Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إعلام إسرائيل العربي... دعاية واختراق وتجنيد

سلاح استراتيجي ثابت يتطور منذ عقود بهدف تسهيل جمع المعلومات وكسر الحواجز النفسية والظهور كـ"خصم ودود"

لا يكاد يمر يوم إلا ويتلقف الفلسطينيون رسائل مصورة ومنشورات على مختلف وسائل التواصل من "كابتن إيلا" (مواقع التواصل)

ملخص

لم تكن مواقع التواصل أو المواقع الإلكترونية الإسرائيلية الناطقة بالعربية التي يشترك في متابعتها آلاف الفلسطينيين والعرب الوسيلة الوحيدة لنشر وجهة النظر الإسرائيلية، فخلال الأعوام الأخيرة وضمن خطط واستراتيجيات مدروسة من قبل مسؤولين إسرائيليين لضرورة اختراق المجتمع الفلسطيني والعربي ومراقبته، انتشر عدد من الإذاعات والفضائيات والمواقع الإعلامية الإسرائيلية الناطقة باللغة العربية، واستطاعت أن تصل إلى عدد كبير من المشاهدين والمستمعين والقراء الفلسطينيين والعرب.

لم يكُن خبر تعيين إيلا واوية، الملقبة بـ "كابتن إيلا"، في منصب المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، خلفاً لأفيخاي أدرعي مفاجئاً للفلسطينيين، فاختلاف الوجوه بالنسبة إليهم لا يعني بالضرورة وجود تحولات في استراتيجية الدعاية الموجهة للعرب، ولا يكاد يمر يوم إلا ويتلقفون رسائل مصورة ومنشورات على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي من "كابتن إيلا" تستخدم فيها تكتيكات دعائية متنوعة تتشابه إلى حد ما مع تلك التي كان يعتمدها أدرعي لتبرير الممارسات الإسرائيلية منذ عقدين تقريباً. فلغتها العربية مألوفة جداً ولهجتها الفلسطينية المحكية (العامية) وملامحها الهادئة تعكس هذه المرة حرص واهتمام الباحثين الإسرائيليين بأداء المتحدثين العسكريين الإسرائيليين باللغة العربية والعمل على إخراجهم للجمهور قدر المستطاع بمظهر "الخصم الودود" الذي يخاطبهم بلغة محملة برسائل عاطفية ومفردات إنسانية أقرب إلى الوعي الجمعي العربي لا بلهجة الأوامر العسكرية.

ووفقاً لتقرير موقع "سوشيال آيبوك" المتخصص في دراسة الواقع الرقمي الفلسطيني، بلغت نسبة انتشار مواقع التواصل الاجتماعي في فلسطين 65.7 في المئة، وتفوق عدد مستخدميها من النساء على عدد الرجال بنسبة 51.4 في المئة. وأشار التقرير إلى اتجاه الفلسطينيين لاستعمال تطبيقي "تيك توك" و"تيليغرام" لأنهما أتاحا للمستخدمين مساحة أكبر للتفاعل الآمن ونشر القضية الفلسطينية، في حين تصدر موقعا "فيسبوك" و"واتساب" قائمة أكثر مواقع التواصل الاجتماعي تصفحاً من قبل الفلسطينيين. وبحسب البيانات فإن نحو 36.1 في المئة من الفلسطينيين يقضون من ثلاث إلى خمس ساعات في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي يومياً.

تكتيكات مدروسة

لم تكُن مواقع التواصل أو المواقع الإلكترونية الإسرائيلية الناطقة بالعربية التي يشترك في متابعتها آلاف الفلسطينيين والعرب الوسيلة الوحيدة لنشر وجهة النظر الإسرائيلية، فخلال الأعوام الأخيرة وضمن خطط واستراتيجيات مدروسة من قبل مسؤولين إسرائيليين لضرورة اختراق المجتمع الفلسطيني والعربي ومراقبته، انتشر عدد من الإذاعات والفضائيات والمواقع الإعلامية الإسرائيلية الناطقة باللغة العربية، واستطاعت أن تصل إلى عدد كبير من المشاهدين والمستمعين والقراء الفلسطينيين والعرب.

وفضلاً عن إذاعة "صوت إسرائيل" التي تُعد من أوائل وسائل الإعلام الإسرائيلية الناطقة بالعربية، أنشئت القناة الفضائية الإسرائيلية الناطقة باللغة العربية، وأضيفت إليها قناة "هلا"، فضلاً عن القناة "24i" التي بدأت خلال عام 2024 البث باللغة العربية، بعد أن كانت تبث بلغات أجنبية فقط، وتتوجه إلى الرأي العام العالمي لطرح وجهة النظر الإسرائيلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى مراقبون أن منابر الإعلام الإسرائيلي الناطق بالعربية باتت تستخدم استراتيجيات ناعمة ترتكز على الجانبين النفسي والثقافي بهدف كسر الحواجز النفسية واختراق الوعي الجمعي، مما يسهل عليها نقل رسائلها وتأثيرها إلى المجتمع العربي من دون إثارة ضجة واضحة.

وبعد النجاحات الكبيرة التي حققتها حسابات وصفحات باللغة العربية لمتحدثين رسميين إسرائيليين باللغة العربية، كالصفحة الأشهر على الإطلاق والأكثر تصفحاً "إسرائيل تتكلم بالعربية" التي أنشأتها وزارة الخارجية الإسرائيلية لجذب الجمهور العربي إليها والتفاعل معها واستخلاص المعلومات من المتفاعلين بل تجنيدهم للدفاع عنها، دشنت وزارة الدفاع الإسرائيلية عام 2015 صفحة على "فيسبوك" باسم "المنسق" يديرها منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية بذريعة تقديم الخدمات إلى الفلسطينيين والنصائح والإرشادات المختلفة. وألحقتها بعد سنوات قليلة بإطلاق "إذاعة إلكترونية" تعرف بـ"راديو المنسق" بهدف التواصل مع الجمهور الفلسطيني مباشرة يوم الخميس من كل أسبوع لتقديم معلومات وخدمات تلامس حياته اليومية، والتي غالباً ما تركز على تقديم المساعدات الإنسانية والمعلومات الأمنية.

إضافة إلى ذلك، يمتلك كبار المسؤولين مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والمتحدث الرسمي باسمه حسابات عربية تنشر من خلالها الأخبار الرسمية والخطابات الموجهة إلى الجمهور العربي، وأنشأت إسرائيل لبعض سفاراتها في البلدان العربية صفحات باللغة العربية لتكثيف الحضور في حياة المواطنين العرب، عدا عن الصفحات الجانبية الأخرى التي تعمل كجزء من خطة عميقة ومنظمة تستهدف إعادة تشكيل بنية الوعي العربي، وتهيئة الجيل الشاب عبر مخاطبته بلغته لتقبّل إسرائيل كجزء طبيعي من نسيج الشرق الأوسط.

كسب العقول

لم تستخدم إسرائيل اللغة العربية فقط كأداة للفهم والتأثير والتواصل، بل دأبت على استخدامها مستهدفة مواطنيها العرب والجمهور الأوسع في العالم العربي لتحقيق أهداف سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، وتقديم صورة أكثر "ودية" للتأثير في الرأي العام الإقليمي والعالمي من خلال الرسائل المباشرة، مما يهدف إلى تقليل العداء ويخلق انطباعاً بالتقارب.

ويرى مراقبون أن التواصل باللغة العربية سهل جمع المعلومات الاستخباراتية وفهم الديناميكيات الاجتماعية وفتح قنوات للتبادل الاقتصادي والثقافي، بخاصة في ظل العلاقات المتنامية مع دول عربية. وعلى رغم أن "قانون الدولة القومية" الصادر عام 2018 أضعف بصورة قانونية ورسمية مكانة اللغة العربية في إسرائيل وأعطاها مكانة أدنى من لغة رسمية، تزايد على مدى العقد الماضي الإقبال على تعلم هذه اللغة من قبل الإسرائيليين، وظهرت عشرات المبادرات لتعليم العربية لتلبية تلك الرغبات بطرق مختلفة.

