Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"متى تتزوجين؟" لغوغان... مطاردة النور واللون

الفنان الذي انتظر الشمس خلاصاً قبل علماء كورونا بقرن وأكثر

طاحونة مائية في بونت آفين بفرنسا للفنان بول غوغان عام 1894 (ويكيبيديا)

قد لا يكون للون علاقة بالأمر هنا، لكن للشمس علاقة لا ريب فيها. فعلى السؤال المطروح في العالم كله اليوم في زحام الموت والخراب اللذين يتسبب داء كورونا بهما منذ أسابيع عديدة، وإذ يُحبس الناس في بيوتهم بالقسم الأعظم من الكرة الأرضية، على السؤال البديهي المتعلق بما الذي ينتظره مسؤولو العالم لـ"السماح" لمئات الملايين بالخروج من محابسهم، ليس ثمة سوى جواب واحد: الشمس. إنهم ينتظرون الشمس ودفئها.

فهذان الآن هما الضمانة الوحيدة، في انتظار "مكتشفات" علمية وطبية أكثر نجاعة إن كان يوجد، لإزاحة هذا الهم الثقيل والفتّاك عن الناس أجساداً وعقولاً. والحقيقة أنه حتى وإن كان كثر من الناس قد نظروا إلى الشمس مطلباً أساسيّاً في الحياة، واليوم ينظرون إليها ترياقاً أساسيّاً ضد الموت، فإن هناك فناناً كبيراً بين عديدٍ من المبدعين، لم يكن لديه شكّ في ذلك. كان على يقين من أنّ الخلاص في الشمس، مؤكداً أن الموت نفسه سوف يكون أخفّ وطأة إن جاء وسط دفق الشمس المشرقة.

وكان هذا الفنان بالطبع بول غوغان، الفرنسي الذي نعرف أنه عاش النزر الأكبر من حياته مطارداً الشمس، ومن خلالها اللون كسلاح للهرب من مطاردة الموت.

وحسبنا في هذا السياق أن نتأمل عديداً من لوحات المراحل الأخيرة من حياته، التي رسمها في تلك الجزر الجنوبية الاستوائية التي اختارها مقراً له، وحرص على أن تكون فيها نهايته هو الذي لم يختر أين كانت بدايته. ومن بين تلك اللوحات، تلك المعنونة "نافيالا فاءا إيبويبو؟" (متى تتزوجين؟) التي رسمها في عام 1892 بين اللوحات التي رسمها في تلك الجزر معبّئا إياها بالشمس والدفء.

في هذه اللوحة (101 سم × 77سم) التي تعمّد فيها كما حاله في عديد من لوحاته التاهيتية، أن يعطيها عنواناً ربما يبدو مدهشاً وغريباً كما هي الحال هنا، لكنه بالتأكيد يضفي عليها بعداً سردياً حوارياً يربطها بحركية اجتماعية تبديه هو نفسه وكأنه "من أهل البيت" ما يمعن في صهره في بوتقتي اللون والضوء الغامرتين. وما تصوّره اللوحة حديث هنا بين صبيتين، إحداهما غارقة في أحلامها، بينما الثانية تبدو في أقصى حالات النباهة اليومية، وبخاصة من خلال يدها المرفوعة خلف الفتاة وكأنها تنبهها إلى شيء ما يتعلق بحديثهما.

غير أنّ هذا البعد الدرامي ليس هو الأساس هنا، بل البعد البصري حيث نلاحظ كيف أن جلسة الصبيتين في مقدمة الصورة تتيح للرسام أن يجعل الخلفية كاشفة عن منظر طبيعي خلاّب تغمره الشمس مظهرة ألوان الطبيعة المتنوعة بأجلى ما يكون. والحقيقة، أن غوغان جمع في هذه اللوحة عدداً لا بأس به من عناصر تنمّ عن عمله ككل، مبرّرة قطعه كل تلك المسافة الفاصلة بين تاهيتي، حيث كان يعيش حينها، ومسقط رأسه الفرنسي.

فرادة آتية من الشرق
ويقيناً أن هذا ما أضفى على فنه فرادته، فالحال أنّ الضوء وضوء الشمس بصورة خاصة كانا مطلباً أساسيّاً من مطالب حياة غوغان الذي سيعرف لسنوات طويلة كيف يعيشهما ويدمج فنه بحياته من طريقهما. هو الذي كتب رسالة ذات يوم لصديق له يقول فيها: "أنصحك بأن تضع دائماً نصب عينيك إنجازات الفرس والكمبوديين، والمصريين بعض الشيء. واعلم أن الخطأ الكبير هو اليونان، رغم جمالها".

 

ففي هذه النصيحة التي يوجهها غوغان كان من الواضح أنّ القاسم المشترك بين الفنون التي يشير إليها، إنما هو النور الغامر، النور الذي لم يتوقف عن البحث عنه طوال حياته. لكن مأساة غوغان كمنت في أنه حين عثر على القدر الأكبر من النور والشمس كان قد وصل إلى نهاية حياته تقريباً، إذ إنه سوف يرحل عن عالمنا، فقيراً مريضاً ووحيداً، في مايو (أيار) 1903. لكنه سوف يرحل سعيداً، لأنه بتمضيته أيامه الأخيرة في الجزر الاستوائية، حيث الشمس والألوان الزاهية، كان يحقق حلماً قديماً وأصيلاً من أحلام صباه.

