Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خيوط الدعم الإماراتي "للدعم السريع"... قراءة في الشواهد والاتهامات

يقول خبراء إن أبوظبي وفرت الأسلحة الثقيلة عبر مثلث الحدود الليبية التشادية السودانية تحت مظلة الرايات الإنسانية وبذلت ملايين الدولارات لجلب المرتزقة

جانب من الأضرار التي لحقت بقافلة مساعدات بعد تعرضها لهجوم بالمسيرات قيل أن قوات "الدعم السريع" شنته في ولاية شمال كردفان (مواقع التواصل)

ملخص

يقول متابعون للشأن السوداني "لم يعد الصراع في السودان منذ اندلاعه قبل قرابة الـ34 شهراً محصوراً داخل حدود البلاد، بل تمدد إلى الإقليم بفعل تدخلات خارجية شكلت عاملاً رئيساً في إطالة أمد القتال، حيث تقف الإمارات في صدارة هذه الاتهامات، وتحديداً إمارة أبوظبي، التي ترى الحكومة السودانية أنها لعبت دوراً مباشراً في دعم ميليشيات 'الدعم السريع'، استناداً إلى ما تصفه بشواهد ميدانية ومواد مصادرة وتقارير أممية ومنظمات دولية مستقلة".

تزايدت في الأوان الأخيرة الاتهامات لدولة الإمارات من أطراف عدة غير الحكومة السودانية، بتقديم الدعم العسكري واللوجيستي لقوات "الدعم السريع" ​في حربها ضد الجيش السوداني، المشتعلة منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023، إلا أن الإمارات نفت تلك الاتهامات واعتبرتها "حيلة دعائية".
فما حقيقة هذه الاتهامات من ناحية الشواهد والإثباتات الموثّقة من قبل الأطراف محل الاتهام، وما أثر هذا الدعم في سير العمليات العسكرية؟

حريق وتشريد

يرى الباحث في مركز الخرطوم للحوار اللواء الرشيد معتصم مدني أن "الإمارات نجحت قبل الحرب فى إدخال أجهزة ومحطات اتصال حديثة لمصلحة "الدعم السريع" وكانت محل شكوك شعبية ورسمية، إضافة إلى دخول ذخائر وأسلحة ثقيلة، فضلاً عن وصولها إلى مراحل متقدمة في التأثير على قادة 'الدعم السريع' والسيطرة عليهم ودفعهم إلى تبني خطاب سياسي متقاطع مع مؤسسات الدولة الرسمية ويصب فى خدمة أجندة خارجية والاندفاع الزائد المبني على الثقة في القدرات العسكرية والاطمئنان على دعم حلفاء الخارج".

وتابع، "في المقابل نجد أن الجيش صبر على كل أشكال الدعم الإماراتي لهذه الميليشيات، مع محاولة امتصاص الخروقات ومعالجتها على الطريقة السودانية لتجنب الحرب وكوارثها، لكن من المؤسف اجتمعت طموحات مجموعة من السياسيين السودانيين مع أطماع حكام أبوظبي وغرور قائد 'الدعم السريع' محمد حمدان دقلو 'حميدتي' الذي زادت ثقته بنفسه في الوصول إلى قمة الهرم بالنظر إلى تجربته في الوصول إلى مواقع قيادية من خلال الترقي دون الخضوع للقيد الزمني ولا الحواجز المهنية المتبعة والحاكمة في مثل هذه الظروف، فضلاً عن تحريض الخارج ورغبته بالتحكم في البلد". واستطرد مدني، "لكن في تقديري أن قراءة الجميع كانت مبنية على ظاهر الأحداث وعدم المعرفة الكاملة بطبيعة البلد، مما أنتج الحرب التي أدت إلى حريق السودان وتشريد ونزوح الملايين من المدن والقرى وفقدان أرواح آلاف الأطفال والنساء وكبار السن الأبرياء نتيجة هذه المغامرة الحمقاء غير المدروسة واللاأخلاقية".

