظمة متطورة تشمل المركبات والأنظمة الجوية والبحرية والبرية غير المأهولة، إضافة إلى الروبوتات.

وعلى هامش المعرض، وقع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود عدداً من مذكرات التفاهم والاتفاقيات على هامش معرض الدفاع العالمي في الرياض، وبحث مع نظرائه وكبار المسؤولين مستقبل صناعة الدفاع والأمن وتعزيز التعاون الدولي في هذا القطاع. 

وشملت التوقيعات مذكرة تفاهم مع كوريا الجنوبية في مجال البحث والتطوير الدفاعي والابتكار، وأخرى مع سلوفاكيا للتعاون في مجال الدفاع، إلى جانب اتفاق تعاون دفاعي مع ماليزيا، ومذكرة تفاهم مع جمهورية الصومال الفيدرالية للتعاون العسكري، في إطار توسيع الشراكات وبناء منظومة تعاون دفاعي متعددة الأطراف.

منصة دولية لصناعة الدفاع

وتعد النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي 2026 في الرياض منصة تعرض فيها شركات الصناعات الدفاعية والعسكرية أحدث ما توصلت إليه من تقنيات ومنظومات متقدمة، وسط تصاعد الاهتمام الدولي بالسوق السعودية، بوصفها منصة ناشئة ومؤثرة في قطاع الصناعات العسكرية.

ويجمع المعرض وفوداً رسمية وجهات حكومية وشركات دولية متخصصة في قطاعي الدفاع والأمن، في وقت يتوقع أن يشهد إعلان شراكات نوعية واتفاقات تعكس تسارع مسار توطين الصناعات العسكرية وبناء سلاسل إمداد محلية متكاملة.

وتتضمن فعاليات المعرض برنامجاً موسعاً يشمل عروضاً جوية وبرية حية، وعروضاً ثابتة، إلى جانب مناطق مخصصة للتقنيات الناشئة والأنظمة البحرية وسلاسل الإمداد، بما يعزز فرص التعاون الصناعي ونقل المعرفة بين المصنعين المحليين والشركات العالمية، كما يشهد المعرض مشاركة فريق الاستعراض الجوي الكوري الجنوبي "النسور السوداء" للمرة الأولى في الشرق الأوسط، عبر عروض بطائرات "T-50B"، في خطوة تعكس اتساع الحضور الآسيوي وتعاظم البعد الدولي للحدث.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات