ملخص
على رغم عدم استبعاد الرئيس السيسي منع استخدام الهواتف المحمولة للأطفال دون سن معينة، فإن رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب أحمد بدوي، قال في تصريحات صحافية إن مشروع قانون تدرسه اللجنة لا يهدف إلى المنع المطلق وإنما يسعى إلى تنظيم استخدام الأطفال الهواتف المحمولة ومواقع التواصل وفق المراحل العمرية المختلفة، بحيث يوازن القانون بين حق الطفل في الاستفادة من التكنولوجيا وفي الوقت نفسه تجنب الآثار السلبية مثل الإدمان الرقمي والتعرض لمحتوى غير ملائم والتنمر الإلكتروني وغيرها.
تتجه مصر إلى استحداث تشريع قد يمنع استخدام الأطفال الهواتف المحمولة لحمايتهم من أخطار التعرض الزائد للمحتوى الإلكتروني، في محاكاة لتجارب دول أخرى مثل أستراليا، لكن الملف الذي طرحه الرئيس عبدالفتاح السيسي، بقدر ما أثار ترحيباً شعبياً وبرلمانياً، فإنه دفع أيضاً إلى تساؤلات في شأن آلية تطبيق التشريع من الناحيتين التقنية والقانونية.
وكان الرئيس المصري أشار خلال كلمته في احتفالية عيد الشرطة قبل أسبوع إلى سن أستراليا ودول أخرى تشريعات للحد من استخدام الهواتف لمن هم دون سن معينة، مؤكداً ضرورة دراسة تجارب الآخرين لحماية الأبناء من "أخطار قد تهدد وعيهم وتكوينهم".
بعد ساعات من حديث الرئيس، أعلن مجلس النواب المصري دراسة إقرار تشريع يضع ضوابط لاستخدام الأطفال تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى "إدراك الدولة العميق لحجم التحديات التي تواجه أطفال مصر من أخطار نفسية وسلوكية نتيجة الاستخدام المفرط لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي بما قد يصل إلى حد الإدمان الرقمي".
وأعلن المجلس أنه سيعقد حواراً مجتمعياً لتلقي المقترحات من جهات الحكومة وأية أطراف أخرى لصياغة قانون يحقق هدف "حماية النشء المصري من أية أخطار تهدد أفكاره وسلوكياته"، وفق بيان للمجلس.
تنظيم وليس منعاً
وعلى رغم عدم استبعاد الرئيس السيسي منع استخدام الهواتف المحمولة للأطفال دون سن معينة، فإن رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب أحمد بدوي، قال في تصريحات صحافية إن مشروع قانون تدرسه اللجنة لا يهدف إلى المنع المطلق وإنما يسعى إلى تنظيم استخدام الأطفال الهواتف المحمولة ومواقع التواصل وفق المراحل العمرية المختلفة، بحيث يوازن القانون بين حق الطفل في الاستفادة من التكنولوجيا وفي الوقت نفسه تجنب الآثار السلبية مثل الإدمان الرقمي والتعرض لمحتوى غير ملائم والتنمر الإلكتروني وغيرها.
ومن بين الضوابط المنتظر أن يتضمنها القانون سن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ومعايير واضحة للمراقبة الأبوية، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة في التوعية، وفق رئيس لجنة الاتصالات بمجلس النواب، الذي أكد أن متخصصي الصحة النفسية والتربوييين سيشاركون إلى جانب مسؤولي الجهاز القومي للاتصالات ومجلس الأمومة والطفولة في الحوار المجتمعي الذي يعتزم البرلمان تنظيمه بهدف الخروج بتشريع يراعي الجوانب القانونية والتقنية والمجتمعية.
وفي مصر نحو 40 مليون طفل دون سن الـ18 نسبتهم 36.8 في المئة من المصريين، وفق بيان للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وبحسب تقرير للجهاز صدر عام 2017، فإن نحو 47 في المئة من الأطفال بين الرابعة والـ17 سنة يستخدمون الهواتف المحمولة، وتزداد النسبة في الحضر (85 في المئة) مقارنة بالريف (41 في المئة).
ووفق بيانات وزارة الاتصالات المصرية، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت على الهواتف المحمولة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، نحو 84 مليون شخص.
أضرار خطرة
ترى أستاذة الطب النفسي بجامعة الأزهر، صفاء حمودة، أن الاتجاه إلى هذا التشريع خطوة طال انتظارها، بخاصة أن الاكتفاء بالتوعية في شأن استخدام الأطفال مواقع التواصل الاجتماعي لن يؤتي بثماره، لذا نحتاج إلى القانون بالتوازي مع التوعية، محذرة من أن الـ"سوشيال ميديا" تتحكم حالياً في هوية الأطفال وأفكارهم ومعتقداتهم، ولا يمكن الاعتماد عليهم في تقييم المحتوى المعروض على الشاشات.
وقالت إن دور الأهل في التوعية لا يغني عن وجود قانون يمنع انتظام الأطفال في العالم الرقمي، مشيرة إلى ما سمته "تقصيراً" من الأهل في مراقبة أبنائهم في العالم الرقمي بسبب عدم قضاء كثير من الآباء الوقت اللازم للتربية والتوعية نتيجة انشغالهم بالعمل، واتجاه الأسر إلى منح أبنائهم الهواتف لإسكاتهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأكدت أستاذة الطب النفسي أن عيادات الأطباء تشهد بأخطار مواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال، مشيرة إلى أن تلك المواقع والألعاب الإلكترونية تحفز دماغ الطفل لأقصى درجة من خلال الإثارة والألعاب وغيرها، ومن ثم لا يستطيع الطفل التركيز في دراسته أو الانتباه إلى حصصه الدراسية وغيرها.
واعتبرت أن مواقع التواصل تحد من نجاح تقويم أخلاق الطفل وتعويده على ثقافة المجتمع، إذ يكتسب المعرفة من جميع الطبقات داخل مصر وخارجها، ويتأثر بأفكار لا تناسب مجتمعنا مثل المثلية والتحول الجنسي، موضحة أن الطفل يفتقد هويته الثقافية جراء الاطلاع المستمر من دون حدود على العالم الخارجي، فضلاً عن أخطار تعرضه للاستغلال والابتزاز.
تجارب دولية
تلك التأثيرات في الأطفال لفتت الأنظار في كثير من دول العالم، وآخرها بريطانيا، إذ نقلت تقارير إعلامية عن دراسة علمية استطلعت آراء عينة من المعلمين، أن نحو ثلث الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة لا يعرفون كيفية التعامل مع الكتاب الورقي، إذ حاولوا التمرير على صفحاته كأنه شاشة هاتف ذكي.
وكانت أستراليا أول دولة في العالم تتخذ خطوة نحو الحد من تداعيات استخدام القصر الهواتف ومنصات التواصل، إذ بدأت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 تطبيق قانون أزالت بموجبه نحو 4.7 مليون حساب لمراهقين على منصات التواصل الاجتماعي، واتخذت فرنسا خطوة مشابهة الشهر الماضي بإقرار البرلمان قانوناً يحظر الدخول لمواقع التواصل لمن هم دون 15 سنة، ومنع اصطحاب الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية لحماية الصحة النفسية للمراهقين، أما ألمانيا فيدرس البرلمان فيها فرض حظر على استخدام الأطفال مواقع التواصل.
وكان الرئيس السيسي قال إنه ناقش في وقت سابق مع مسؤولي الدولة إصدار قانون مماثل، لكنهم أرادوا متابعة تجارب الدول الأخرى، مضيفاً "طب برضو نعمل زيهم".
