Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رمضان في الرواية العربية... من الطقس إلى البنية السردية

روائيون عرب وظفوا مسار الصيام والإفطار في بناء الأحداث والشخصيات

رمضان بريشة الرسام صفوان ميلاد (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

يحضر رمضان في السرد العربي القديم في قصص "البخلاء" للجاحظ و"الأغاني" للأصفهاني، مثلما يحضر في الرواية العربية بمراحلها كافة، من إحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ إلى شهلا العجيلي. كيف يحضر شهر الصيام في الروايات؟

اختار إحسان عبد القدوس لبطله إبراهيم حمدي في رواية "في بيتنا رجل" أن يهرب خلال ساعة الإفطار، بعد اتهامه بجريمة اغتيال سياسي مهم. ولعل كل من يعرف مدينة القاهرة، يدرك كيف تكون ساكنة خلال وقت يلي أذان المغرب في شهر رمضان. الشوارع تفرغ فجأة، رجال الأمن ينشغلون بطعامهم، والمدينة كلها تدخل في هدنة قصيرة بين جوع النهار وضجيج الليل.

في تلك اللحظة الرمضانية تحديداً، يفتح إبراهيم باب غرفته في مستشفى القصر العيني، مستفيداً من انشغال حراسه بالإفطار، ليبدأ فصلاً جديداً من الهرب والاختباء داخل بيت أسرة صديقه محيي، أسرة مصرية عادية، لا تعنيها أمور السياسة، لذا محيي نفسه لا يمكن أن تطاله الشبهات.

هكذا لا يحضر رمضان في الرواية بوصفه إطاراً زمنياً فحسب، بل بوصفه عنصراً بنيوياً فاعلاً في السرد. وقت المغرب ليس تفصيلاً عابراً، بل هو قرار تقني يضاعف المفارقة: اغتيال سياسي، يحدث في شهر يفترض أنه شهر صفاء روحي، والهرب يتم في لحظة الإفطار التي ترمز إلى الانفراج. هكذا يتحول الشهر إلى عد تنازلي درامي، كل يوم صيام يمر داخل البيت الذي يختبئ فيه إبراهيم، هو اقتراب من انكشاف التورط في إيواء هارب.

الامتناع الجسدي الذي يفرضه الصوم يوازي الامتناع الوجودي الذي يعيشه إبراهيم، المحاصر، الذي يؤجل حياته الطبيعية حتى إشعار آخر. في الوقت عينه، يبزغ شعاع قصة حب مع نوال شقيقة محيي، المسؤولة عن الدخول إلى غرفة إبراهيم وتقديم وجبات الطعام له. بهذا المعنى يغدو رمضان مرآة رمزية لفكرة المقاومة نفسها، الصوم انضباط وإرادة، والمقاومة أيضاً فعل ضبط وتضحية، سواء المقاومة في سبيل الوطن، أو مقاومة الذات واحترام البيت الذي يؤويه وتجاهل قصة الحب الوليدة، عبر النظرات والإيماءات.

ليلة القدر والسماء

"كان ذلك خلال تلك الليلة المقدسة، ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، ليلة نزول القرآن، الليلة التي تكتب فيها أقدار الكائنات، حين استدعاني أبي المحتضر إلى جوار سريره وحررني. لقد أعتقني كما يتم إعتاق العبيد في السابق. كانت الليلة موقوفة على الأطفال، فقد كانوا يعتبرون أنفسهم ملائكة أو طيور الجنة بلا حدود. كانوا يلعبون في الأزقة، وكانت صيحاتهم تختلط مع صيحات المؤذن".

في رواية "ليلة القدر" للطاهر بن جلون، يتخذ الكاتب من ليلة القدر تحديداً لحظة مفصلية يتقاطع فيها الحدث الواقعي بالمحجوب. إنها الليلة السابعة والعشرون من الشهر الفضيل، بما تحمله من قداسة ورمزية مرتبطة بنزول الوحي وتحديد المصائر، يمنح الحدث السردي طابعاً قدرياً مكثفاً. ففي تلك الليلة التي يفترض أنها ليلة الرحمة والتجلي الروحي، تتكثف أيضاً عناصر القلق والترقب والخوف، وتتحول أجواء الصلاة وتلاوة القرآن وانتظار الإعلان عبر مكبرات الصوت إلى خلفية مشحونة توحي بأن شيئاً مصيرياً على وشك الانكشاف.

تدور الرواية حول طفلة مغربية تولد في أسرة محافظة تتوق بشدة إلى إنجاب ذكر. وبسبب خيبة الأمل من ولادة أنثى، يقرر الأب أن يربيها كصبي، فيطلق عليها اسماً ذكورياً، ويخفي حقيقتها عن المجتمع، ويمنحها امتيازات الذكور في التعليم والحركة والسلطة داخل البيت. تنشأ الطفلة في حال انشطار، فهي تعيش اجتماعياً كذكر، بينما تختبر جسدياً ونفسياً تحولات الأنوثة في الخفاء.

يبلغ هذا التوتر ذروته في ليلة القدر، حيث تتزامن لحظة دينية مقدسة مع لحظة انكشاف داخلي وخارجي، حين يقرر والدها أن يبوح لها بالحقيقة. يقص الأب على الابنة دوافعه الدنيوية، مما يؤدي بها إلى أن تميط اللثام عن القناع الذي فرض عليها، هكذا تبدأ رحلة تفكك الهوية المفروضة واستعادة الذات. الرواية تقدم نقداً عميقاً لبنية المجتمع الأبوي، وللهوس بالذكورة، وللفروق الصارمة بين الجنسين في الثقافة التقليدية.

لا يكتفي الكاتب بتوظيف الشهر كزمن شعائري، بل يجعله زمناً للكشف. هذا التوازي بين الزمن الديني والزمن السردي يمنح الرواية بعداً رمزياً تخيلياً، ويجعل ليلة القدر استعارة لتحول داخلي حاسم، كأن القدر هنا لا يكتب في السماء فحسب، بل يعاد تشكيله في وعي الشخصية ذاتها. بذلك يصبح رمضان عنصراً فاعلاً في بناء الحدث، لا مجرد تاريخ تؤطر به الوقائع.

أما في رواية "سماء قريبة من بيتنا"، للكاتبة شهلا العجيلي، فيحضر رمضان لصيقاً بالذاكرة واستدعاء الماضي، عند البطلة الساردة جمان، واستعادة سنوات الطفولة والصبا، بكل ما فيها من تحولات سياسية واجتماعية. يمر من خلال عين تسرد الواقع بكل ما فيه من تشظيات، وتسترجع الماضي كي تقيم صلة الوصل مع اللحظة الحاضرة، لنقرأ: "جدتي، كانت تصر على دعوتهما في المناسبات لتناول الطعام، في رمضان، وفي العيد، فهما في النتيجة حفيدا أختها، وغريبان أيضاً. حينما يحضران إلى دارها، كنت أختبئ في إحدى الغرف، أو أغادر المنزل، لأنهما كما تقول، لا يحبان رؤية غير المحجبات".

من التراث إلى الرواية

إذا عُدنا إلى بدايات الأدب العربي نجد أن رمضان دخل النصوص الإبداعية، وحضر مبكراً عبر الشعر وكتب التراث قبل الرواية بزمن طويل. في الشعر الزهدي والمدائح النبوية، ارتبط الشهر بالتوبة والبركة، بينما ظهر أحياناً بروح مفارقة ساخرة في الشعر العباسي، كما عند ابن الرومي الذي شكا حر أغسطس إذا وافق رمضان. وفي كتب التراث، مثل "البخلاء" للجاحظ، حضر الشهر من خلال نوادر اجتماعية تكشف طبائع الناس في الصوم والإنفاق. وحضر أيضاً في كتاب "الأغاني" للأصفهاني.

في هذه المرحلة التعبيرية، كان رمضان رمزاً أخلاقياً ودينياً، أكثر منه عنصراً بنيوياً داخل حكاية روائية، وكان الشهر إطاراً ثقافياً، تروى في ظله أخبار وطرائف، ويستدعى بوصفه زمناً مميزاً في الذاكرة الجماعية.

مع ازدهار الرواية العربية في القرن الـ20 تحول حضور رمضان من رمز ديني إلى فضاء اجتماعي حي. ويعد نجيب محفوظ من أبرز من قدم الشهر روائياً، بخاصة في "خان الخليلي" و"الثلاثية"، و"المرايا".

تتحرك الأحداث في رواية "خان الخليلي"، في جو رمضان أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث تصبح طقوس الشهر، من تهيئة المطبخ إلى مدفع الإفطار واستطلاع الهلال، جزءاً من الإطار الواقعي الذي يكشف عن التناقضات الاجتماعية والاقتصادية.

رمضان عند محفوظ ليس خلفية زمنية فحسب، بل هو مؤثر يؤدي إلى كثير من التفاعلات بين الشخصيات، وبينها وبين المكان، ومواقف ما كانت لتحدث بالطريقة نفسها خارج هذا الجو. الأم التي تتهيأ للشهر، الغلاء الذي يضغط على الأسرة، فرحة الأطفال بمدفع الإفطار، كلها عناصر تجعل من رمضان مناخاً درامياً كاملاً، تتغير فيه إيقاعات الحياة: نهار بطيء، وليل عامر بالزيارات والسمر، ويؤدي رمضان وظيفة إعادة تنشيط المجال العام للحارة، فالليل يصبح زمن اللقاء والتواصل، في مقابل نهار الصوم المتقشف.

ويأتي مدفع الإفطار ليشكل علامة صوتية تنظم الزمن، وتعلن التحول من الامتناع إلى المشاركة الجماعية في الطعام والحديث. لنقرأ من خان الخليلي: "اقترب رمضان فلم يعد يفصل بين هلاله وبين الطلوع سوى أيام قلائل. لكن رمضان لا يأتي على غرة أبداً، وتسبقه عادة أبهة تليق بمكانته المقدسة... شهر الليالي الساهرة والزيارات الممتعة حيث تدور الأحاديث على قزقزة اللب والجوز والفستق.. وحانت اللحظة المرتقبة فدوى المدفع وتصايح الأطفال في الحارة وانساب صوت المؤذن جميلاً رائقاً الله أكبر... الله أكبر".

إسكندرية إبراهيم عبد المجيد

 

رواية أخرى تدور في الحرب العالمية الثانية، ويحضر فيها شهر رمضان، هي "لا أحد ينام في الإسكندرية" للكاتب إبراهيم عبدالمجيد، وفيها تتداخل أجواء الحرب، تداخلاً موجعاً مع أوقات الصوم، حتى يبدو الشهر وكأنه يفقد طبيعته الودودة تحت ثقل الطوارئ وصفارات الإنذار. فالناس يخرجون لشراء حاجات السحور والغد على عجل، لا بروح الاحتفال، بل بروح الترقب، والفرن الذي يسهر للصباح، لا يعكس بهجة ليالي الشهر بقدر ما يعكس مدينة لا تنام خوفاً من القصف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حتى موائد الفقراء التي تفتح بتعليمات الملك تحمل نبرة سياسية أكثر من كونها طقساً اجتماعياً تلقائياً، إذ يصبح الإفطار فعل رعاية مشروطاً بسلطة الدولة، لا مجرد امتداد لرحم المجتمع. ومع اشتداد إجراءات الوقاية ومنع السرادقات الدينية التي اعتادتها الساحات والميادين، يتجرد رمضان من فضائه الجماعي، فيبدو كما يصفه السرد شجرة جرداء في صحراء، شهراً منزوع الظل في مدينة اعتادت أن تزهر فيه. هكذا لا يشفع الزمن، ويغدو الصوم محاصراً بالقلق، والليل مثقلاً بالخوف، لتتجلى مفارقة مؤلمة: رمضان حاضر في الاسم والطقس، لكنه غائب في الطمأنينة.

لنقرأ من الرواية: "لقد خرج معظم الناس يشترون ما يحتاجون إليه من طعام للسحور وللغد. رأى مجد الدين فرناً فرنجياً، وفكر أن يشتري خبزاً، فقال له ديمتري أن الفرن يسهر للصباح، إنهما يستطيعان شراء الخبز في العودة... من الغد تفتح مطاعم الشعب أبوابها للفقراء، يفطرون بتعليمات الملك، يعني الفقير ضمن الأكل لمدة شهر. يعيش الملك وعلي ماهر كمان. لم يكن رمضان ليشفع عند الحكومة المصرية لتخفيف حالة الطوارئ، وإجراءات الوقاية. وكان من ظواهر التشديد على تعليمات الوقاية عدم السماح بإقامة سرادقات دينية، مما تعود عليه الناس في الساحات والجوامع وغيرها من الميادين، لذلك بدا رمضان مثل شجرة جرداء في صحراء، بالنسبة إلى الذين تعودوا عليه في المدن"

مواجهات سردية

مع تحولات السرد المعاصر، لم يعد شهر رمضان في الرواية الواقعية فضاءً للحارة والبيت والأسرة الممتدة، وموائد الرحمن والزيارات العائلية، بل مساحة كشف داخلي، ولحظة مواجهة مع الذات: صراع بين الرغبة والامتناع، بين الإيمان والشك، بين الانتماء والاغتراب. في نصوص روائية عديدة، يظهر رمضان في سياقات مختلفة، كرمز للحنين في الروايات التي تحكي عن الاغتراب، أو في سياق سياسي، حيث يُستدعى كزمن تتضاعف فيه ذكريات أسباب الهجرة التي أدت إلى مغادرة البلاد.

هكذا تحول شهر رمضان من مجرد إطار زمني، إلى عنصر بنيوي قادر على إنتاج الدلالة. من الهرب عند أذان المغرب في رواية "في بيتنا رجل"، إلى حالة الحرب في "خان الخليلي" و"لا أحد ينام في الإسكندرية"، إلى مواجهة الذات في" ليلة القدر"، والماضي في " سماء قريبة من بيتنا". ظل الشهر الفضيل مختبراً أخلاقياً واجتماعياً، يكشف الإنسان في لحظة امتناع وانكشاف واقعية.

زمن تتكثف فيه الحياة، لا لأنها تتباطأ بالصوم، بل لأنها ترى بوضوح أكبر. وربما لهذا ظل رمضان في الأدب العربي، أكثر من شهر في التقويم، ظل لحظة اختبار للسرد نفسه، وقدرته على القبض على الروح في أكثر لحظاتها صفاءً وتوتراً وتناقضاً في آنٍ واحدٍ.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة