Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جدل في ليبيا بعد تنفيذ حكم جلد امرأة علنا بدعوى "الزنا"

أوامر باتخاذ الإجراءات ضد كل من ثبت تورطه في واقعة التشهير ومخاوف من عودة ممارسات "داعش"

لحظة قيام أحد أفراد الشرطة القضائية بجلد السيدة (مواقع التواصل الاجتماعي)

ملخص

قالت المستشارة السابقة لوزيرة المرأة بحكومة الوحدة الوطنية أحلام بن طابون، "إذا كان الزنا جريمة بين رجل وامرأة، فلماذا تُنشر صورة المرأة وحدها؟ أين الرجل الذي شاركها جريمة الزنا؟".

أثارت مشاهد جلد امرأة ليبية متهمة بالزنا في مدينة سبها الواقعة تحت سيطرة قوات الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، مخاوف عديد من الليبيين من عودة الممارسات التي كانت تُعرف بها فترة سيطرة تنظيم "داعش" على درنة وسرت، التي كانت تطبق في ساحاتها العامة عقوبات الجلد قبل أن تتطور إلى الإعدامات وقطع الرؤوس كنوع من أدوات النفوذ وفرض السيطرة.

انقسامات

الفيديو الذي ظهرت فيه امرأة مقيدة الأيدي، وجاثمة على ركبتيها، ويقف بجانبها أحد ضباط الشرطة القضائية، وهو يجلدها بسوط أسود، أثار انقساماً بين الليبيين، فهناك من يراه تطبيقاً للشرع الإسلامي الذي أمر بجلد الزاني والزانية، ومن اعتبره إهانة وعقوبة انتقائية قائمة على التمييز الجنسي، وبخاصة أن الزاني لم يُجلد. وولدت من رحم هذا الانقسام مخاوف من عودة عقوبات ارتبطت بتنظيم "داعش"، ومدى تأثير هكذا ممارسات على صورة ليبيا الحقوقية في الخارج.

وأدانت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا هذه الواقعة، معتبرة إياها انتهاكاً للكرامة الإنسانية، وطالبت مكتب النائب العام بفتح تحقيق عاجل ومحاسبة المسؤولين. من جهته، أعلن جهاز الشرطة القضائية إيقاف المتورطين في التنفيذ العلني والتصوير، وبدوره كلف المجلس الأعلى للقضاء إدارة التفتيش بالتحقيق في تسريب ونشر الفيديو.

وقال المحلل السياسي المقرب من قوات حفتر، عبدالله الغرياني، إن نائب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن صدام حفتر أصدر أوامر باتخاذ الإجراءات القانونية ضد كل من ثبت تورطه في واقعة التشهير بالمرأة التي ظهرت وهي تُجلد، وأوضح الغرياني أن القانون الليبي الحالي رقم 70 لعام 1973 لا ينص على تنفيذ عقوبة الجلد علناً في الشوارع أو تصويرها ونشرها، بل يُوجب تنفيذها داخل مراكز مختصة بحضور النيابة والطبيب.

وأيد شق من الرأي العام الليبي مشهد الجلد، مؤكدين أنه "تطبيق لحدود الشريعة الإسلامية"، في حين قالت المستشارة السابقة لوزيرة المرأة بحكومة الوحدة الوطنية أحلام بن طابون، "إذا كان الزنا جريمة بين رجل وامرأة، فلماذا تُنشر صورة المرأة وحدها؟ أين الرجل الذي شاركها جريمة الزنا؟".

وأضافت أن العدالة لا تُجزَّأ، ولا يجوز أن يتحول التشهير إلى عقوبة تُطبَّق على طرف من دون الآخر. وفسر وكيل وزارة الخارجية الليبية السابق حسن الصغير غياب الشريك في جريمة الزنا عن عقوبة الجلد باحتمال أن يكون مجهولاً لدى السلطات.

