ملخص
يفرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حظراً على توريد الأسلحة إلى إقليم دارفور منذ مارس (آذار) 2005 بموجب القرار 1591، الذي ينص على توسيع حظر الأسلحة ليشمل جميع الأطراف والمتحاربين في ولايات شمال دارفور وجنوب دارفور وغرب دارفور بالسودان كما ورد في اتفاق أنجمينا، وإنشاء لجنة لمتابعة الإجراءات وتسمية الأشخاص الخاضعين لتجميد الأصول وحظر السفر، وهو القرار الذي جرى تمديده في سبتمبر ( أيلول) 2025 حتى سبتمبر 2026.
تحت جنح الظلام بين الـ11 مساء والثالثة صباحاً، حطت الطائرات المحملة بالسلاح في مطار نيالا باستخدام معدات هبوط بالأشعة تحت الحمراء، حيث سارعت قوافل تابعة لقوات "الدعم السريع" مكونة من ثلاث إلى أربع شاحنات يرافقها حراس، لتفريغ الحمولة والمغادرة بعد فترة وجيزة من هبوط الطائرة والاتجاه نحو الشمال الغربي.
هذا هو واحد من مشاهد تهريب الأسلحة إلى قوات "الدعم السريع" التي قامت بتوسيع خطوط الإمداد اللوجيستية البرية عبر تشاد وليبيا ومطار نيالا، وفق تقرير خبراء الأمم المتحدة الصادر في أبريل (نيسان) 2025.
على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، وجهت الحكومة السودانية ومنظمات مراقبة تهريب الأسلحة والجماعات الحقوقية الاتهامات لدولة الإمارات في شأن تزويد قوات "الدعم السريع" بالأسلحة والموارد، وهي الاتهامات التي ترفضها أبو ظبي، سيما في ظل الاتهامات الأممية لقوات "الدعم السريع"، بارتكاب "مجازر جماعية واغتصاب واعتداءات على العاملين في المجال الإنساني ونهب" بعد سيطرتها على مدينة الفاشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.
فقد هاجمت قوات "الدعم السريع" والميليشيات المتحالفة معها جماعات عرقية غير عربية في دارفور، حيث هدد مقاتلوها بإجبار النساء على إنجاب "أطفال عرب"، وذلك وفقاً لتقرير للأمم المتحدة نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.
وفي يناير (كانون الثاني) 2025، أعلنت واشنطن رسمياً أن قوات "الدعم السريع" قد ارتكبت إبادة جماعية.
وعلى رغم النفي الإماراتي، قدمت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة العام الماضي، ما وصفته بأدلة "موثوقة" تفيد بأن أبو ظبي زودت قوات "الدعم السريع" بالأسلحة عبر تشاد، بينما أبلغت بلغاريا محققي الأمم المتحدة بصورة منفصلة أن قذائف هاون تم الاستيلاء عليها من الميليشيات التي دخلت السودان عام 2024 قد صُدرت سابقاً إلى الإمارات، بينما لم تتلق بلغاريا أي طلب بإذن لإعادة التصدير وفق ما تنص عليه القوانين.
وفي مايو (أيار) الماضي، خلص تحقيق أجرته منظمة العفو الدولية إلى أن أسلحة صينية متطورة، بما في ذلك صواريخ موجهة ومدافع هاوتزر، قد أعيد تصديرها "في الأرجح" إلى قوات "الدعم السريع" من قبل الإمارات.
فوفق بيان المنظمة الحقوقية الدولية، فإنه "من خلال تحليل صور ومقاطع فيديو تُظهر آثار هجمات نفذتها قوات "الدعم السريع"، حددت المنظمة استخدام قنابل جوية موجهة من طراز "جي بي 50 أيه- GB50A" ومدافع هاوتزر من عيار 155 ملم AH-4 صينية الصنع.
وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها توثيق استخدام قنابل "جي بي 50 أيه" بصورة فعلية في أي نزاع حول العالم. ويتم تصنيع هذه الأسلحة بواسطة مجموعة نورينكو، وهي شركة دفاع صينية مملوكة للدولة، وذكرت المنظمة أنه "من شبه المؤكد أن الإمارات أعادت تصدير هذه الأسلحة إلى السودان".
سبق ذلك، عقوبات فرضتها الولايات المتحدة في يناير (كانون الثاني)، على شبكة من الشركات الإماراتية لتزويدها الميليشيات التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي) بالمعدات العسكرية والدعم المالي.
هذه الأدلة المتزايدة على تسليح وتمويل الإمارات لميليشيات متورطة بارتكاب جرائم حرب في بلد آخر، تثير كثيراً من الأسئلة في شأن مشروعية توريد هذه الأسلحة ومشروعية إعادة تصديرها إلى مناطق النزاعات الأهلية، وسبل تتبع البلد المنشئ للأسلحة المتدفقة لتلك الميليشيات.
انتهاك حظر الأسلحة
يفرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حظراً على توريد الأسلحة إلى إقليم دارفور منذ مارس (آذار) 2005 بموجب القرار 1591، الذي ينص على توسيع حظر الأسلحة ليشمل جميع الأطراف والمتحاربين في ولايات شمال دارفور وجنوب دارفور وغرب دارفور بالسودان كما ورد في اتفاق أنجمينا، وإنشاء لجنة لمتابعة الإجراءات وتسمية الأشخاص الخاضعين لتجميد الأصول وحظر السفر، وهو القرار الذي جرى تمديده في سبتمبر ( أيلول) 2025 حتى سبتمبر 2026.
في حين لا تفرض معاهدة تجارة الأسلحة التي وقعت عليها الإمارات عام 2013، حظراً على عمليات نقل الأسلحة إلى الجماعات المسلحة غير التابعة للدول، لكنها تحظر عمليات النقل في ظروف معينة، وتفرض قواعد أخرى في القانون الدولي، مثل حظر التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى والمعاهدات المتعلقة بأنواع معينة من الأسلحة، وحظر نقل الأسلحة إلى أطراف فاعلة من غير الدول.
ووفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر فإن الدولة التي تورِّد أسلحة إلى جماعة مسلحة غير تابعة لدولة ومنخرطة في نزاع مسلح، تصبح طرفاً في النزاع عندما تقوم بإمداد هذه الجماعة (بالأسلحة مثلاً) وتمويلها، بل وتضطلع أيضاً بتنسيق جهود التخطيط العام لنشاطها العسكري أو تساعد فيه، فهي بذلك تمارس سيطرة كاملة على هذه الجماعة.
مسؤولية دول المنشأ
وينص القانون الدولي الإنساني، على أنه يتعين على الدول كافة الامتناع عن نقل أجزاء ومكونات الأسلحة إلى أحد أطراف نزاع مسلح حال وجود خطر واضح بأن يسهم ذلك في ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
وفي حالة وجود هذا الخطر، يلزم على الدول المصنعة أيضاً الامتناع عن نقل الأجزاء والمكونات إلى دولة أخرى أو كيان آخر من غير الدول، حال علمها أو وجود توقعات معقولة باحتمالية إعادة تصدير هذه الأصناف إلى ذلك الطرف أو دمجها في سلاح سيتم تصديره إليه.
