Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مرغريت دورا الروائية التي حاولت أن تكون سينمائية

الكاتبة التي أنقذت أشهر رواياتها "العاشق" من مصير نخبوي سينمائي مؤكد

مشهد من فيلم "العاشق" (1992) لجان جاك آنو (موقع الفيلم)

هناك سؤال لا يتوقف عن طرحه على أنفسهم كثر من قراء مرغريت دورا، سيدة الرواية الفرنسية عند نهايات القرن العشرين، بل كذلك تلك الكاتبة التي جرؤت بقوة على الدنو من الفن السينمائي، كاتبة ومخرجة وتحديداً منذ النجاح الكبير، والأوسكار الذي فازت به عن أشهر سيناريو سينمائي كتبته وهو سيناريو فيلم "هيروشيما يا حبي" الذي حققه آلان رينيه ولا يزال يعتبر حتى اليوم حالة خاصة في مسار الموجة الجديدة في السينما الفرنسية منذ نهاية الخمسينيات: لماذا لم تقدم دورا على تحقيق اقتباس سينمائي عن روايتها "العاشق" التي تعتبر أهم أعمالها الأدبية وأكبر نجاح جماهيري في تاريخ الرواية الفرنسية الإبداعية خلال الثلث الأخير من القرن العشرين؟ لماذا تركت آخرين يفعلون ذلك قبل رحيلها بسنوات وهي المعروفة بأنها خلال العقدين الأخيرين وأكثر من حياتها حققت عدداً كبيراً من الأفلام؟. فدورا رحلت عن عالمنا عام 1996 عن 82 سنة وكانت لا تزال في قمة نشاطها، أما فيلم "العاشق" فقد حققه جان جاك آنو عام 1992 بعد مخاض دام نحو أربع سنوات ما يعني أنه كان في إمكان دورا أن تقوم بالمهمة بنفسها. فلماذا كان ذلك الاستنكاف؟ ثم، نعرف أن الفيلم أتى شعبياً بسيطاً وحتى إباحياً إلى حد ما فما الذي منع كاتبة روايته من أن تخوض التجربة بنفسها؟ فلو فعلت هل كان من شأن النتيجة أن تكون مقبولة من الجمهور العريض؟

بين السينما والأدب الخالص

تلكم أسئلة لا بد دائماً من طرحها وهي طرحت بقوة على أية حال منذ عام 2014 حين، بعد ثمانية أعوام من رحيل دورا، أي في عام 2014 أقام مركز جورج بومبيدو الثقافي وسط العاصمة الفرنسية سلسلة عروض طاولت معظم الانتاج السينمائي الذي حققته مرغريت دورا ككاتبة ومخرجة، ما كشف أن الروائية والكاتبة التي كانت شغل الإعلام والحياة الثقافية الفرنسية طوال عقود طويلة من حياتها كانت كثيرة الإنتاج في المجال السينمائي، بل لعل عدد أفلامها يزيد على عدد رواياتها علماً بأن الصنفين اختلطا دائماً لديها كم اختلطا أحياناً بتدخلها في عالم المسرح. ولم لا نقول أيضاً، في عالم السياسة حيث اشتهرت خاصة بالحوار الطويل الذي تحول فيلماً وكتاباً، وأجرته جزلة طروبا مع الرئيس فرانسوا متران إثر انتخابه رئيساً اشتراكياً في فرنسا ونشر على أربع حلقات مسهبة في مجلة بالغة الطليعية كانت تنشر حينها أسبوعياً باسم "المجلة الأُخرى". وفي السياق الحواري نفسه قد يكون من المفيد هنا أن نذكّر أيضاً بكتاب تضمن حوارات طويلة أخرى جرت بينها وبين جان لوك غودار كشف عن ثقافة سينمائية لديها لا تضاهى. وهذا كله يعيدنا إلى الأسئلة التي ذكرناها أول هذا الكلام، لكنه يعيدنا كذلك، وبشكل خاص، إلى الجانب السينمائي من مسيرة دورا الإبداعية والذي "فاجأ" كثراً يومها حين كرس له المركز الثقافي الكبير ثلاثة أسابيع من العروض المتواصلة وبضع منشورات باتت مرجعية اليوم.

بين النجاح الأكبر والفشل المدهش

ولعل أول ما يمكننا ملاحظته هنا هو أن أياً من الأفلام العشرين تقريباً التي عرضت في المناسبة لا يبدو شبيهاً بـ"العاشق" كما حققه آنو المعروف خاصة بفيلمه الكبير الناجح المقتبس عن رواية أومبرتو إيكو "اسم الوردة"، كما بفيلمه الفاشل إلى حد لا يطاق "الذهب الأسود"! إذا لا يشبه أي من أفلام دورا فيلم "العاشق" لكن أياً من سيناريوهات هذه الأفلام لا يبدو شبيهاً، ولا حتى أسلوبياً، بالسيناريو الذي كتبته دورا عن هيروشيما لآلان رينيه. ولئن كان ثمة شيء تشبهه تلك الأفلام "الدوراسية" بامتياز فما هو سوى أدب هذه الكاتبة نفسه بلغتها الذاتية وتلعثمها الذي يبدو غودارياً إلى حد ما، والعناوين المنتمية إلى ما يشبه بعد – الحداثة ناهيك باللغة الشاعرية والحبكة المتعمدة غموضاً لا يدانى، إضافة إلى نزعة نسوية وعشق للتنقل بين الأماكن وتوغلاً في ذكريات مليئة بالغرابة، وفي علاقات تأتي كالفطر الشيطاني من اللامكان ذاهبة إلى اللامكان. وإلى هذا يمكننا أن نضيف الحفلات الصاخبة والعشيات المزينة بالمشروب والمواقف المباغتة والإختفاء الصادم لشخصيات ليس ثمة ما يبرر اختفاءها. ترى أولسنا هنا كمن يتحدث عن الرواية الجديدة الفرنسية كما تجلت بخاصة لدى آلان روب غرييه؟ وهل يكون ثمة غرابة هنا في أن يعتقد كثر أن دورا هي من كتب، مثلاً، سيناريو فيلم "العام الماضي في مارينباد" وأيضاً من إخراج آلان رينيه، مع أنه من كتابة روب غرييه؟