وغوغان في بحثه الصاخب عن تحقيق ذلك الحلم، عاش منذ وقت مبكر من حياته، تلك البداوة التي سيعرفها ويعيشها كثيرٌ من فناني القرن العشرين بعد ذلك، لا سيما منهم، السينمائيون. لكن لئن كان قد قدّر لهؤلاء، وتحديداً لأسباب سياسية غالباً، وبعد ذلك لأسباب تتعلق بعالمية فن السينما بالتحديد، وأحياناً لأسباب تتعلق بالبحث عن صور جديدة ومفاجئة وغريبة، كان دافع غوغان إلى الشرق، وإلى غير الشرق، بحثه الدائم عن الضوء يزين ألوان لوحاته، هو الذي سَئِم الألوان الغامقة.

بدويّ حول العالم
ولد بول غوغان عام 1848 في باريس، التي كانت في ذلك الحين تصخب بأحداثها السياسية الخطيرة. وبعد ثلاثة أعوام من ولادته، وإثر الانقلاب الذي قام به لويس نابليون، وجدت أسرة غوغان ذات الأصول البورجوازية، أن الوقت حان للرحيل، وهكذا توجّهت العائلة إلى ليما في البيرو، من دون أن يثبط من عزيمتها كون رب الأسرة قد مات في الطريق. وسوف يعيش بول غوغان الطفل في ذلك البلد الأميركي اللاتيني المشرق حتى سن السابعة. وكانت مرحلة، ظلت ذكرياتها منطبعة في ذهنه حتى آخر أيامه، وكانت هي ما حكم رغبته الدائمة في البحث عن الشمس. بعد ذلك عادت العائلة إلى فرنسا، حيث تلقّى بول دراساته الابتدائية والثانوية، ثم التحق بالبحرية. وحين ماتت أمه وكان لا يزال مراهـقاً، وجد نفسه يبحث عن عمل. وهكذا بدأت رحلة حياته الشاقة باحثاً عن لقمة العـيش في الوقت نفسه الذي اكتشف فيه أنه يريد أن يرسم. منذ تلك اللحظة صارت حياة غوغان ثلاثية الاتجــاه: اتجاه نحو الرسم، واتجاه نحو البحــث عن عمل يقيم أوده، واتجــاه نحو الترحال الدائم. أصبح بدوياً حقيقياً

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في البداية، اكتفى بالتنقّل بين المدن والمناطق الفرنسية، مرة مع زميله كاميل بيزارو، ومرة في مدينة آرل الجنوبية مع فان غوغ الذي سرعان ما اختلف معه. أمّا ارتحـاله الأول إلى الخارج، فكان حين أقام في كوبنهاغن بالدنمارك، بعد أن تزوّج من دنماركية. غير أنّ الفـشل كان طوال ذلك الحين كله من نصيبه: الفشل في الحياة العائلية، والفشل الفني إذ إن لوحاته الأولى التي تأثر فيها بالمناخ الانطباعي السائد لم تقنع أحداً، ثم الفشل في الحصول على أي استقرار. وهكذا راح يهرب إلى الأمام، فيتوجّه إلى مقاطعة بريتاني محاولاً أن يجدّد في مواضيع رسمه، ثم يعود إلى باريس حيث يعمل لاصقاً للأفيشات، ثم يقع مريضاً مع ابنه كلوفيس، ثم يترك كل شيء ويرحل من جديد. غير أن هذا كله لم يكن أكثر من تحضير لسفره الأكبر. السفر الذي بدأ يتجسّد حين شارك في المعرض الدولي في باريس، وزار جناح جاوا (الإندونيسي)، وبدأ تأثره بالشرق يبدو واضحاً.

وصار الشرق هاجسه
ومنذ تلك اللحظة صار الشرق هاجسه. وهكذا ما لبث أن اتجه إلى تاهيتي في عام 1891، وهناك عاش مع فتاة تاهيتية صارت ملهمته. وراح يرسم تلك اللوحات التي فاجأت الجمهور والنقاد، وفتحت آفاقاً جديدة، لوحات عامرة باللون والضوء والموسيقى. وفيها عكس الحياة اليومية للناس الفطريين هناك، الناس الذين أحبهم وأحبوه، وصار معبراً عنهم وعن تطلعاتهم، مازجاً إياها بأفكار ربما وصلت إلى ذروتها في لوحته الأشهر "من أين جئنا؟ من نحن؟ وإلى أين نسير؟".

لقد عثر غوغان أخيراً على إلهامه الحقيقي، وراح يرسم وقد بدأ يصارع المرض والخوف بقوة. بعد ذلك عاد إلى باريس حيث اكتشـف أنه ورث بعض المال عن قريب له. غير أن إقامته لن تطول هذه المرة، إذ سرعان ما عاد إلى تاهيتي ليرسم من جــديد رغم اعتلال صحته، وأيضاً لكي يمضي جلّ وقته وهو يدافع عن السكان المحليين ضد الأوروبيين الذين لم يتوقف عن تسخيفهم. وفي جزر المركيز كانت نهايته، لكن بداية أسطورته، هو الذي راح الكثيرون يقلدون أسلوبه، بل أيضـاً يرغبون في عيش حياته، وفي مطاردة الشـمس كما فعل.

المزيد من ثقافة