وهو ما دفع نواباً بريطانيين في ديسمبر (كانون الأول) 2025، للمطالبة بفرض حظر فوري على توريد الأسلحة إلى الإمارات وتعليق جميع التراخيص والالتزام بإجراء تحقيق مستقل في تورط المملكة المتحدة في انتهاكات القانون الدولي في السودان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأعرب الموقعون على الطلب عن شعورهم "بقلق بالغ إزاء الأدلة التي تشير إلى تحويل معدات عسكرية بريطانية الصنع، تم تصديرها إلى الإمارات، إلى قوات ’الدعم السريع‘ في السودان، واستخدامها من قبلها، ويلاحظ أن قوات ’الدعم السريع‘ ترتكب فظائع جماعية، بما في ذلك قتل أكثر من 150 ألف شخص، والتهجير القسري لما يقارب 12 مليون مدني، واللجوء المتعمد إلى التجويع، مما ترك ما يقارب 25 مليون شخص يواجهون جوعاً حاداً"، وأضافوا أنهم "يلاحظون كذلك التقارير التي تفيد باكتشاف مكونات بريطانية الصنع، بما في ذلك محركات كومينز الموجودة في المركبات المدرعة وأجهزة ميليتك لاستهداف الأسلحة الصغيرة، في مناطق القتال السودانية، ويشعرون بالقلق إزاء سماح المملكة المتحدة بتصدير أسلحة إضافية إلى الإمارات بقيمة 417 مليون جنيه إسترليني خلال الأعوام الثلاثة الماضية"، ودان الأعضاء الموقعون قرار الحكومة البريطانية بتوجيه دعوة رسمية إلى الإمارات لحضور معرض DSEI للأسلحة، "في حين أنها لم تعترض على دورها في الصراع السوداني، ويحثون الحكومة على فرض حظر فوري على توريد الأسلحة إلى الإمارات، وتعليق جميع التراخيص الحالية، والالتزام بإجراء تحقيق مستقل في تورط المملكة المتحدة المحتمل في انتهاكات القانون الدولي في السودان".
كما ناقش أعضاء البرلمان الأوروبي، في ستراسبورغ نوفمبر الماضي، المطالبة بوقف كامل للمفاوضات في شأن اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والإمارات، بعد تحقيق أجرته لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة في اكتشاف أسلحة أوروبية الصنع في قافلة إمداد تابعة لقوات "الدعم السريع"، إضافة إلى تقرير لمنظمة العفو الدولية المعنية بحقوق الإنسان يفيد بأن قوات "الدعم السريع" تتلقى أسلحة أوروبية عبر عمليات إعادة بيع من خلال الإمارات.
وقالت ماريت ماي، النائبة الهولندية عن المجموعة الاشتراكية، للإذاعة الألمانية آنذاك، "سندعو المفوضية الأوروبية إلى وقف المفاوضات التجارية مع الإمارات طالما نرى أن الأسلحة تمر عبر الإمارات إلى قوات ’الدعم السريع‘".
وأعاد السيناتور الديمقراطي كريس فان هولين وعضو الكونغرس سارة جاكوبس تقديم مشروع قانون في الكونغرس الأميركي يوقف صادرات الأسلحة الأميركية إلى الإمارات حتى تقدم الأخيرة دليلاً على توقفها عن دعم الميليشيات. وقال فان هولين "من خلال تزويد قوات ’الدعم السريع‘ بالأسلحة، تُسهم الإمارات في التواطؤ مع الإبادة الجماعية. وإرسال الأسلحة المستمر يتعارض بصورة مباشرة مع الضمانات التي قدمتها للولايات المتحدة".
وقال كاميرون هدسون، متخصص في السودان سبق له العمل في مجلس الأمن القومي الأميركي في تعليقات سابقة لصحيفة فايننشيال تايمز البريطانية، إن التغاضي عن دور الإمارات في النزاع "يجعلنا نبدو أغبياء"، وأضاف "هذا بالذات هو ما سيوقع الإماراتيين في المتاعب في نهاية المطاف".
اتفاقية تجارة الأسلحة
ويقضي القانون الدولي بتعرض أي دولة طرف في اتفاقية تجارة الأسلحة للمساءلة الدولية إذا انتهكت التزاماتها المنصوص عليها في المعاهدة، وقد تقع الدول كافة تحت طائلة المساءلة الدولية إذا انتهكت التزامها باحترام القانون الدولي الإنساني وكفالة احترامه في جميع الأحوال وذلك وفق المادة 12 من مشاريع المواد المتعلقة بـ"مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً" الصادرة عن لجنة القانون الدولي.