كلمات متقاطعة ولكن...

كل هذا قد يبدو هنا أشبه بلعبة كلمات متقاطعة ولكن فقط، في اعتقادنا، للذين لم يقيض لهم أن يشاهدوا تلك الشرائط "الدوراسية" الغامضة بدءاً من أشهرها، في عوالم النخبة على الأقل، "لا موزيكا" (1966) و"التدمير قالت" (1969) وصولاً إلى "أغاثا والقراءة غير المحدودة" (1981) وما تلاها، مروراً بتحف مثل "ناتالي غرانجيه" (1972) و"إنديا سونغ" (1974) و"اسمها فينيز في كلكوتا المهجورة" (1976) و"باكستر، فيرا باكستر" و"أيام بأكملها بين الأشجار" (الاثنان 1976 أيضا)؛ وطبعاً "انخطاف لول شتاين" الذي لم يعرض يومها... في نهاية الأمر لدينا هنا متن سينمائي قل أن ضاهاه متن لسينمائي طليعي بشكل عام أو لكاتب سعى يوماً كي يكون سينمائياً. والحقيقة أن هذا المتن السينمائي ذا اللغة التي يمكن وصفها بالأدبية الخالصة حيث أن دورا آثرت دائماً أن تبقى عند حدود الفن الإبداعي الذي ستقول دائماً إنها تتقنه أكثر من إتقانها أي فن آخر، هذا المتن السينمائي والذي يقوم خاصة على الحوار وأحياناً على إدخال راوية ما يلقي نصاً لا تعود الصورة أكثر من تفسير مكمل له – كما كانت الحال باكراً في "هيروشيما يا حبي" حيث أتى معظم الحوار من خارج الشاشة بصوت جان مورو الفريد -، هو في نهاية الأمر متن أدبي ندر له أن يكون بصرياً أو مكملاً لأي متن بصري.

جواب على أسئلة حائرة

وفي هذا السياق يمكننا أن نزعم أننا إنما نجيب على الأسئلة المتكاملة التي طرحناها أول هذا الكلام. ففيما يتعلق برواية "العاشق" لا بد أن نقول إنها تكاد تكون – أو هي بالفعل – أبعد روايات مرغريت دورا عن تلك النخبوية الحداثوية التي طبعت نصوصها التالية جميعاً، وبالتالي لو أن دورا تولت بنفسها اقتباس تلك الرواية في فيلم سينمائي، لن يكون من السهل عليها وقد أوغلت خلال المرحلة التي نضج فيها مشروع أفلمة الرواية، أن تبتعد عن لغتها النخبوية الحوارية التي صارت من سماتها المميزة لتنصرف إلى لغة بصرية كان من الواضح أنها في رواية "العاشق" نفسها أتت مستقاة من حس حكائي يتعلق بكون الرواية كتبت أصلاً على شكل شبه سيرة ذاتية تتناول بدايات خروج مرغريت دورا نفسها من سن المراهقة وقبل دخولها عالم الأدب ولا سيما التجديدي منه، أيام كانت مرغريت دورا تحمل اسمها الحقيقي مرغريت دوناديو لتستبدله لاحقاً باسمها الزوجي أنتيلم ثم تستقر كمبدعة على اسم دورا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حكاية حياة بسيطة

إذاً الصبية التي كتبت "العاشق" لتروي فيها حكاية تفتحها على الحياة كما على الحب والجنس وعلى القبول بالآخر والتنبّه إلى حياة سكان البلاد الأصليين في تلك المناطق من جنوب شرقي آسيا (فيتنام) التي عاشت فيها طفولتها، كانت إنسانة أخرى تماماً. ومن هنا آثرت ترك مهمة تلك الأفلمة لغيرها. لسينمائيين لا يودون الغرق في طليعية نخبوية تفسد على المتفرج تلذذه بمشاهدة الصيغة السينمائية لعمل أحبه لأنه فهمه تماماً وفهمه لأنه قُدّم له بلغة بسيطة وسرد مؤسلب ولكن أسلبة مفهومة، لا من قبل جمهور يتوخى التعقيد والتركيب والابتعاد عن البساطة. ولا شك أن مرغريت دورا في ذلك الخيار الذي أبعدها عن تحقيق "العاشق" بنفسها، أنقذت الرواية من "المصير النخبوي" الذي وسم أعمالها السينمائية كلها جاعلاً لها خصوصية تختلف عن خصوصية "العاشق" الذي يبقى واحداً من أكثر الأفلام العاطفية الفرنسية شهرة ونجاحاً، من دون أن يعني هذا بالنسبة إلينا هنا حكم قيمة!

المزيد من ثقافة