وصم حقوقي

رأت الحقوقية مونا توكا أن المساواة أمام القانون لا تعني فقط أن تكون النصوص القانونية واحدة، وإنما أن تكون مظاهر تنفيذها متساوية أيضاً، فإذا كانت المرأة وحدها هي التي أصبحت محل العرض العلني والتداول الإعلامي، بينما غاب الرجل عن مشهد الجلد، فإن ذلك يخلق انطباعاً بوجود انتقائية في إظهار العقوبة حتى لو كان الحكم القضائي قد شمل الطرفين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحذرت من أن العقوبة في هذه الحالة لا تعود مقتصرة على الجلد، ولكنها تمتد إلى الوصم الاجتماعي حتى لو تم تغطية وجه المرأة، فليس هناك قانون أو بند واحد في النص الليبي يجيز التصوير والتشهير أثناء تنفيذ العقوبة، لأن الصورة الرقمية تستمر في التداول إلى أجل غير معلوم، بينما قد لا يواجه الرجل القدر نفسه من الأثر، وبخاصة في مجتمع لا يزال يتعامل مع قضايا الشرف بمعايير مختلفة بين الجنسين.

بخصوص صورة ليبيا الحقوقية لدى صناع القرار الدولي، قالت توكا إن مثل هذه المشاهد تترك أثراً مباشراً على صورة ليبيا الحقوقية، فالتقييم الحقوقي يشمل مدى احترام مبادئ المساواة والكرامة الإنسانية وعدم التمييز في تنفيذ القانون بين الجنسين، منوهة إلى أنه إذا ظهر للمجتمع الدولي أن النساء يتحملن العبء الأكبر من الإذلال العلني أو الوصم الاجتماعي، فإن ذلك سيعزز الانطباع بوجود فجوة بين مبدأ المساواة أمام القانون والممارسة الفعلية على الأرض، وهو ما ينعكس سلباً على صورة ليبيا والتزاماتها في فضاء حقوق الإنسان.

مدير مركز الدراسات الاستراتيجية بواشنطن خالد المشيطي، قال إن "مشهد جلد امرأة ليبية في ساحة عامة بمدينة سبها، نسف ما بُني خلال عقد كامل، ووضع المؤسسة الأمنية أمام أخطر اختبار دولي. ونوه إلى أن مشهد الجلد سيغزو مراكز البحث وصنع القرار، ولن يُنظر إليه كحادثة عابرة يمكن تجاوزها ببيان أو تبرير، بل كمادة تستخدم لتشويه صورة المؤسسة العسكرية والأمنية، وضرب كل المكاسب التي تحققت بالجنوب، في فترة تحتاج فيها ليبيا إلى تعزيز ثقة العالم بمؤسساتها، لا إلى تقديم الذرائع لمن يريد عزلها وتشويهها".

وقال المشيطي إن القوى الكبرى تعتبر المؤسسة العسكرية طرفاً يمكن التعامل معه في ملفات مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، والهجرة غير النظامية، وحماية المنشآت الحيوية، ولهذا فإن أي تصرف خارج القانون لا يضر بالأشخاص المتورطين وحدهم، بل قد يضرب الصورة التي بُنيت على مدى أعوام طويلة، لأن المتطرفين سيستغلون هذا المقطع لتشويه المكاسب التي حصلت بالجنوب الليبي طيلة الأعوام الماضية.

وتابع أن "ما حدث في سبها يتطلب تفكيك هذا السلوك من زوايا قانونية، وأمنية، وأيديولوجية، لأن هذه التصرفات الفردية أو الفئوية غالباً ما تكون نتاج مزيج من التغلغل الفكري وغياب الانضباط المؤسسي".

وأكد المشيطي أن "هذا التصرف ليس مجرد سذاجة فردية، بل هو سلوك استعراضي سلطوي يعكس خطورة غياب الانضباط المؤسسي وتسلل الأفكار المتطرفة لبعض منتسبي الأجهزة الأمنية". ونوه إلى أن حماية أمن المجتمع لا تكون بانتهاك القانون والتشهير بالكرامات، بل بالالتزام الصارم بشرعية الإجراءات وسيادة القانون تحت مظلة الدولة الرسمية.

المزيد من تقارير