ولفت إلى أن "العلاقة مع شعب وحكومة الإمارات كانت مبنية على الإخاء والاحترام والمصالح المشتركة وتحيط بها عاطفة شعبية جامحة، لذلك كان تورط الإمارات بحرب السودان صادماً بصورة كبيرة لعامة السودانيين وغير مفسر للوهلة الأولى، لكن اتضح الأمر مع تمادي الإمارات واستمرارها بدعم المتمردين وولوجها بالدم السوداني من خلال توفيرها للأسلحة الثقيلة عبر مثلث الحدود الليبية التشادية السودانية تحت مظلة الرايات الإنسانية والهلال الأحمر الإماراتي وبذلها ملايين الدولارات لجلب المرتزقة من دول الجوار ومن كولومبيا، علاوةً على المضبوطات التي وجدت بحوزة المرتزقة الكولومبيين الذين قُتلوا في دارفور وما حوته هواتفهم النقالة من معلومات وما تكشّف بعد ذلك من شركات المرتزقة والشبكات المسؤولة عن إدارة تمويل هذه الأنشطة".

وختم الباحث في مركز الخرطوم للحوار حديثه بالقول، "كذلك نجد أن الأرقام المتسلسلة للأسلحة والذخائر والطيران المسير والمركبات العسكرية وخطوط سيرها وشحنها ومصادر تصنيعها جميعها كان مصدرها أبوظبي، فكل هذه الوقائع والوثائق والمعلومات وشهود العيان من دول الجوار والموانئ الإقليمية التي عبرت منها هذه الترسانة الحربية عززت هذه الاتهامات، فضلاً عن العدد الكبير من التقارير التي تشير إلى تورط الإمارات في تأجيج الصراع في السودان".

 

سلاسل إمداد

بدوره قال المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية العميد جمال الشهيد، "لم يعد الصراع في السودان منذ اندلاعه قبل قرابة الـ34 شهراً محصوراً داخل حدود البلاد، بل تمدد إلى الإقليم بفعل تدخلات خارجية شكلت عاملاً رئيساً في إطالة أمد القتال، حيث تقف الإمارات في صدارة هذه الاتهامات، وتحديداً إمارة أبوظبي، التي ترى الحكومة السودانية أنها لعبت دوراً مباشراً في دعم ميليشيات 'الدعم السريع'، استناداً إلى ما تصفه بشواهد ميدانية ومواد مصادرة وتقارير أممية ومنظمات دولية مستقلة".

وبيّن أنه "خلال العمليات العسكرية التي نفذها الجيش في الخرطوم ودارفور وجنوب كردفان ووسط البلاد تمكن، حسب القيادة العسكرية، من ضبط مركبات دفع رباعي قتالية من صنع إماراتي، وذخائر حديثة، وأنظمة اتصالات متقدمة، وطائرات مسيّرة للاستطلاع والهجوم، ومواد تموين عسكري بكميات كبيرة، حيث أن بعض هذه المعدات لا تتوافر في السوق المحلية ولا تتطابق مع مخزونات سابقة داخل السودان، مما يشير إلى وجود سلاسل إمداد خارجية منظمة ذات تمويل مرتفع وتقنيات متطورة".

وأكد الشهيد أن "هذه المعطيات تتقاطع مع تقارير خبراء تابعين للأمم المتحدة ومنظمات دولية لرصد النزاعات المسلحة تحدثت عن تدفقات أسلحة عبر الحدود، ومسارات نقل غير مشروعة، واستخدام شبكات وساطة إقليمية لتجاوز القيود الدولية، ووصول هذا الدعم لم يكن يتم بصورة مباشرة إلى منشآت تخضع للدولة السودانية، بل عبر طرق التفافية تمر عبر دول مجاورة ومناطق حدودية رخوة، وشركات نقل وواجهات تجارية، فهذا النمط معروف في حروب الوكالة الحديثة، حيث تُستخدَم أطراف وسيطة ومسارات تهريب معقدة لتفادي المساءلة المباشرة".

وزاد "في تقديري إن استدامة هذا النوع من الإمداد لأشهر طويلة لا يمكن أن يتم دون غطاء سياسي ومالي من دولة راعية، لكن الأخطر من كل ذلك هو رصد وجود عناصر أجنبية شاركت في تشغيل بعض المنظومات التقنية المتقدمة، لا سيما الطائرات المسيّرة وأنظمة الاستطلاع والتشويش، ويُعد هذا النوع من الإسناد، وفق القانون الدولي، شكلاً من أشكال التدخل غير المباشر في النزاع عبر أطراف ثالثة، وليس مجرد تجارة سلاح عابرة للحدود".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأفاد بأن "القراءة العملياتية تشير إلى أن هذا التدفق من العتاد مكّن قوات 'الدعم السريع' في المراحل الأولى من الحرب من تنفيذ عمليات سريعة داخل المدن والسيطرة الموقتة على مواقع استراتيجية وإطالة أمد المواجهات، غير أن التطورات الأخيرة، خصوصاً في جنوب كردفان ووسط البلاد، توحي بأن تضييق الخناق على خطوط الإمداد الخارجية، إلى جانب الضغط العسكري المتزايد من الجيش، بدأ ينعكس في تراجع قدرات 'الدعم السريع' على المناورة والاستمرار بالزخم نفسه".

وواصل الشهيد "في نظري إن دوافع تدخل أبوظبي في هذه الحرب إذا ما أُخذت الاتهامات السودانية على محملها الكامل، ترتبط بجملة اعتبارات جيوسياسية، أبرزها الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر، والتنافس الإقليمي على الموانئ وخطوط التجارة، والاستثمارات المرتبطة بالموارد الطبيعية، وعلى رأسها الذهب، والسعي إلى التأثير في ترتيبات ما بعد الحرب".

وأشار إلى أنه على وقع هذه الاتهامات، أعلنت الحكومة السودانية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات ووصفتها رسمياً بأنها دولة عدوان، باعتبار أن دورها، بحسب ما قدمته من ملفات شملت صوراً ومواصفات أسلحة وأرقام شحنات ومسارات نقل، تجاوز حدود الوساطة أو النفوذ السياسي إلى المشاركة غير المباشرة في النزاع المسلح، وطالبت بتحقيقات دولية مستقلة ومساءلة الجهات المتورطة".

ورأى أنه "إذا كان المجتمع الدولي جاداً في إنهاء هذه الحرب عليه أن يتعامل مع هذه الاتهامات بآليات ملموسة لا تكتفي بالبيانات، بل عبر دعم لجان تحقيق دولية مستقلة ذات صلاحيات كاملة، وتشديد الرقابة على حركة الطيران والشحن في الإقليم، وتتبع شبكات التمويل المرتبطة بتجارة السلاح، ومحاسبة الدول أو الجهات التي يثبت تورطها في تأجيج النزاع".
ومضى المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية في القول إن "الحرب في السودان لم تعد نزاعاً داخلياً صرفاً، بل تحولت إلى ساحة تنافس إقليمي مفتوحة، وأنه بالنظر إلى المضبوطات والتقارير الدولية، فإن تورط الإمارات في دعم ميليشيات 'الدعم السريع' يمثل عنصراً محورياً في استمرار القتال، في حين أن تجاهل هذا البعد الخارجي سيُبقي أبواب السلام موصدة، وفي رأيي إن الطريق لإنهاء الحرب يبدأ بوقف تدفق السلاح، ومساءلة مَن غذّى النزاع، أياً كان موقعه".