معاقبة الشركات
لكن تلك التحركات لا تخلو من تحديات تقنية أيضاً، إذ تساءل استشاري نظم المعلومات والأمن السيبراني محمد عسكر، عن آليات معاقبة الشركات في حال عدم التزام القانون المنتظر صدوره، ومدى قدرة الدولة على تنفيذ تلك العقوبات على كيانات كبيرة مثل "ميتا" و"غوغل" وغيرها، مؤكداً أن تحرك الاتحاد الأوروبي بفرض غرامات على بعض تلك الشركات كان له وقع كبير لأن التكتل قادر على فرض كلمته، لذلك دعا إلى تعاون الدول العربية لإصدار تشريع عربي ينظم تعرض النشء للفضاء الرقمي، بحيث يكون هناك وزن أكبر لكتلة عربية موحدة تستطيع فرض قواعد على شركات التكنولوجيا.
وأضاف عسكر لـ"اندبندنت عربية" أن القانون المنتظر صدوره من مجلس النواب يجب أن يكون متوازناً، بحيث يحمي الأطفال من أخطار العالم الرقمي، وفي الوقت نفسه لا يحجب عنهم التكنولوجيا، مشيراً إلى أن القلق من استخدام الأطفال المفرط للشاشات "مشروع" لما يحمله من أخطار على الأطفال لا يمكن تجاهلها.
وأوضح أن أستراليا لم تقم بالمنع بمعنى حجب منصات أو معاقبة الشركات، وإنما حذفت حسابات مزيفة، مشيراً إلى مسؤولية منصات التواصل الاجتماعي عن التحقق من عمر المستخدم من خلال أدوات مثل تصوير المستخدم أو ما يسمى البصمة البيومترية، وأكد قدرة أية دولة على سن قانون يجبر المنصات على آليات التحقق العمري في نطاقها الجغرافي، ولكن يبقى السؤال حول آليات معاقبة الشركات في حال عدم الالتزام، بخاصة أنها شركات عملاقة وعابرة للقارات.
تحديات الحجب
لذلك، لا يتفق استشاري أمن المعلومات مع فكرة الحجب أو المنع، لأن حرمان الأطفال من أدوات التكنولوجيا بدعوى الحماية قد يخلق فجوة معرفية وثقافية تقصيهم عن عالم يتشكل من دون انتظارهم. موضحاً أن التحدي الأكبر يتمثل في كيفية بناء وعي رقمي لدى الأطفال من دون أن يتحولوا إلى أسرى للفضاء الرقمي، واعتبر أن التوصل إلى قانون متوازن ضرورة لحماية الأطفال من الاستغلال والإدمان الرقمي، مع إلزام مواقع التواصل بمسؤولياتها الأخلاقية.
وفي نموذج لتنظيم استخدام الأطفال للإنترنت، ناقش مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، قبل أيام من حديث الرئيس السيسي، حظر لعبة "روبلوكس" الإلكترونية، التي صدرت تحذيرات عدة في شأن احتوائها على محتوى عنيف وإيحاءات جنسية واستغلال للمحادثات المفتوحة على منصة الألعاب.
واصطدمت الرغبة التشريعية بتحذير من التحديات التقنية للحجب الكامل للعبة، إذ أكد ممثلو الجهاز القومي للاتصالات أن الحجب الكامل يواجه صعوبات عملية، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية من خلال تعلم الأطفال أساليب التحايل وفك التشفير واللجوء للشبكات الافتراضية VPN، لذا تم اقتراح إتاحة باقات إنترنت تسمح بالتحكم الأبوي في المحتوى والأجهزة المستخدمة وساعات الاستخدام.
وحذر ممثلو الجهاز القومي للاتصالات من أن التوسع غير المدروس في قرارات الحجب قد يفتح المجال لمطالبات متتالية بإغلاق عدد كبير من المواقع والمنصات، بما يفرض أعباء تنظيمية وتقنية، مؤكدين أن التجارب الدولية أثبتت محدودية فاعلية حلول المنع، وفق تقارير صحافية محلية.