ملخص
تتصاعد المخاوف بشأن مستقبل النيجر الغنية بثرواتها من اليورانيوم على رغم استعانة السلطات الجديدة بحلفاء دوليين جدد لمساعدتها على استعادة الأمن.
دشنت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" سياسة جديدة في النيجر من خلال تصفية مسؤولين حكوميين، وذلك ضمن مساعي التنظيم لتعزيز نفوذه في منطقة الساحل الأفريقي.
واغتال مسلحون يتبعون الجماعة محافظ بلدية تورودي التابعة لمنطقة تيلابيري غرب البلاد، شايبو مالي، وستة من أفراد عائلته، في حادثة هزت النيجر التي تسعى إلى الحد من نفوذ الجماعات المسلحة منذ الانقلاب العسكري الذي أطاح الرئيس المنتخب ديمقراطياً محمد بازوم، في الـ26 من يوليو (تموز) 2023.
وتبعد تورودي، التي سيطر عليها المسلحون بعد اغتيال المحافظ، نحو 60 كيلومتراً عن العاصمة، نيامي، وذلك في تصعيد أمني غير مسبوق ويعكس حجم الهشاشة التي تعرفها البلاد.
عجز رسمي
ومنذ صعوده إلى السلطة إثر الانقلاب، تعهد رئيس المرحلة الانتقالية في النيجر عبدالرحمن تياني، باستعادة الأمن والاستقرار، لكن هجمات "القاعدة" تعكس استمرار الأزمة الأمنية.
وتشهد تورودي وتيلابيري بصورة عامة هجمات دموية، وتسبب ذلك في غلق منشآت حيوية مثل المدارس والمستشفيات، وأخيراً اختطف مدير مدرسة من قبل مسلحين يشتبه في انتمائهم إلى تنظيم "القاعدة".
وعد الباحث السياسي النيجري محمد أوال، أن هذه الحادثة تعكس عجزاً حكومياً ورسمياً عن حماية المدنيين والمسؤولين المحليين في النيجر، وهو عجز تفاقم إثر انسحاب القوات الغربية الذي خلق فراغاً استخباراتياً.
وأضاف أوال في حديث خاص أن "المعضلة تكمن في أن مثل هذه الحوادث تقود إلى ترهيب بقية المسؤولين والأجهزة الأمنية في مواجهة جماعات مسلحة متمترسة سواء ‘القاعدة‘ أو المتمردين مثل ‘الجبهة الوطنية للتحرير‘ بقيادة محمود صلاح التي تنشط في منطقة أغاديز".
وشدد على أن "هذه التطورات تعمق الأزمة الأمنية في النيجر، لا سيما أن ‘القاعدة‘ له إمدادات عسكرية مهمة في ظل تمدد التنظيم في دولة مالي المجاورة، وفي اعتقادي المجلس العسكري بقيادة تياني فشل حتى الآن في الحد من تهديدات ‘القاعدة‘".
بث الخوف
وباتت النيجر في الأعوام الماضية مسرحاً لنشاط الجماعات المتشددة رسخت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" و"ولاية تنظيم داعش" في الساحل الأفريقي موطئ قدم لهما غرب البلاد، على طول الحدود مع بوركينا فاسو ومالي وفي منطقة دوسو المتاخمة لبنين ونيجيريا.
وفي شرق النيجر، لا تزال جماعة "أهل السنة للدعوة والجهاد" و"ولاية تنظيم داعش" في غرب أفريقيا (داعش – غرب أفريقيا) ينشطان في ديفا الواقعة قرب بحيرة تشاد.
وقالت الباحثة السياسية المتخصصة في الشؤون الأفريقية، ميساء نواف عبدالخالق، إن "الاغتيالات التي تنفذها الجماعة توحي باستمرار توسع ‘جماعة نصرة الإسلام والمسلمين‘ بعدما كان نشاط تنظيم ‘داعش‘ – ولاية غرب أفريقيا هو المهيمن في مالي والنيجر، فالجماعة تطبق الخناق على الساحل الأفريقي".
وأوضحت عبدالخالق أن "الاغتيالات تستخدم كرسائل ترهيب مباشرة، لإيصال رسالة مفادها بأن الدولة عاجزة عن حماية ممثليها، ولبث الخوف داخل الإدارة المحلية، خصوصاً في نفوس المحافظين ورؤساء البلديات".
ولفتت إلى أن "هذه الاغتيالات تهدف كذلك إلى دفع بعض المسؤولين إلى التعاون القسري".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
موقف صعب
وقبل أسابيع، أدى الجنرال تياني زيارة إلى منطقة تيلابيري من حيث وجه نداء من أجل "الصمود الشعبي" في مواجهة الإرهاب إذ تقع المنطقة ضمن ما بات يسمى "ثالوث الموت"، وهو لقب اشتهرت به المنطقة الحدودية بين النيجر وبوركينا فاسو ومالي بسبب الهجمات المتزايدة لـ"داعش" و"القاعدة".
وطلب تياني من السكان الوقوف إلى جانب الجيش والأمن من أجل تجاوز التحديات الأمنية التي تعرفها المنطقة وجميع أنحاء البلاد. وجاءت زيارة تياني، التي رافقه فيها وفد وزاري رفيع شمل وزير الدفاع سليفو مودي وقائد أركان الجيش موسى سالاو بارمو وقيادات عسكرية وأمنية، في خضم تصاعد الهجمات التي تنفذها تنظيمات متشددة مثل "القاعدة" و"داعش".
واعتبر محمد أوال أن "تياني وجد نفسه في موقف صعب، فالإمكانات العسكرية التي يملكها الجيش النيجري لا يمكن أن تحقق نجاحات في مواجهة ‘القاعدة‘ التي استفادت كثيراً من التحولات السياسية والعسكرية في المنطقة. لذلك تبدو مهمته صعبة في إعادة الأمن إلى البلاد، وتعد الاغتيالات التي استهدفت المسؤولين المحليين أحدث مؤشر إلى ذلك".
وأردف أن "تنظيم ‘القاعدة‘ يسعى إلى معاقبة كل المتعاونين مع الجيش النيجري، لكن على تياني وحكومته تحمل المسؤولية في هذا الشأن وتوفير الحماية لهؤلاء، خصوصاً أن ذلك يشكل شرطاً لا غنى عنه من أجل ضمان تدفق المعلومات حول تحركات الجماعات المسلحة بما فيها ‘القاعدة‘".
وفي ظل الإحصاءات الدولية والتقارير المحلية التي تحذر من تصاعد الهجمات الإرهابية، حيث كشف على سبيل المثال مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها أن عدد القتلى جراء الإرهاب منذ انقلاب عام 2023 في النيجر تجاوز ضعف من قتلوا في عهد بازوم وعددهم 770 قتيلاً، تتصاعد المخاوف بشأن مستقبل البلاد الغنية بثرواتها من اليورانيوم على رغم استعانة السلطات الجديدة بحلفاء دوليين جدد لمساعدتها على استعادة الأمن.