وتفيد المادة 16، بأنه قد تتعرض الدولة التي تورِّد أسلحة إلى هذا الطرف أو ذاك في نزاع مسلح، في ظروف معينة، للمساءلة الدولية عن تقديم العون لذلك الطرف أو مساعدته لارتكاب فعل غير مشروع دولياً.
ووفق المختصين الدوليين فإنه على سبيل المثال، وجود قنابل صينية حديثة الصنع في شمال دارفور يُعد انتهاكاً واضحاً لحظر الأسلحة من قبل الإمارات.
وتوثيق منظمة العفو الدولية لمدافع AH-4 في الخرطوم يعزز مجموعة متزايدة من الأدلة التي تُظهر دعماً إماراتياً واسعاً لقوات "الدعم السريع"، في انتهاك للقانون الدولي.
وبصفتها دولة طرفاً في معاهدة تجارة الأسلحة، أكد المراقبون ضرورة أن تتخذ الصين إجراءات عاجلة لمنع تحويل الأسلحة إلى السودان، إذ إنه من خلال مواصلة تزويد الإمارات بهذه الأسلحة فإن بكين تخاطر بتوريد الأسلحة بصورة غير مباشرة إلى النزاع.
والإمارات، بوصفها دولة موقعة على المعاهدة، فإنها بممارستها في السودان تكون قد قوضت باستمرار أهدافها ومقاصدها.
مراقبة وتتبع الأسلحة
بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فإن شهادات المستخدم النهائي تُعد الأداة الرئيسة التي تستخدمها الدول المصدرة لضمان وصول الأسلحة إلى الجهة المقصودة فقط، ومنع إعادة تصديرها أو تحويلها إلى طرف ثالث دون إذن سابق.
ويؤكد المعهد أن الدول المستوردة تتحمل مسؤولية منع تحويل الأسلحة بعد وصولها، والتأكد من أن استخدامها أو نقلها لاحقاً لا ينتهكان القانون الدولي أو يسهمان في النزاعات، ويحذر من أن أي ضعف في نظام التحقق أو سوء تطبيق تراخيص الاستيراد قد يؤديان إلى وصول الأسلحة إلى أطراف ثالثة بصورة غير قانونية، مما يشكل تهديداً للأمن الإقليمي والدولي.
عادة يحدد الخبراء وجهات التحقيق الدولية سواء الأمم المتحدة أو الجماعات الحقوقية وغيرها من المنظمات المختصة، مصدر السلاح عبر تحليل علامات التصنيع والأرقام التسلسلية والخصائص التقنية الفريدة، وعند توفر الرقم التسلسلي يمكن تتبع عام الإنتاج والدفعة الصناعية، وأحياناً الجهة الحكومية التي اشترت السلاح أولاً عبر سجلات التصدير أو قواعد بيانات متخصصة، وحتى الذخيرة نفسها تحمل رموزاً تشير إلى المصنع والبلد، مما يساعد في تضييق نطاق المصدر.
وإلى جانب الفحص التقني، يعتمد الخبراء على تحليل السياق وسلسلة التوريد، عبر مراجعة صفقات الأسلحة المعلنة وسجلات الشحن وصور الأقمار الصناعية مع مقارنتها بالسلاح المستخدم في ساحات الصراع، ويجري تحليل الصور والفيديوهات لتحديد النسخة الدقيقة للسلاح وربطها بدول تستخدمها عادة، وتُدعم النتائج بشهادات أو وثائق مسربة عند توفرها، وغالباً ما يخلص التحقيق إلى بلد الصنع أو آخر محطة رسمية، مع الحذر من الجزم بأن الدولة نفسها سلمت السلاح مباشرة بسبب احتمال التهريب أو إعادة البيع.