حديقة خلفية

من جانبه، أوضح القيادي في "حركة العدل والمساواة" السودانية، إدريس لقمة، أن "دعم الإمارات 'للدعم السريع' بدأ قبل الحرب، ونشأت هذه العلاقة مع انطلاق 'عاصفة الحزم' ومشاركة الأخيرة في القتال في اليمن لمساندة التحالف العربي ضد الحوثيين، وتطورت هذه العلاقات إلى شراكة في مجال الذهب مقابل الحصول على أسلحة متطورة، وقد ساعد نفوذ قائد 'الدعم السريع'، كونه نائباً لمجلس السيادة، في تسهيل كل ما يتصل بتطوير هذه العلاقة، لكن بلغت مسألة الدعم الإماراتي قمتها مع اندلاع الحرب، حيث سخّرت الأخيرة كل إمكاناتها بفتح جسر جوي لإدخال الأسلحة والذخائر والمؤن والعتاد الحربي لـ'الدعم السريع' عبر المنافذ الحدودية مع تشاد وليبيا مقابل وعود بالحصول على مساعدات وتنمية وغيرها، ومن هنا بدأ السلاح يتدفق عبر مطارات أنجمينا، وأمجرس بتشاد، وبنغازي بليبيا، ومنها عبر الحدود البرية إلى الأراضي السودانية وتحديداً إقليم دارفور، لذا كان دعم الإمارات واضحاً وغير مخفي".

وأردف لقمة "عندما زاد الضغط على الإمارات باستخدامها ليبيا وتشاد في إدخال الأسلحة 'للدعم السريع'، اتجهت إلى فتح منفذ جوي جديد في جنوب السودان من خلال تأجير طائرات بعيداً من مشاركة الطيران الإماراتي حتى تبعد الشبهات والاتهامات من حولها، وأيضاً وسّعت الإمارات استخدامها لمطارات دول الجوار لإخفاء دورها في تزويد 'الدعم السريع' بكل حاجاتها من السلاح وغيره من أجهزة تشويش واتصالات حديثة ومرتزقة، فلجأت إلى استغلال مطارات كينيا وأوغندا وأفريقيا الوسطى ومنها إلى مطار نيالا بجنوب كردفان بعدما بسطت 'الدعم السريع' سيطرتها على معظم ولايات دارفور، لذلك بعدما استعاد الجيش قوته قصف مطار نيالا بصورة مكثفة، وقُتل في تلك العمليات خبراء إماراتيون ومن جنسيات أخرى، مختصون في الجوانب اللوجيستية المختلفة".

وأضاف أن "الإمارات تُعتبر حديقة خلفية لدول نافذة لها مخططات لتقسيم السودان، فهي تقوم بهذا الدور بالوكالة، لكن انكشفت مساعيها ودورها وستنال العقاب جراء ما فعلته في السودان من دمار، وقد فطنت القيادة العسكرية للجيش للتدخلات الخارجية التي غذت الحرب بتوفير السلاح لقوات 'الدعم السريع' فقطعت خطوط الإمداد عبر حدود الدول المجاورة وبخاصة ليبيا وتشاد، وذلك بقصف المعابر التي تُعتبر المصدر الأساس للتدخلات".

وشدد بأنه "لولا الدعم الإماراتي، لكان الجيش قضى على 'الدعم السريع' منذ فترة طويلة، فكان هذا الدعم بكل أشكاله سواء كان سياسياً أو لوجيستياً أو عسكرياً أو مادياً وغيره بمثابة الشريان النابض لهذه القوات، لكن أخيراً تمكن الجيش من تجاوز المراحل الصعبة وبات يمسك الآن بزمام المبادرة في الميدان، حيث حقق انتصارات كبيرة في كردفان ومن المتوقع انهيار هذه القوات المتمردة".

ولفت القيادي في حركة العدل والمساواة السودانية إلى أن "فك الارتباط بين الإمارات و'الدعم السريع' ليس بالعملية السهلة، لكن من المؤكد أنه مع توالي الانتصارات التي يحققها الجيش حالياً في محاور القتال المختلفة خاصة في إقليم كردفان ستنهار 'الدعم السريع'، ولن يكون هناك من جدوى لنفخ الروح في جسد هذه القوات المتمردة، وهو ما يجعل الإمارات تتراجع بحسابات الربح والخسارة مع سقوط وهزيمة 'الدعم السريع'".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير