ملخص
العبرة ليست بالأرقام، إنما بالتأثير في المجتمع، وبالاستفادة من نتاج هذه الأبحاث، فطلاب الدراسات العليا غالباً ينقسمون إلى عدة فئات، الأولى هي المعينون في الجامعات الذين يتطلب مسارهم الوظيفي الاستمرار في الدراسة، والحصول على الماجستير والدكتوراه، وأشخاص يرغبون في استكمال الدراسة للإضافة لخبراتهم ومجال عملهم للوصول لفرص أفضل داخل مصر وخارجها، وهناك فئة تدخل لمجال الدراسات العليا من دون أي هدف أو خطة واضحة، وأحياناً لشغل وقت الفراغ أو الوجاهة الاجتماعية
أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء التقرير السنوي لخريجي التعليم العالي والدرجات العلمية في مصر، مفيداً بأن232.3 ألف طالب مقيدين بالدراسات العليا بالجامعات المصرية، منهم 41.1 في المئة للدبلومات المختلفة، و42.1 في المئة للماجستير، و16.8 في المئة للدكتوراه. كذلك أشار إلى أن المصريين حصلوا على122.9 ألف درجة علمية تتنوّع ما بين الدبلومات، والماجستير، والدكتوراه من الجامعات المصرية عام 2024 مقابل 100.5 ألف درجة علمية عام 2023 بنسبة ارتفاع قدرها 22.2 في المئة.
وأوضح التقرير أن جامعة عين شمس حققت المرتبة الأولى بين الجامعات المصرية من حيث إجمالي الدرجات العلمية العليا التي حصل عليها المصريون عام 2024 بعدد 10.1 ألف درجة علمية بنسبة 8.2 في المئة، يليها جامعة القاهرة بعدد 9.4 ألف درجة علمية بنسبة 7.6 في المئة، ثم المنصورة بعدد 8.8 ألف درجة علمية 7.1 في المئة، يليها الزقازيق بعدد 8.3 ألف درجة علمية بنسبة 6.8 في المئة.
بين رغبة الدراسة والجدوى منها
بعد الحصول على الدرجة العلمية سواء أكانت ماجستير أو دكتوراه يكون لدى الشخص طموحات بأن تنعكس على حياته بالإيجاب، وتفتح له مزيداً من الأبواب في مجال التخصص، باعتبار أنه أضاف شيئاً إلى مستواه العلمي والفكري، يحدث هذا أحياناً وفي أوقات أخرى تكون المعادلة مختلفة، فما أبرز الأسباب التي تجعل البعض يُقبل على الدراسات العليا؟
يقول أسامة السيد، مهندس، 35 سنة، "في هذا الزمن أي إضافة علمية يمكن الحصول عليها ستكون ذات فائدة، لأن التطور متسارع وخريجي الجامعات الحاصلين على مؤهلات عليا أصبحوا بلا حصر، بالتالي التنافس كبير جداً، والدراسة أياً كان نوعها ستضيف ميزة نسبية للشخص حتى لو لم تنعكس على الفرص المتاحة له في الحال، ومن هذا المنطلق حصلت على الماجستير وعلى عدة دورات في مجال تخصصي وأنوي التقديم للدكتوراه في العام المقبل، يستدعى هذا محاولة ربط الدراسة بمجال التخصص الدقيق بقدر الإمكان حتى يمكن أن تحقق لصاحبها إضافة على المستوى العملي".
فيما تقول "شيرين. أ" 30 سنة، حاصلة على الماجستير، "بعد تخرجي في كلية الآداب شعرت بأنني إذا اتجهت إلى الدراسات العليا سيمنحني هذا ميزة إضافية بين خريجي التخصص، وسيفتح لي أبواباً إضافية للعمل، كنت أتمنى أن أعمل بإحدى الجامعات أو المراكز البحثية، لكن لم أتمكّن من ذلك، وأعمل حالياً في وظيفة لا ترتبط بتخصصي من الأساس، قدمت على وظائف متعددة، ويمكنني القول إن الماجستير لم يفتح لي الأبواب، إنما أغلقها فكثير من المؤسسات ترغب فيمن هو أقل تعليماً أو في حديثي التخرج ليحصلوا على راتب أقل، كنت أنوي التقديم للدكتوراه، لكنني الآن حائرة بين رغبتي في استكمال الدراسة والجدوى من هذا الأمر".
مقارنة بالأرقام الصادرة أخيراً عن مركز التعبئة العامة والإحصاء، التي تفيد بأن هناك 232 ألف طالب مسجل في الدراسات العليا، وأن المصريين حصلوا على 122 ألف درجة علمية في عام 2024، فإنه في عام 2014 أي قبل 10 سنوات على هذه الإحصائية كان عدد الطلاب المقيدين بالدراسات العليا 356.9 ألف طالب، وحصل المصريون حينها على 120 ألف درجة علمية، وفي عام 2019 أي منذ نحو 5 سنوات حصل المصريون على 115 ألف درجة علمية، وكان هناك 200 ألف طالب مسجل بالدراسات العليا.
ليست بالأرقام إنما بالتأثير
بقراءة نتائج النشرة الصادرة أخيراً عن وضع الدراسات العليا في مصر نجد أن مجال التعليم احتل المرتبة الأولى من إجمالي الدرجات العلمية العليا التي حصل عليها المصريون من الجامعات المصرية عام 2024 بعدد 53.3 ألف درجة علمية 43.4 في المئة، يليها مجال الأعمال والإدارة والقانون بعدد 24.9 ألف درجة علمية 20.3 في المئة، ثم مجال الصحة والرفاه بعدد 17.8 ألف درجة علمية 14.5 في المئة، ومن الأشياء الجديرة بالملاحظة هو أن مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات حقق المرتبة الأخيرة بعدد 361 درجة علمية 0.3 في المئة من إجمالي الدرجات التي حصل عليها المصريون من الجامعات المصرية عام 2024.
الأرقام وإن كانت تبدو متفاوتة إلا أنها تعطي مؤشراً عن وجود حال من الاهتمام بالدراسة لدى المصريين، ورغبة في التطوير من أنفسهم بالحصول على درجات علمية عالية مع الآخذ في الاعتبار أن هذه الأرقام تحصر فقط الدارسين في الجامعات المصرية، ولا تشير إلى قطاع كبير آخر يدرس خارج البلاد.
وفق رؤية أستاذ الصحافة والنشر الرقمي بجامعة السويس ووكيل الكلية للدراسات العليا حسين ربيع، "العبرة ليست بالأرقام، إنما بالتأثير في المجتمع، وبالاستفادة من نتاج هذه الأبحاث، فطلاب الدراسات العليا غالباً ينقسمون إلى عدة فئات، الأولى هي المعينون في الجامعات الذين يتطلب مسارهم الوظيفي الاستمرار في الدراسة، والحصول على الماجستير والدكتوراه، وأشخاص يرغبون في استكمال الدراسة للإضافة لخبراتهم ومجال عملهم للوصول لفرص أفضل داخل مصر وخارجها، وهناك فئة تدخل لمجال الدراسات العليا من دون أي هدف أو خطة واضحة، وأحياناً لشغل وقت الفراغ أو الوجاهة الاجتماعية".
ويضيف، "هناك فارق بين الطالب في مراحل التعليم الجامعي والباحث في مرحلة الدراسات العليا وبعض المقدمين على الدراسة لا يدرك ذلك، فالباحث لا بد أن تكون لديه قدرة على البحث عن المعلومات وتحليلها والخروج بنتائج تقدم إفادة لطبيعة موضوع البحث".
ويتابع، "الدراسات العليا واحدة من مصادر الدخل لكثير من الجامعات، وهذا واحد من أسباب قبول أعداد كبيرة من الطلاب، أتصوّر أن هناك حاجة لأن تكون هناك خطة بالتنسيق بين الجامعات ومؤسسات الدولة المختلفة لطرح موضوعات تكون على أولوية البحث في القطاعات المختلفة، حتى يمكن أن تحقق فائدة أكبر على أرض الواقع، ويكون لها انعكاس فعليّ على المجتمع، لكن ما يحدث حالياً هو أننا أحياناً نجد باحثاً يختار موضوعاً لا يمت بأي صلة لمجال عمله، بالتالي لا يحقق إفادة منه، ولا يتجاوز الأمر حصوله على الدرجة العلمية".
وفي أغسطس (آب) 2021 أصدر رئيس الوزراء قراراً بتشكيل لجنة وزارية عليا لدراسة سُبل الاستفادة من الكفاءات العلمية من حاملي درجتي الماجستير والدكتوراه لإيجاد آليات للاستفادة من هؤلاء الباحثين داخل مؤسسات الدولة والجامعات التي تعاني نقصاً في التخصصات، على أن تُنهي اللجنة تقريرها خلال شهرين، حتى الآن وعلى رغم مرور 50 شهراً على تشكيل هذه اللجنة لم يسفر الأمر عن شيء، ولم تخرج بأي قرارات.
دفع هذا النائبة في مجلس النواب روان النحاس إلى التقدم بطلب إحاطة لرئيس مجلس الوزراء ووزير التعليم العالي لمعرفة مصير هذه اللجنة، والاستفسار عن التأخر غير المبرر في إصدار توصياتها، وأوضحت النائبة أن استمرار تهميش العقول الأعلى تأهيلاً في وظائف لا تتناسب مع قدراتهم العلمية، أو تركهم في صفوف البطالة، يتعارض بشكل صارخ مع خطط التنمية الشاملة.
تحديات وأزمات
الحصول على الدرجة العلمية ليس بالأمر الهين وإلى جانب البحث والدراسة فإنه قد تظهر تحديات متنوعة في مسار الطالب تعيق رحلته في البحث أو تتسبب في بعض العقبات، بخاصة أن الإجراءات التي تتبعها الجامعات لمتطلبات المناقشة أصبحت تتطلب عديداً من الإجراءات، مثل اجتياز بعض الدورات وأحياناً نشر أبحاث في دوريات علمية.
تقول نهي أحمد، حاصلة على الماجستير في الإدارة، "من أهم التحديات التي تواجه طلاب الدراسات العليا هو تعنّت بعض الأساتذة، وإجبارهم للطالب على توجه معين في الدراسة، وواحد من أهم التحديات هو التكاليف المادية العالية، سواء المصروفات والإجراءات المطلوبة مثل امتحان التويفل للغة الإنجليزية، تكلف يوم مناقشتي وحده نحو 25 ألف جنيه (نحو 500 دولار) ما بين حجز القاعة والأرواب والضيافة واستئجار عربة لاستقدام مناقش من خارج محافظتي والبعض يتكلف أكثر وهذا بخلاف مصروفات الدراسة على مدار السنوات، البعض قد تكون لديه الرغبة في الدراسة، لكن التكاليف تكون عائقاً أمامه".
فيما يشير خالد حسن إلى واحد من أهم التحديات التي تواجه طلاب الدراسات العليا هو "عدم تعاون جهات العمل أو تقديرها لهذا الأمر، مثل رفض منحه إجازة في أوقات معينة مما يجعل البعض يفشل في استكمال الدراسة من الأساس لعدم قدرته على التوفيق بين العمل والدراسة، كذلك عدم وجود خطة للاستفادة من نتائج هذه الأبحاث، مما يسبب إحباطاً كبيراً بعد الجهد الضخم الذي يبذل فيها، إضافة إلى ذلك فإنه بعد الحصول على الدرجة لا يقدر الشخص مادياً في جهة عمله بزيادة راتبه أو إعطائه ميزة مادية إضافية، وفي أحيان كثيرة يكون هذا محبطاً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إلى جانب الجامعات والمراكز البحثية الكبرى تنشط أشكال من النشاطات التجارية التي تعتمد على هذا الأمر مثل مكتبات طباعة وتصوير الأوراق وتوفير خدمة الكتابة والتنسيق والتصحيح اللغوي للأبحاث والرسائل العلمية ودائماً ما كانت هذه المناطق تعج بالطلاب سواء من طلاب المراحل الجامعية أو الدراسات العليا.
بعض هذه المكتبات أصبح يتيح إمكانية المساعدة في إعداد الأبحاث سواء بإعداد خطط البحث وتوفير دراسات ومراجع سابقة أو تقديم خدمات التحليل الاحصائي، مما شكّل ظاهرة كانت مثار انتقاد من الأساتذة والباحثين الجادين، باعتبار أنها تمنح فرصاً لأشخاص لا يستحقونها وتحول البحث العلمي لتجارة من دون النظر لأي عواقب أخلاقية حول الأمر، أزمة أخرى دخلت أخيراً على هذا السياق، وهي اعتماد الطلاب على الذكاء الاصطناعي، ويكشف فحص الرسائل العلمية قبل مناقشتها عن نسب الاقتباس مما ينتج منه الاعتراض على البحث ليمثل هذا شكلاً متطوراً من الأزمة ذاتها.
من وجهة نظر أستاذ الصحافة والإعلام الرقمي حسين ربيع "الفترة المقبلة ستشهد تزايداً كبيراً في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي من قبل الباحثين، وهذا تحد كبير قائم الآن، وستقوم مثل هذه المراكز التي كان بها أفراد يقومون بهذا الأمر نيابة عن الباحثين باستخدام الذكاء الاصطناعي وإيهام الباحث بأنهم هم من قاموا بهذا الأمر، وسيؤدي هذا إلى تعقيد الوضع بصورة أكبر، فهذه المراكز ستقنع الباحثين أنها قامت بهذا الجهد عن طريق باحثين لديها في حين أن المادة المقدمة لهم من إنتاج الذكاء الاصطناعي، وبالطبع لن يتمكّن الباحث من اتخاذ أي إجراء ضدهم، لأنه مشارك في الخطأ، فالذكاء الاصطناعي أضاف بعداً جديداً لهذا الأمر يحتاج إلى سبل جديدة لمواجهته".