 

ففي القدس كثفت البلدية جهودها في تعليم العربية، وأطلقت خلال العامين الأخيرين منهاجاً جديداً يسمى "أهلاً"، يعتمد على تدريس التلاميذ في المدارس اليهودية بالقدس اللهجة الفلسطينية المحكية بدلاً من اللغة العربية الفصحى، وادعت البلدية أن البرنامج جاء بهدف "تعزيز قدرة الطلاب اليهود على التواصل باللغة العربية، في محاولة لخلق ضوءٍ إيجابي بين سكان المدينة العرب واليهود".

وكشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في يوليو (تموز) عام 2025 عن أن السلطات الإسرائيلية تهدف بعد إخفاقات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى تكثيف جهودها لتدريب وحدات في الجيش متخصصة في اللغات واللهجات المحلية بغية تعزيز قدراتها الاستخباراتية ومراقبة الاتصالات وشبكات التواصل الاجتماعي بصورة أكثر فاعلية ودقة، مؤكدة أن شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) أطلقت برامج تدريبية مكثفة تمتد على مدى ستة أشهر لتعليم شباب أنهوا دراستهم الثانوية حديثاً لغات ولهجات محددة بحسب الحاجات الأمنية.

وتضم مدارس اللغات التي تديرها "أمان" منذ بداية تأسيسها عام 1950 لغات ولهجات متنوعة تشمل السورية واللبنانية والفلسطينية والعراقية البدوية، وأضيفت أخيراً اللهجة اليمنية. ووفقاً للصحيفة، يشمل التدريب اللغوي مواد نصية وصوتية واقعية وأغاني ومقاطع فيديو من شبكات التواصل لإتقان النبرة واللهجة بصورة طبيعية والحفاظ على التأهب العملي لدى المتدربين عند أعلى مستوى.

ثقافة إسلامية

وبحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي لم يتوقف الأمر عند ذلك، فأصدرت قيادة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تعليمات بعمل دورات في الثقافة الإسلامية واللغة العربية بدءاً من مرحلة ما قبل التجنيد وصولاً إلى تدريب الضباط لفهم المجتمعات العربية على نحو أعمق، وتخريجهم ليفهموا طبيعة المنطقة ويتحدثون العربية بطلاقة، ويشمل ذلك "الهاكرز" ووحدات "السايبر" ووحدة النخبة في الاستخبارات الإسرائيلية "8200".  

ويُعد "معهد اللغة العربية" الذي أسسه جهاز الاستخبارات الإسرائيلية "الشاباك" بعد عام 1967 أول مركز عسكري متخصص ومنظم لإتقان اللغة العربية ولهجاتها لدى الإسرائيليين، وتعليم مبادئ الدين الإسلامي والثقافة العربية وعادات العرب وتقاليدهم، وكذلك يكرس جزءاً من تدريباته لحفظ أجزاء من القرآن الكريم ومعاني الآيات، وأضاف المعهد خلال الأعوام الأخيرة تعلم نمط سلوك الشبان على شبكات التواصل الاجتماعي.

وبحسب موقع "واللا" الإسرائيلي، فإن التحديات الجديدة التي تواجه "الشاباك" دفعت إلى بلورة مساق يستمر لمدة 10 أشهر، تكرس منها ثلاثة أشهر للغة العربية الأدبية، وثلاثة أشهر أخرى للعربية الأساسية، وأربعة للمستوى المتقدّم في اللغة العربية والتمرينات التطبيقية، وبذلك يكون الضابط الخريج في جهاز "الشاباك" متمكناً من إتقان اللغة العربية، بل معرفة أسماء العائلات والحمائل، وأسماء الشوارع في المنطقة التي يعمل بها ضمن عمليات أمنية معقدة وسرية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير