Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"بطل العالم"... عنوان قوي لدراما هزيلة

المسلسل ابتعد من فكرته الأساس وغرق في التكرار دون داع وتاهت شخصياته بلا مبرر

ينطلق المسلسل من الحارة الشعبية بما تحمله من فقر وعوز ليصنع بطله من قلب الواقع القاسي (مواقع التواصل)

ملخص

مسلسل "بطل العالم" مشروع طموح وصادق النية، قريب من الناس، امتلك كل مقومات العمل القوي لكنه لم يستثمرها بالكامل

اعتمد مسلسل "بطل العالم" على واحدة من أكثر التوليفات إغراء في الدراما الإنسانية، وهي صناعة الحلم ورحلة الصعود من القاع إلى القمة. وعلى رغم أن هذه الفكرة ليست جديدة، إذ قُدمت مئات وربما آلاف المرات في السينما والدراما، فإن سر استمرارها يكمن في قدرتها الدائمة على مراودة خيال الشباب، وبث الأمل في نفوس المهمشين وإقناعهم بأن اليأس قد يتحول يوماً ما إلى بطولة، وأن الهزيمة ليست النهاية بالضرورة.

حارة الحلم

ينطلق المسلسل من الحارة الشعبية بما تحمله من فقر وعوز وضيق أفق، ليصنع بطله من قلب الواقع الاجتماعي القاسي الذي تعيشه قطاعات واسعة من المجتمع. لم يلجأ العمل إلى نموذج البطل الخارق أو المثالي بل قدم شاباً بملامح شاحبة وجسد عادي، لا يتمتع بصوت جهوري ولا عضلات فولاذية، وهو اختيار ذكي على مستوى الشكل والدلالة.

وجاء اختيار عصام عمر لتجسيد البطولة مناسباً لهذه الرؤية، فهو ممثل يشبه أبناء الحارات والبسطاء، ويملك ملامح قريبة من الناس، واستطاع منذ ظهوره الأول أن يخلق تعاطفاً فورياً مع الشخصية من دون افتعال أو مبالغة.

تدور الفكرة الأساس للمسلسل حول شاب يمارس الملاكمة، وكان مشاركاً في بطولة عالمية، قبل أن تنقلب حياته رأساً على عقب ليعمل كـ"بودي جارد" يؤمن بعض الشخصيات والعروض الفنية والحفلات الخاصة في محاولة شاقة لكسب قوت يومه.

هذا التحول كان يمكن أن يكون محوراً درامياً غنياً يكشف التناقض بين الحلم الرياضي والانكسار الاجتماعي، لكنه ظل في كثير من الأحيان مجرد خلفية من دون تعمق كافٍ في عالم الملاكمة أو استثمار حقيقي لفكرة "البطل الرياضي" نفسها.

انهيار المنطق

في الحلقات الأولى بدا المسلسل واعداً، وبخاصة مع تقديم شخصية "صلاح" الشاب الفقير الذي يعيش داخل غرفة فوق سطح منزل في حي شعبي قديم، ويبحث عن عمل ليعول طفلاً ويتحدث عن زوجة غامضة وعلاقة متوترة مع والده، من دون توضيح الأسباب. هذا الغموض كان عنصر جذب في البداية، وفتح أبواباً لانتظار كشف تدريجي للأسرار يعمق الشخصية ويمنحها بعداً نفسياً معقداً.

في المقابل، تظهر "دنيا" التي قامت بدورها جيهان الشماشرجي، وهي فتاة من أسرة متوسطة قاطعها والدها منذ طفولتها وربتها جدتها في فقر وعوز وتحاول تحقيق حلمها بالغناء، لكن نقص المال والدعم يقف حائلاً أمامها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تتفجر الأحداث مع وفاة "شريف الجندي" وهو والد "دنيا" الغائب، لتعتقد أنها سترث ثروة تعوض أعوام الحرمان، لكنها تصدم بأن الأب لم يترك شيئاً، بل أورثها ديوناً ضخمة تقدر بنحو 50 مليون جنيه (نحو مليون دولار)، ويطلب منها بعض الناس سداد المبلغ على رغم أنها لم تكن يوماً جزءاً من حياة أبيها بشهادة الجميع.

هنا يبدأ العمل في مخالفة أبسط قواعد المنطق الدرامي، فلا مبرر أن تطالب فتاة بدين عن أب نبذها منذ الطفولة، وغير معقول بدرجة كافية أن يتحول هذا الطلب غير المنطقي إلى محور صراع رئيس يدفع الأحداث كلها.

ولأن الصراع لا بد أن يكون حامياً بين الخير والشر، كان الخصم الذي يلاحق "دنيا" ويطالبها بسداد دين أبيها هو "سليمان المحروق" الذي أدى دوره فتحي عبدالوهاب، وهو رجل شرير بدأ حياته "بودي جارد" وتعرض للحرق في ظروف غامضة، ومن غير المعروف تفاصيل علاقته بوالد "دنيا"، والأغرب أنه كان مقرباً من الأب الراحل ويعلم جيداً أن "دنيا" لم تكن على علاقة جيدة بوالدها، ومع ذلك يلاحقها بلا هوادة، في تناقض لم تنجح الأحداث في تبريره أو معالجته.

البطل والفريسة

تتشابك الأحداث عندما تضطر "دنيا" للبحث عن حارس خاص لحمايتها، ولأنها لا تمتلك مالاً كافياً تضطر للاستعانة بشخص يرضى بأجر زهيد فتعثر على "صلاح" وتعرض عليه المهمة، وهنا يجتمع الاثنان في رحلة بحث عن المال، بينما يطاردهما "المحروق" في كل مكان.

وبدلاً من تصاعد الصراع يدخل العمل في دوائر التكرار، إذ تتشابه المواقف والمشاعر من دون إضافة نوعية أو تحولات حاسمة، وحتى إجابات الأسئلة التي تطرحها الأحداث ويضاعفها التشويق تأتي غير مقنعة وأقل من المتوقع، فتحول الصراع من دراما محتملة إلى مطاردة تفتقد الأساس المنطقي، وهذه الثغرات أضعفت التعاطف مع الأزمة نفسها مهما بلغ التعاطف مع الأبطال.

 

ولم يكن ذلك هو الإشكالية الوحيدة في العمل، بل إنه ابتعد كذلك من الشعار الرئيس الجوهري الذي من المفترض أن تبنى عليه الدراما، وهو البطولة والحلم الرياضي، وتحولت المشاهد إلى مطاردات عبر أسطح منازل وبيوت شعبية وملاهٍ ليلية.

وعلى رغم التذكير المستمر بأن صلاح بطل عالمي ورياضي محترف، فإن حضوره "البطولي" اقتصر غالباً على مشاهد ضرب متكررة، من دون استثمار حقيقي في عالم الرياضة أو تطوير مهاراته.

علاقات سطحية

لم تكن علاقة "صلاح" و"دنيا" العاطفية هي الوحيدة التي تبدو سطحية أو متوقعة بدافع أنه شاب طيب يساعد فتاة ويحميها، بل جاءت علاقة فتحي عبدالوهاب الذي قام بدور الخصم مع والد "صلاح" الذي قام بدوره محمد لطفي غامضة ومريبة، وتوقع البعض أن العداء القائم بين الرجلين سببه ثأر قديم أو أن الحرق له علاقة بهذه الخصومة ولكن لم تتضح مبررات العداء حتى الحلقة الأخيرة، وبخاصة مع إبراز أن حادثة حرق "سليمان" وقعت أثناء عمله صغيراً مع رجل موتور في ورشة.

كما كانت علاقة "سليمان" و"رانيا" زوجة والد "دنيا" المتوفَى، التي تتشارك معه في رحلة البحث عن الأموال وتطارد "دنيا"، علاقة شديدة الغرابة، فهو يحبها ولا نفهم مبررات ذلك الحب أو نعرف نبذة عن تاريخ المشاعر على رغم أنها كانت زوجة صديقه المقرب والد "دنيا".

وظلت علاقة "صلاح" بوالده غامضة حتى الحلقات الأخيرة، لنكتشف أن "صلاح" تنازل عن بطولة عالمية مقابل رشوة لإنقاذ حياة ابن شقيقه، وهو ما تسبب في غضب الأب.

 

في المقابل، كان غضب "صلاح" من والده بسبب ضغطه على شقيقه للمشاركة في مسابقة رياضية انتهت بوفاته. وعلى رغم أهمية هذه الخلفية، جاء الكشف عنها متأخراً مما أفقدها جزءاً كبيراً من تأثيرها.

ولم تكن الشخصيات الأساس في العمل هي فقط من يحمل ملاحظات قوية بل شمل الأمر الشخصيات الفرعية، إذ فتح المسلسل عدداً كبيراً من الخطوط الثانوية من دون داعٍ أو دوافع حقيقية.

وهذه الخطوط لم تُستثمر درامياً، بل ظلت مفتوحة أو انتهت من دون تأثير، وكأنها أضيفت فقط لزيادة عدد الحلقات لا لتعميق العالم الدرامي.

إيقاع مرهق

بدأ السيناريو مشدوداً، وبُني العالم الدرامي بعناية وسط الحارات الشعبية وعالم الفقراء وحياة الملاكمين والرياضيين والقائمين بالحراسات الخاصة، لكن مع تصاعد الأحداث فقد المسلسل زخمه وسيطر الإيقاع البطيء إلى حد الركود على بعض الحلقات.

تقدم الزمن من دون أن يتقدم الحدث وتكررت المشاعر بلا إضافة، مما جعل المشاهدة غير حماسية على رغم جودة تمثيل بعض النجوم وأهمهم بطل العمل عصام عمر الذي جسد الدور ببساطته المعهودة، وكذلك فتحي عبدالوهاب الذي منح مذاقاً خاصاً وغير مألوف لشخصية الشرير، ونجح محمد لطفي في تقديم شخصية الأب القاسي ظاهرياً لكنه محطم من الداخل، وعكس هذا التناقض بعفوية لافتة.

وانحصرت مشكلات الأبطال في عيوب ليست لها علاقة بالتمثيل والحوار بالشخصيات نفسها وعدم تعميق دوافعها النفسية بما يكفي في بعض المنعطفات المصيرية، إذ ينتقل الممثلون من موقف إلى آخر من دون تمهيد درامي مقنع.

ولعل أبرز عيوب العمل أنه بنى تشويقاً حول أسرار الشخصيات، ولكنه قدم إجابات أقل من حجم الانتظار، ولم تحمل لحظات كشف الغموض قوة صادمة أو تأثيراً يعيد تعريف العلاقات أو يغير مسار الشخصيات بصورة جذرية.

مسلسل "بطل العالم" مشروع طموح وصادق النية، قريب من الناس، امتلك كل مقومات العمل القوي لكنه لم يستثمرها بالكامل. واختار العمل نهاية آمنة مترددة بين الواقعية وإرضاء الجمهور، فلم يعد "صلاح" لتحقيق حلمه القديم في الرياضة بل لوح من بعيد بإمكانية ذلك، ولم يقترب من حلم الزواج من "دنيا" التي شاركها رحلتها المضنية بل ظل الأمر كأنه تلميح قد يحدث أو لا يحدث، وربما ترك صناع العمل مساحة لنهاية مفتوحة تمكنهم من عمل جزء جديد في حال الرغبة في ذلك، لكن تأكيد اسم العمل "بطل العالم" لم يكن ضمن حساباتهم الأساس، لذلك خسر المسلسل الأثر العميق الذي يوحي به عنوانه.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون